يحيى يخلف: محمود درويش “أجمل فصل” في تاريخ الثقافة الفلسطينية

فن وثقافة ….
قال يحيى يخلف، الروائي ووزير الثقافة الفلسطيني الأسبق، إن محمود درويش كان أجمل فصل في تاريخ الثقافة الفلسطينية. وأضاف في مداخلة بقاعة خوان غويتيسولو، بالمعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الخامسة والعشرين، أن درويش تألّق في التجديد والحداثة وطوّر القضية العربية والإنسانية لا الفلسطينية فقط.
درويش، حسب يخلف، لم يتّكئ على القضية الفلسطينية، بل رفعها، وكانت له مواقف وطنية وسياسية، وكان مؤثرا وكان رأيه مهما في الاجتماعات النخبوية، ولم يكن سياسيا يذهب إلى التطرّف، بل كان رأيه وسطيا ووطنيا.
واستشهد الروائي الفلسطيني بمحاصرة ياسر عرفات إثر الاجتياح الإسرائيلي سنة 2002، واقتحام مكتب محمود درويش، الذي لقي استنكارا يعادل الاستنكار الذي لقيه حصار عرفات. وزاد مستدلا على صيت شاعر فلسطين بتعذّر استيعاب الحاضرين في قاعة تسَع ألف متفرّج بدمشق، والاضطرار إلى تحويل النشاط إلى ملعب رياضي حضر فيه عشرة آلاف متابع للاستماع إلى شعر درويش.

درويش، الذي كان يعتقد أن وحي الكتابة ينزل إذا جلس الكاتب إلى الطاولة، وكان مخلصا للكتابة، حسب وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق، كان إبان إقامته بباريس يستيقظ في منزل من غرفتين فيحلق ذقنه، ويستحم، ويرتدي ملابس العمل، ثم ينتقل ليجلس على طاولة الكتابة بالغرفة الأخرى.
ومن عادات شاعر القضية الفلسطينية، حسب ما رواه صديقه يحيى يخلف، أنه لم يكن ينشر القصيدة فورا، بل كان يتركها شهرا أو شهرين، ويعيد قراءتها بعد ذلك، وينقُدُ شعره فيغيّر بعضه ويشكر بعضه أو يشطبه، ثم زاد موضّحا أن قصائد درويش التي نشرت بعد وفاته جمعت انطلاقا من مسوداته هاته.
وذكر يخلف أن “عيد الثقافة الوطنية” بفلسطين، الذي يوافق 13 مارس، اختير تيمّنا بعيد ميلاد محمود درويش، مضيفا أن هذا “الشاعر الغزال” لا يزال حاضرا، يعطي ويمنح من خلال ضريحه في رام الله، ومتحفه الذي تقام فيه الأنشطة الثقافية، ويواصل فيه نشر وتعميم المعرفة والنشاط الفلسطيني والعربي والإنساني.
كما استشهد الروائي الفلسطيني، للدلالة على القيمة العالمية لشعر درويش، بانتمائه إلى البرلمان العالمي للكتاب، الذي يضم أهم أدباء العالم من مختلف القارات، والذين من بينهم حاملون لجائزة نوبل. كما ذكّر بالتوشيح الفرنسي لدرويش بوسام فارس، وتسمية أحد أهم ميادين باريس باسمه، مفسّرا ذهاب درويش للعيش في فرنسا بـ”بحثه، ربما، عن منصة دولية يخاطب منها شعراء وكتاب العالم”.

من جهته، ذكر الشاعر المغربي حسن نجمي أن محمود درويش كان من أركان التجربة الثقافية في مسار القضية الفلسطينية، ولم يكن شاعر فلسطينيا فحسب أو عربيا، بل كان “من أكبر شعراء الإنسانية، وكان في أفق الشعراء الكبار مثل نيرودا ولوركا”.
درويش شاعر طوّرته المنافي، حسب نجمي، ولو بقي في الداخل “لما صار كما هو”. واستدلّ في هذا السياق بتوقف تجربة الشاعر سميح القاسم، مقابل تحليق درويش من تحرر بنية شعره الإيقاعية، واستفادته من الخبرات الجمالية الشعرية الإنسانية، وتعلمه من الصغير والكبير، وقراءته الشعر باللغات التي يتقنها ومترجَما، وعبر أصدقائه “حتى لا يصاب بشيخوخة شعرية”.
ويرى نجمي أن درويش “لم يتصرف كشارع مكتمل ومنتهٍ”، بل ظل دائما يطوّر أسلوبيته ولغته، واستطاع بناء معجمه الشعري الخاص مع عدم استسلامه للنوم قبل قراءة مادة من مواد لسان العرب، وتمكّن من “أن يحمل فلسطين فعلا في القصيدة”، مذكّرا في هذا السياق برفضه أن يمدح بوصفه شاعرا فلسطينيا، بل بوصفه شاعرا، أولا.
وروى الرئيس الأسبق لاتحاد كتاب المغرب تجربته مع درويش منذ اللقاء الأول الذي عرّفه فيه بنفسه، وهو ابن 23 ربيعا، ولمس فيه “شحنة كبيرة من التواضع والحسّ الإنساني المرهف”، مرورا بشهادته على مساهمة الشاعر الفلسطيني “في ترسيخ الوعي الوطني بالقضية الفلسطينية بالمغرب وتجذيرها في عمق المغاربة”، ولقائه المتجدّد معه داخل المغرب وخارجه، وصولا إلى معرفته بمرضه عندما أخبره باختياره للفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر، التي يقدّمها بيت الشعر بالمغرب، وآخر لقاء مع شاعر فلسطين ببيته.
كما أفصح نجمي، الذي يرى أن محمود درويش قد اختُطِف من أحضان أصدقائه ومحبّيه، عن عدم قدرته على الكتابة عن الشاعر الفلسطيني منذ وفاته، واسترسل قائلا إنه لم يستطع المساهمة في العدد الأخير الذي خصّصه بيت الشعر بالمغرب لدرويش، رغم أنّه كان من بين المشرفين عليه.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة