المعاني السوبر حداثوية (2) بقلم : حسن عجمي

دراسات ….
بقلم :حسن عجمي …
ثمة صراع فلسفي أساسي بين المعاني السوبر حداثوية من جهة و المعاني الحداثوية و ما بعد الحداثوية من جهة أخرى. الفلسفة الحداثوية تسجن المعاني في مُحدَّديتها بينما الفلسفة الما بعد حداثوية تسجن المعاني في لامُحدَّديتها. لكن فلسفة السوبر حداثة تحرِّر المعاني من سجون مُحدَّديتها و لامُحدَّديتها من خلال تخطي الحداثة و ما بعدها.
تعتبر الحداثة أنَّ المعاني مُحدَّدة و ثابتة و غير نسبية بينما تصرّ ما بعد الحداثة على أنَّ المعاني غير مُحدَّدة و أنها متغيّرة و نسبية. لكن من الممكن صياغة اتجاه فلسفي ثالث ألا و هو السوبر حداثة التي توحِّد بين الاتجاهيْن الحداثوي و ما بعد الحداثوي و تتخطاهما في آن. فالسوبر حداثة تؤكِّد على أنَّ المعاني مُحدَّدة بفضل مُحدَّدية الواقع كما تؤكِّد على أنَّ المعاني نفسها غير مُحدَّدة من جراء لامُحدَّدية العقل و قدراته.
بالنسبة إلى السوبر حداثة , تتشكّل المعاني على ضوء الواقع و العقل البشري معاً. لكن الواقع مُحدَّد و حقائقه ثابتة و غير نسبية بينما العقل البشري متغيّر و نسبي و غير مُحدَّد (بتغيّر و لامُحدَّدية قدراته و كيفية استخدامها و بما قد يعتقد). من هنا المعاني مُحدَّدة و ثابتة و غير نسبية بِمُحدَّدية الواقع و المعاني ذاتها متغيّرة و نسبية و غير مُحدَّدة بفضل لامُحدَّدية العقل البشري و تغيّره. هكذا توحِّد السوبر حداثة بين المذهبيْن الفلسفيين المتنافسين ألا و هما الحداثة و ما بعد الحداثة فتحلّ الخلاف بينهما فتكتسب هذه الفضيلة الكبرى ما يشير إلى مقبوليتها و صدقها. و هكذا أيضاً تتفوّق السوبر حداثة على الحداثة و ما بعدها لأنها تحلّ خلافاً فلسفياً جوهرياً ألا و هو الخلاف حول إن كانت المعاني مُحدَّدة و ثابتة أم متغيّرة و غير مُحدَّدة. تتخطى السوبر حداثة كلاً من الحداثة و ما بعد الحداثة لأنها تقول بمُحدَّدية المعاني و لامُحدَّديتها في آن لكن الحداثة تقول بمُحدَّدية المعاني بينما ما بعد الحداثة تقول بلامُحدَّديتها.
عبَّر الفيلسوف مايكل دوميت عن اتجاه ما بعد الحداثة حين عرَّف المعاني من خلال شروط النطق المرتبطة بقدراتنا العقلية. فشروط النطق هي الشروط التي تُبرِّر النطق بهذه العبارات أو تلك كالبراهين و الحجج التي تسمح لنا بنطق هذه أو تلك الجُمَل. بالنسبة إلى دوميت , لا بدّ أن تمتلك العبارة شروط نطق لكي تكون حائزة على معنى. مثل ذلك أنَّ عبارة “الثلج أبيض” تعني الثلج أبيض لأنه توجد شروط نطق تسمح لنا بالنطق بعبارة “الثلج أبيض” متى أدركنا أنَّ الثلج أبيض. هكذا المعاني تتشكّل بفضل قدراتنا العقلية (كإدراكنا بأنَّ الثلج أبيض الذي يسمح لنا بنطق عبارة “الثلج أبيض”). لكن شروط النطق المرتبطة بقدراتنا العقلية متغيّرة و نسبية و غير مُحدَّدة من جراء تغيّر و نسبية و لامُحدَّدية قدراتنا العقلية. بذلك يتضمن هذا الاتجاه الما بعد حداثوي أنَّ المعاني نسبية و متغيّرة و غير مُحدَّدة بشكل نهائي و مطلق.
أما الاتجاه الحداثوي فيرفض ما جاءت به ما بعد الحداثة و يصرّ على أنَّ المعاني لا بدّ أن تُعرَّف من خلال الواقع و حقائقه الموجودة خارج نطاق وجودنا البشري و بمعزل عن قدراتنا العقلية. يُقدِّم الفيلسوف دونالد ديفدسون تحليلاً حداثوياً للمعاني مفاده أنَّ المعاني تتشكّل على ضوء واقع الكون و حقائقه الموجودة بشكل مستقل عنا. بالنسبة إلى ديفدسون , تتكوّن المعاني بفضل قِيَم الصدق , و فقط تلك العبارات المالكة لقِيَم صدق هي فعلاً عبارات ذات معانٍ. و قِيَم الصدق هي التي بفضلها تكون العبارات إما صادقة و إما كاذبة. من منطلق هذا الاتجاه الحداثوي , معنى أية عبارة يتشكّل على ضوء قِيَم صدق تلك العبارة أي على ضوء صدقها أو كذبها في الواقع. من هنا , هذا التحليل الحداثوي يُحلِّل المعاني من خلال ارتباطها بالواقع فيغدو الواقع هو ما يُحدِّد المعاني. لذلك , من منظور الاتجاه الحداثوي , المعاني مُحدَّدة بمُحدَّدية الواقع فتمسي بذلك أيضاً ثابتة و غير نسبية بثبوت حقائق الواقع و لا نسبيتها. مثل تطبيقي على هذا الاتجاه هو التالي : عبارة “الثلج أبيض” تعني الثلج أبيض لأنَّ عبارة “الثلج أبيض” صادقة إذا و فقط إذا الثلج أبيض (أي إذا و فقط إذا الثلج أبيض حقيقة واقعية).
لكن السوبر حداثة تحلّ الخلاف بين الحداثة و ما بعدها من خلال التوحيد بينهما و ذلك بقولها إنَّ المعاني تتكوّن على ضوء شروط النطق و قِيَم الصدق معاً. من منطلق السوبر حداثة , عبارة “الثلج أبيض” تعني الثلج أبيض لأننا نملك شروط نطق تسمح لنا بالنطق بها (بفضل إدراكنا بأنَّ الثلج أبيض) و لأنَّ عبارة “الثلج أبيض” صادقة فقط إن كان الثلج أبيض في الواقع. هكذا العبارات تملك معانيها بفضل شروط النطق بها و بفضل قِيَم صدقها (أي بفضل كونها إما صادقة و إما كاذبة). و بذلك توحِّد السوبر حداثة بين الحداثة و ما بعد الحداثة. لكن حين تفعل ذلك تربط المعاني بالواقع و بقدراتنا العقلية معاً فتصبح المعاني مُحدَّدة و ثابتة و غير نسبية بمُحدَّدية الواقع و ثبوته و لا نسبيته (أي بمُحدَّدية قِيَم الصدق) كما تصبح المعاني متغيّرة و نسبية و غير مُحدَّدة بتغيّر قدراتنا العقلية و نسبيتها و لامُحدَّديتها (أي بتغيّر و نسبية و لامُحدَّدية شروط النطق).
بما أنَّ , بالنسبة إلى السوبر حداثة , المعاني مُحدَّدة من قبل شروط النطق , و شروط النطق مرتبطة بالعقل المتغيّر و اللامُحدَّد (كلامُحدَّديته فيما يعتقد) , إذن المعاني متغيّرة و ليست مُحدَّدة. و بما أنَّ , من منظور السوبر حداثة أيضاً , المعاني مُحدَّدة من قبل الواقع , و الواقع مُحدَّد و ثابت بحقائقه , إذن المعاني أيضاً ثابتة و مُحدَّدة. هكذا توحِّد السوبر حداثة بين مُحدَّدية المعاني و لامُحدَّديتها فتوحِّد بين الحداثة و ما بعدها.
أما الصياغة الأعمق للسوبر حداثة فهي التالية : تعتبر السوبر حداثة أنه من غير المُحدَّد إن كانت المعاني مُحدَّدة أم غير مُحدَّدة. و لذلك تتجلى المعاني على أنها مُحدَّدة و غير مُحدَّدة في آن (من جراء ارتباطها بالواقع المُحدَّد و بالقدرات العقلية اللامُحدَّدة) تماماً كما أنه من غير المُحدَّد إن كانت الجُسيمات (كالإلكترونات) جُسيمات أم موجات ما يجعلها تتصرف على أنها جُسيمات و موجات في الوقت نفسه كما تؤكِّد نظرية ميكانيكا الكمّ العلمية. هكذا تختلف السوبر حداثة عن الحداثة و ما بعدها و تحرِّر المعاني لأنها تقول بأنه من غير المُحدَّد إن كانت المعاني مُحدَّدة أم لا فتحرِّرها من تحديدها الحداثوي و من لا تحديدها الما بعد حداثوي.
من جهة أخرى , للسوبر حداثة فضائل إضافية عديدة تشير إلى صدقها. فمثلاً , بما أنَّ , من منطلق السوبر حداثة , المعاني غير مُحدَّدة , إذن تطالبنا المعاني بتحديدها المستمر ما يضمن استمرارية البحث المعرفي و العلمي الساعي إلى تحديد المعاني و ما يضمن أيضاً الدور الفعّال للعقل في تشكيل المعاني بمضامين جديدة و التحرّر من المعاني الماضوية. و بما أنَّ المعاني مُحدَّدة أيضاً بالنسبة إلى السوبر حداثة , إذن تضمن السوبر حداثة نشوء التواصل الناجح و التفاهم بين الناس جميعاً من جراء أنَّ معاني كلماتهم و عباراتهم مُحدَّدة فواضحة إلى حدّ ما. هكذا تكتسب السوبر حداثة فضائل معرفية مختلفة ما يُعزِّز مقبوليتها.
المعاني السوبر حداثوية مُحدَّدة و ثابتة و غير نسبية من حيثية معينة و غير مُحدَّدة بل متغيّرة و نسبية من حيثية أخرى. و هذا نقيض المعاني الحداثوية المُحدَّدة و الثابتة و الغير نسبية كما هو نقيض المعاني الما بعد حداثوية المتغيّرة و النسبية و اللامُحدَّدة. بذلك السوبر حداثة تقدِّم فلسفة جديدة و مختلفة عن الحداثة و ما بعد الحداثة. لكن هل ستنتصر المعاني السوبر حداثوية على المعاني الحداثوية و ما بعدها؟ هذا قرار القارىء بالذات.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة