التقرير الدوري لمراكز الابحاث الامريكية

دراسات ……
المقدمة
أجواء صراع مراكز القوى في واشنطن لا تخلو من المفاجآت، سيما وأن الفريقين متشبثين بمواقفهما المعلنة، مفاقمة حالة الانقسام العامودي في المجتمع الأميركي باسره.
سيتناول قسم التحليل خطاب الرئيس ترامب السنوي بتسليط الضوء على أبعاد السياسة الخارجية، وسعيه لتغطية انسحابه من سوريا وأفغانستان باستعراض القوة ضد ايران وفنزويلا.
________________________________________
ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
تداعيات الانسحاب الأميركي مع روسيا
زعمت مؤسسة هاريتاج ان انسحاب واشنطن من معاهدة الحد من الأسلحة النووية، INF، كان ثمرة جهود أميركية متواصلة “لحمل روسيا على التقيد” بنصوص المعاهدة امتدت لسنوات خمس، بمطالبتها “تدمير نظم صواريخها من طراز 9M729،” دون جدوى. وأوضح أنه يتعين على الولايات المتحدة “مواصلتها حث الحكومة الروسية العودة إلى الالتزام الصارم بنصوص المعاهدة، والسير بالتوازي لتطوير ونشر أسلحة نووية منخفضة القوة وتطوير نظم صواريخ كروز ودفاعاتها .. والدفاع بشكل أفضل عن حلفاء الناتو من تهديدات صواريخ كروز الروسية.”
أشاد المجلس الأميركي للسياسة الخارجية بقرار البيت الأبيض الانسحاب من المعاهدة النووية مع موسكو على الرغم من حالة الانقسام السائدة بين الحزبين السياسيين، من جانب، وبين الكونغرس والبيت الأبيض من جانب آخر. وأوضح أن كلا الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، متفقان على ما تشكله “روسيا والصين من تهديد متصاعد على الأمن القومي للولايات المتحدة، وعلى سلامة حلفائنا .. وجهود البلدين المتسارعة لتطوير نظم أسلحة لا يتوفر للولايات المتحدة نظم دفاعية للتعامل معها في الوقت الراهن.” وأردف نقلاً عن دراسة حديثة صدرت عن مكتب المحاسبة الحكومي، وهو مؤسسة رسمية، أن “الصين وروسيا تمضيان في تطوير وانتاج اسلحة لها تتميز بسرعتها الفائقة، تزيد عن 5 أضعاف سرعة الصوت، والمناورة خلال التحليق قد تهزم معظم نظم الدفاع الصاروخية” المتوفرة في الترسانة الأميركية، مشدداً أنه “لا تتوفر تدابير أو أسلحة لاعتراضها حالياً.”

الصراع الداخلي على السياسة الخارجية
رصد معهد هاريتاج آفاق صراع مؤسستي الحكم، الرئاسة والكونغرس، على التحكم بالسياسة الخارجية، وبدء “معارضة مشتركة من الحزبين لتوجهات البيت الأبيض في السياسات الخارجية والأمن القومي،” مشيراً إلى نجاح مصادقة مجلس الشيوخ على مشروع قرار ينتقد الرئيس ترامب على تصريحاته بالانسحاب من سوريا وأفغانستان، بنسبة 68 مقابل 23 صوتاً؛ عززه مشروع قرار آخر يرمي لإنهاء الدعم العسكري الأميركي للحرب السعودية على اليمن. وأضاف أن الرئيس ترامب وفريقه في مجلس الأمن القومي لا يعير بالاً لخصومه ومضى متحدياً بالإعلان عن “إحراز تقدم في المفاوضات الأفغانية التي يصفها معارضوه بالاستسلام، فضلاً عن تمسكه بسحب القوات الأميركية من سوريا .. بل تهجم على استنتاجات مسؤولين كبار في المؤسسات الاستخباراتية؛ وشن استراتيجية هجومية في نصف الكرة الأرضية الغربي محورها فنزويلا وتشمل كوبا ونيكاراغوا. ”

افغانستان
أشاد معهد كاتو بقرار الرئيس ترامب بالانسحاب من افغانستان تلبية لوعوده الانتخابية منذ اليوم الأول “ينبغي علينا الخروج” من هناك؛ مستدركاً أنه أحاط نفسه بطاقم تقليدي من المستشارين والذين “أحبطوا رغباته ورفضوا توفير خيارات أخرى له بديلاً عن الانسحاب.” وأعرب المعهد عن اعتقاده بأن المفاوضات الجارية بين واشنطن وحركة طالبان انضجتها “تزايد القتلى الأميركيين دون جدوى على امتداد سنتين؛ وترمي لانجاز اتفاق سلام من شأنها تنظيم الانسحاب الأميركي.” واستدرك بالقول أنه لا يتوفر طرف راهنا لضمان التزام حركة طالبان بالاتفاق “مما يستدعي تواجد عسكري أميركي متواصل؛ أما مساعي الحفاظ على الحكومة الراهنة في كابول فليست ذات شأن.” وشدد على أهمية “عودة القوات الأميركية لبلادها بسرعة وبصورة دائمة.”
بالمقابل، حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية  من “مغبة انسحاب أميركي متهور من أفغانستان لما سيهدد المكاسب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحية التي تحققت منذ 20 عاما وأكثر.” وأضاف أنه لأجل “الحيلولة دون تبخر ذلك النسق من الانجازات، يتعين على المجتمع الدولي تشجيع الحكومة الأفغانية انجاز بعض معايير آليات الحكم والمضي في مسارها للإعتماد الذاتي.” واستدرك بالقول أنه بالمقابل ،ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين النظر في انسحاب تدريجي للقوات، وتمويل قوات الأمن الأفغانية، والمساعدة الاقتصادية، بناء على جدول زمني يأخذ بعين الاعتبار الحقائق الميدانية وتطور مفاضات السلام.”
________________________________________

التحليل
خطاب ترامب: كلام معسول يحث على الوحدة الداخلية
مع تهديد انتقائي للخارج
لم يخلُ الخطاب السنوي المقدم أمام مجلسي الكونغرس من الرتابة التقليدية عن توصيف “الحالة العظمى والفريدة” لانجازات الولايات المتحدة؛ أو من الانتقادات القاسية لزعيمة مجلس النواب، نانسي بيلوسي وآخرين.
أما الجانب المثير، بتقديرنا، فهو ما جاء به من معلومات، تصريحاً وتلميحاً، حول زوايا متعددة من الاستراتيجية الكونية الأميركية؛ وبشكل خاص ما له صله بالصراع العربي – الصهيوني أولى بشائره اعلان الانسحاب الأميركي من سوريا ولاحقاً من افغانستان، هذا العام.
لعل رد فعل نانسي بيلوسي، عقب انفضاض الجلسة الاحتفالية للخطاب، يشكل تلخيصاً مكثفاً للقضايا الخلافية بين الفريقين، التي سيبنى عليها ملامح المرحلة المقبلة استعداداً لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة.
اتهمت بيلوسي الرئيس ترامب بأنه “قدم وقائع مشوهة” للحالة الأميركية وما تضمنه “سيحتاج لعدة ايام للكشف عن حقيقته؛ واضرام النار بمشاعر الخوف وصناعة أزمة الجدار،” ملفتة النظر إلى لهجة التهديد التي وجهها الرئيس ترامب للكونغرس على خلفية مطالبة الحزب الديموقراطي، عبر ترؤسه للجان مجلس النواب، بتشديد التدقيق ومحاسبة سجلات الرئيس.
على صعيد السياسة الخارجية، أكد الرئيس ترامب على مركزية منطقة “الشرق الأوسط” في الاستراتيجية الأميركية والذي يمثل “أحد أعقد التحديات” أمام الولايات المتحدة، مشدداً على عزمه سحب القوات الأميركية من أفغانستان وسوريا في أسرع وقت ممكن، إذ أن “الأمم العظمى لا تخوض حروباً بلا نهاية،” وفق توصيف ترامب.
ايران حضرت بقوة في الخطاب منتشياً بسياسته “لمنع ايران من الحصول على سلاح نووي؛ وطبقنا اقسى العقوبات المفروضة على أي دولة،” معلناً أن بلاده “لن تغض الطرف عن نظام يهتف بالموت لأميركا ويهدد بإبادة الشعب اليهودي.” وحافظت ايران على مرتبتها الأميركية بأنها “الراعي الأكبر للإرهاب.”
روسيا والصين كان لهما نصيبهما من الحملة الأميركية المعادية، مستغلاً الفرصة لتبرير انسحاب بلاده احادي الجانب من معاهدة الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى مع موسكو. بينما جانب الحذر بالنسبة للصين وبأنه “يعمل من أجل التوصل لاتفاق (تجاري) جديد” معها.
اللافت أن تبجح الرئيس ترامب بتحقيق “انجازات” في مجال السياسة الخارجية لا يتسق مع شرائح واسعة من قيادات حزبه الجمهوري، وبخلاف لهجته التوفيقية مع الحزب الديموقراطي؛ إلا انه أسهم بالاضاءة على مدى الانقسامات السائدة في البلاد ومنذ تسلمه مهامه  تأكيد الرئيس ترامب على عزمه بالانسحاب من كل من سوريا وافغانستان اصطدم بمصادقة مجلس الشيوخ على قرار “رقم إس 1،” لدورته الحالية، يحذره من مخاطر “انسحاب متهور” من سوريا بالدرجة الأولى. وفاز القرار بنسبة 77 مقابل 23 صوتاً. كما تضمن القرار بنودا خاصة لتجريم “انتقاد أو مقاطعة اسرائيل” من الأميركيين.
الاتحاد ليس بخير
أضاء الرئيس ترامب على أداء القوات العسكرية الأميركية التي “باتت تقاتل في الشرق الأوسط منذ 19 عاماً تقريباً؛ تسببت في مقتل ما يقرب من 7000 عسكري ونحو 52،000 من الجرحى والمعاقين؛ كلفتها الإجمالية تفوق 7000 مليار دولار.”
أما حال الاقتصاد، الركيزة الأساس في تصريحات الرئيس، فقد زعم أنها بألف خير واصفاً التحول الاقتصادي في عهده بـ “المعجزة .. وينمو بمعدل الضعف” منذ دخوله البيت الأبيض.
بيد أن نظرة علمية على الاقتصاد الأميركي تشير إلى واقع لا يبعث على االارتياح. مع نهاية عام 2017، ابان ولاية الرئيس اوباما، صادق الكونغرس، باغلبيته من الحزب الجمهوري، على خفض اضافي للضرائب المفروضة على الأثرياء. ورجح الخبراء الاقتصاديون أن حرمان الخزينة الأميركية من مدخولها سيرفع حجم الدين العام إلى 35 ألف مليار (تريليون) دولار، مع حلول عام 2028.
المقابل، بلغ حجم الدين العام ما نسبته 32% من الناتج القومي العام. في ظل الصيغة الراهنة لإعفاء الأثرياء من دفع مستحقاتهم يتراكم معدل الدين بنسبة متسارعة تبلغ “ألف مليار (تريليون) دولار سنويا،” مما يشكل 105% من الناتج القومي. أما معدلات الأجور فحدث ولا حرج، إذ عجزت عن التماهي او اللحاق بمعدلات التضخم المتصاعدة دوماً؛ وتراجع “مستويات الرفاهية لدى الشعب الأميركي بنسب مذهلة،” وفق تقديرات خبراء الاقتصاد.
“المعجزة الاقتصادية” التي بشر بها الرئيس ترامب تجد صداها لدى كبريات المؤسسات الاقتصادية من مصرفية وصناعة الأسلحة حصراً، تجسدت بأكبر ميزانية تسليحية في تاريخ الولايات المتحدة.
تغني الرئيس بالأداء “المذهل” للقوة الأميركية فندته وزارة الدفاع الأميركية عينها بإعلانها مطلع الشهر الجاري، دون صخب الضجيج المعتاد، عن شراء بطاريتين “للقبة الحديدية” من تل أبيب “لإجراء مزيد من التجارب عليها،” بسعر إجمالي يعادل  373 مليون دولار، في نطاق برنامج مشترك أوسع قيمته 1.7 مليار دولار مع حلول العام القادم. وبلغ مجموع الإنفاق الأميركي على المشروع نحو 1.4 مليار دولار، منذ عام 2011.
بينما في حقيقة الأمر جاء الإعلان بمثابة “إقرار مهين بفشل نظم الأسلحة الأميركية .. ” حسبما جاء في النشرة الاقتصادية بيزنيس انسايدر، 6 شباط الجاري. ونقلت عن مصادرها في البنتاغون القول أن النظام المذكور كان “بديل مؤقت لسد حاجة معينة، وسنمضي البحث في بدائل أخرى.” أما نظام الباتريوت، بحسب النشرة، فإنه “فشل فشلاً ذريعاً في السعودية أثناء تصديه لتهديدات متواضعة.. ويلجأ المسؤولون الأميركيون إلى المبالغة في نسبة نجاحه.”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة