دور الصحافة في المجتمعات – بقلم : محمد بونوار

آراءن حرة …..
بقلم : محمد بونوار – كاتب مغربي مقيم  في المانيا ….
الصحافة عامة هي عين المجتمع على كل ما يدور في المجتمعات  , مهمتها الاولى-  أي الصحافة –  تتجلى في نقل الخبر وتحليله وشرحه وتفسيره وتداعياته على ألراي العام  بكل أطيافه .
الميادين التي تهتم بها الصحافة تتنوع حسب التخصصات والميولات والتجربة, وتتأرجح بين السياسة والاقتصاد والثقافة والصحة والتربية والفن والرياضة و…..
الدورالاول في الصحافة  هو نقل الاخبار بلباقة أدبية واسلوب سلس وتعابير تشد القارء الى نهاية المقال , والدور الثاني هو احاطة المواطن بكل ما يجري في المجتمعات حتى يتسنى له                 – أي المواطن – من تتبع المستجدات وفهمها , بشكل يسهل على القارء عملية الاستيعاب والادلاء بالرأي  في المواضيع المطروحة , هذه العملية تنمي الوعي الجماعي للمجتمع وتجعل المواطن يسير في تناغم مستمر مع السياسات المتبعة والبرامج التنموية والمساهمة في رفع قيمة المواطنة والانتماء داخل المجتمع وخارجه .
الصحافة  مهنة صعبة لان كاتب المقال يكون فوق الحلبة التي تجمع الدولة والوطن والمواطن , وقد يكون ملزما ان لا يتجاوز حدود معينة في جميع المجالات , وهو الامر الذي يحتم  عليه الحفاظ على التوازن في جميع الحالات . طبعا تختلف أساليب الكتابة من شخص لاخر , لكن اللباقة في التعابيروالحنكة في الربط بين الفقرات  و طريقة  معالجة الخبر تبقى هي نقط  الاختلاف التي تميز بين كاتب وكاتب .
هناك نقط قوية تشكل العمود الفقري للصحافة وهي المصداقية والاستقلالية والنزاهة , لكن في عصرنا الحالي تداخلت الامور وتشابكت التمويلات وأضحت التبعية مرغمة على الصحافة خاصة عندما تكون للدولة , أو الحزب , أو المؤسسة  نصيب وافر في انتاج الصحافة .
مؤخرا أصبحت كثير من الدول تستغل الصحافة لصالحها , وقد حاكتها في النهج بعض الاحزاب والمؤسسات , فهل يعقل مثلا ان يكون شخص يتلقى نظير ما يكتبه من مقالات من جهة معينة  بشكل مواضب ويقوم بنقد  يمس الطرف الذي يضمن له قوت عيشه ؟
لضمان المصداقية في الصحافة  , لابد من الاستقلال الذاتي في التمويل
ليس من السهل أن تكون الصحافة جريئة على مواكبة مستجدات الاخبارالوطنية والعالمية  خاصة في وقت اضحت فيه المراقبة أكثر قوة ,وأشد صرامة . وعلاوة على المراقبة هناك التبعية المفروضة من خلال التمويلات والرعاة  والتي تفضي الى املاءات جوهرية . كثيرة هي الامثلة التي انتهت بما لا يحمد عقباه في مجال الصحافة , خاصة عندما تنتقد الصحافة النظام الحاكم بعينه . ولا داعيا للوقوف عليها بالتفاصيل .
هذه الاشكالية تجرنا الى ما يسمى بالديموقراطية وحقوق الانسان وحرية الراي والتي لا تستقيم في جميع بلدان العالم بنفس الشكل , والسبب الرئيسي في هذا النهج هو درجة مكاسب الحرية والعدالة و الديموقراطية على أرض الواقع ,وليس على أوراق الخطابات الرنانة , هذه النقط بالضبط هي التي  تفضي الى اختلاف زوايا التصورات السياسية  والتي تنطلق من معايير و خلفيات ومعطيات احترازية غير ظاهرة .
الصحافة مهنة جميلة ونظيفة  رأسمالها فكري أكثر مما هو مادي , وكلما التزمت بالمصداقية كان لها تقدير كبير من الجمهور ,وكلما كانت مستقلة ماديا , أصبحت – اي الصحافة – مستقلة في تقديم عملها الى الجمهور دون اٍملاءات أو ميولات خاصة منها السياسية والعرقية والثقافية  . وهذا هو المنحى الاقوم في الصحافة عامة , لكن مع مرور الزمن , تدفق المال على الصحافة فجعلها هجينة تجمع بين النشر والشر وبين الاملاءات والميولات بغرض الاحتواء والتقنين اولا ,وبغرض الاستحواذ على الرأي العام ثانيا ,و سعيا منها للنيل من القيم والمبادء وتغيير المفاهيم بشكل تدريجي وعلى مدى طويل الامد, ثالثا  .
من الصعب ان تتقبل الانظمة السياسية  الصحافة التي توجه لها انتقادات , ولو كانت بناءة وتخدم الصالح العام ,ولتجاوز هذا المنحى لابد من نشر الوعي الجماعي اولا , ثم فتح باب التواصل مع المطالب  بدون تحفظ . لكن في غياب هذه العناصر تبقى  جل الانتقادات تسجل بخطوط حمراء في خانة المعارضة . مع العلم أن النقد في حد ذاته هو الذي يدفع عامة الى تصحيح المسارات السياسات ويساعد على مراجعة الهفوات وتدارك البرامج التي غفلت بعض التفاصيل في بنودها .
النقطة الوحيدة التي تجعل الصحافة في محنة عويصة هي الانتقادات السياسية ولو في مواضيع اجتماعية عادية تهم المواطن بشكل مباشر . هذه الانتقادات يمكن أن تجر صاحبها الى قفص الاتهام ,ويمكن أن تجعل له حدا بشكل رهيب .
الناقد غالبا في الصحافة يكون غيورا أكثر من اللازم , ويحاول ان يساهم برأيه في التنمية وفي ايجاد حلول ناجعة للوصول الى الرخاء والازهار والذي ما فتئ كل انسان يصبو اليهما . والناقد في الصحافة تكون له أيضا وطنية أشد قوة , وأكبر حجما من المعهود , وخيال واسع يرى من خلاله ما يعجز عليه الاخرين , لكن في غالب الاحيان لا يلقى ترحيبا ولا آذانا صاغية بقدر ما كان يأمل ويطمح .
القوى العالمية وصناعة المواقف
هناك علاقة حميمية بين القوة وصناعة المواقف , وتبقى الدول القوية هي الاولى في صناعة المواقف بحكم قوتها السياسية والاقتصادية والثقافية و…..
هذه الدول تحتكر الصحافة بشكل كبير وعارم , ولا تقف عند هذا الحد بل تملي مواقفها وسياستها وبرامجها وتوجهاتها على الدول الاقل قوة , وهكذا تتحول الصحافة في هذه الدول الغير القوية الى مجرد صندوق بريد ,وبوق كبير للتأثير على الراي العام الوطني في قضايا لها علاقة بمواقف مصيرية , كتحرير أرض مستعمرة , أو مؤازرة  انقلاب  رئاسي , أو شن حرب على دولة معزولة . أو الابتعاد عن القيم التي تكون الهوية الثقافية .
الصحافة عموما لم يبق لها استقلال ذاتي في زمن التحالفات السياسية التي تغذيها المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية والاستراتجية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة