في ذكراه “/ أحمد ابو السكر .. الشهيـــد الذي احتضنته الارض .. عد الينا فارسا كما أنت .. بقلم : وليد رباح

ابداعات عربية …
بقلم : وليد رباح – الولايات المتحدة الامريكية …
مثل غيمية صيفية تأتيك بالرطوبة لمع وجه أبي السكر على الشاشات الفضائيه .. هذا الفلسطيني المتشرد الذي يعطيك نغمة سيمفونية رائعه .. قد نبع من تربة ( ترمسعيا) في فلسطين المحتلة لكي يفرد جناحيه على متون السحب التي تعطينا الخير .. هذا القادم الينا من نبع الغيب يرفل وجهه المجعد بالسهر والتعب والليالي القاحله .. الوجه المتجعد الممهور بالفرح والملفع بليالي زنازين الاحتلال وقهر السجان وصلف المحتل .. هذا الرجل الذي قهر غيبوبة انفصام الشخصية العربية عبر ثلث قرن من الزمان .. يأتيك الينا اليوم بعباءة العطاء داعيا .
ابو السكر : قائمة ضخمة من العذاب والسهر والمعاناة .. يعطينا قيمة في الزمن الذي تمردت فيه القيم وغدت صحراء ليس بها غير الرمال .. هذا الرجل الذي ابتلع العذاب في كأس من الرمل المصفى يهرب ليله الى نهاره .. ويهرب نهاره الى السحاب لكي يجرب ان يكون انسانا عاد من الموت ليجده امامه ..  ابو السكر الذي لفعته الايام بالتجربه يرفض ان يكون رقما فقط .. انه قائمة تردد انشودة العشق للتراب والصبايا اللواتي يملآن جرارهن من ماء القريه .. يحملن على رؤوسهن العذاب وفي بطونهن اطفال يواصلون السير دون هواده .. هذا الانسان الفلسطيني الذي تخزه مسامير السجان فينخرط في بحر من العذاب ولكنه يفتح فمه فقط ليذكر اسم ربه .. الرجل الذي تغار منه كل البنادق واكاليلها المدجنه .. وكل القذائف المسحورة بالوعود .. وكل الادبيات التي تحث على تنظير الموت وتقسيم فروعه الى شرعي وغير شرعي .. الرجل الذي يهرع الى منابع القرية وهو في سجنه ويركض الى بيته كلما داس السجان على كلماته .. الانسان الذي خرج من القبر ليعود اليه وفي يمناه حرية المعاني وعطاء المراحل .. الكبير الكبير الذي لفظ كل مسافات الزمن ليعطينا امثولة في العشق والوله والحب للتراب .
ابو السكر الذي مات .. يعشش في ثنايا جلودنا ويعطينا الدفء في برد الشتاء .. ويمدنا بالرطوبة في صيف الغربة القاحل .. نرفع رؤوسنا كلما اقتربت كلماته من عقولنا .. ونطأطؤها  احتراما كلما مر طيفه على بيان يفيد تواصل المقاومه .. يعاتبنا كلما تعبنا من السفر .. ويشجعنا كلما وهن العظم واللحم منا واردنا التوقف حتى ولو للحظه ..
ابو السكر سكر .. جدائله التي عشش فيها تراب الزنازين قد ننسج منها مخدة ندفنها مع اجسادنا عندما يأتينا الموت بحجة طول السفر وأسماله التي خرج بها يشتم منها رائحة العذاب والغربة وليالي المواويل والحنين والمسافات الطويله ..
ابو السكر زائر اراد ان يثبت للعالم ان الفلسطيني يركض دائما نحو النبع لكي يقي اطفاله شر العطش .. ويهرع الى الضوء كالفراشات وهو يعرف ان فيها احتراق جناحيه .. ويسمو بعطائه حتى وان لم يمتلك شيئا غير جسده المعنى .. ينظر الى صورته التي ينبع منها الشباب ثم ينظر الى كهولته فلا يجد فرقا كبيرا .. لكي يثبت لنا ان ليس للعطاء حدود .. ولا للارض معنى دون استشهاد .. ولا للديار كرامة دون تضحية .. ولا للمسافات قيمة الا اذا بدأنا السير على اولها .
هذا الرجل القادم الينا من قبور الشهداء وصرخات الامهات ومعاناة السجن ومرافعة المحامين في القضايا السياسيه .. يرفض الا ان يكون عظمة في حلوق الذين ينظرون للموت كيف تكون نوعيته . ويبشرون بعصر ربما كنا نرغب فيه لو كنا في غير احتلال .. وينشرون الوعود في كل اتجاه رغم بعد المسافة وطول الانتظار .. انه ابو السكر .. ذاك الذي شرب من كأس السجان حتى الثماله .. ولكنه لم يفقد عقله الذي لا يزال رغم الموت مرحبا بالمقاومه .
في ليالي الصيف الحارة .. حيث غشاء الموت ملفع برائحة ورطوبة الزنازين والعفن .. يخرج الينا ابو السكر رافعا رايته كأنما هو فارس اراد ان يثبت ان الموت نوع من الحياة . وان المعاناة فرع من الفرح .. وان السنابل لا تعطي الا اذا جف ضرعها والقي بها على قارعة الحقل والبيدر .. فسنبلة تموت يمكن ان تنجب الاف السنابل .. وفسيلة من النخيل لا يؤبه لها يمكن ان تصبح شجرة تعطيك الرطب جنيا ..
ايها الرجل الذي علمتنا كيف يصمد رغم عمق التجربه .. وكيف يعيش رغم جراحه .. وكيف يصبر على الالم حتى يصبح الالم زادا كالخبز والماء .. جفف جروحنا التي تقيحت حتى غدونا مثل البثور في الوجه الحسن .. امدد الينا يدك الحبلى بالجوع والوجع والريح القادمة من رحم المرأة الفلسطينية التي تقدم اولادها هدية للتراب  دون جزع .. انت الذي قبضت على الجمر . فاجعلنا نقبض عليه دون ان نصرخ جزعا .
ابو السكر .. انشودة خيال مرت بنا سريعا .. علمنا كيف يمكن ان نكون .. في زمن اصبح الرجال فيه قليل .. واصبح لين العيش وحبه يقودنا الى متاهات النعيم ووجه الدولار الذي يبتسم لنا كلما اخرجنا من جيوبنا لكي ينطق قائلا لنا : ان كنت تمتلكني فانت تمتلك الدنيا .. وان فقدتني فقد فقدت الدنيا ..
هذا ابو السكر يأتينا على حصانه متبرعا بجلده الذي لم يبق غيره .. ليصنع منه اوليات المقاومه حتى تغيب كل الزنازين التي اشهرت في وجوه الموتى والاحياء معا ..
رحمك الله ابا السكر .. واسكنك فسيج جناته .. واني اخال انك مع الشهداء والقديسين .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة