امرأة من نار – قصة : د . احمد محمد كنعان

القصة ….
د.أحمد محمد كنعان – كاتب سوري يقيم في امريكا …
وما عساك تفعل مع امرأة تشتعل رغبة، كلما أعطيتها شيئاً من حطبك طالبتك بالمزيد ؟ قلت لها وأنا أفتح النافذة لأطرد شياطين الشهوة إلى الخارج :
-سارة ! كفاك ، خففي قليلاً، إذا تابعت على هذا المنوال فسوف تشيخين قبل الأوان !
أجابت باستخفاف :
-قبل الأوان !
وتابعت وهي تتجه إلى المرآة، وتفرد شعرها ليهفهف أمام المروحة ، وترسم بيدها في الهواء دائرة غير مبالية :
-أنا .. الأوان كله لي .. هذا الزمان زماني أنا .. أنا وحدي !
وأطلقت ضحكة منغَّمة عابثة !
وعجبت لها من أين تأتيها كل هذه الطاقة التي لا تنفد، وأردت أن أخرج من جو المخدع الغارق بالشهوة لأستريح من رغباتها المحمومة، فعرضت عليها أن نخرج في نزهة إلى شاطئ البحر لكي نشهد منظر الغروب الساحر، لكنها تمنعت، تلكأت، غنجت، وتظاهرت بالنعاس قليلاً، وبعد لحظات من الدلع الذي تجيده تماماً استجابت، وخرجنا إلى الهواء الطلق ورحنا نتمشى حافيين على رمال الشاطئ الرطبة الدافئة ، وكانت الشمس قد بدأت تستحم بماء الغروب، وتصبغ وجه البحر بلونها الأحمر القاني، وحين رأيت ذلك اللون الشبقي المخادِع ينعكس على ساقي “سارة” العاريين المبللين بزبد البحر وجدت نفسي أضحك من أعماقي وأنا أرى الشمس والبحر يتآمران ضدي فيجعلان نار سارة تطفو على جسدها لتظهرها على حقيقتها .. امرأة من نار !
-مالَكَ ؟!
سألتني وقد ضبطتني أضحك دون مقدمات .
قلت :
-لا شيء ، هو خاطر عابر أضحكني ..
-إذن ، دعني أضحك معك !
-صعب ..
-صعب ! لماذا ؟ هل هو سر أم خيال فاحش تستحيي أن تبوح به ؟!
-لا هذا ولا ذاك ..
-إذن .. ماذا ؟!
-هو خيال ، وكفى ..
-خيال !
قالت باستهجان شديد وتابعت على الفور :
-تسرح بخيالك وأنا إلى جانبك ؟! سراب أنا .. خيال أنا .. ما لي وجود في حياتك !؟
قلت وأنا امسك بيدها وأداعبها بين أصابعي لأهدئ من ثورتها :
-يا عزيزتي لا تهولي الأمر، هي مجرد فكرة عبرت بخاطري وانتهى الموضوع !
-هكذا إذن !؟
قالت بنبرة متوعدة، وسحبت يدها من يدي بغضب، وتنظر إليَّ بعينين تبرقان بالشك، ولاذت بالصمت، سكتتْ، أشاحت عني، توقفتْ عن المشي، ثم فجأة ألقت بنفسها على الأرض بين الرمل والماء، وراحت تناكف الموج بقدميها ..
( آه ، ما أعجلني ! ) عاتبت نفسي، ندمت، والتفت إليها لأراضيها فرأيت ثوبها الحرير المبلل بالماء قد التصق بجسدها وشفَّ عن بعض أسرارها ، فعاد لهيب الشهوة يحرق أعصابي .. وعدت أسترضيها :
-سارة ، افهميني ، أرجوكِ ..
– …
-أنا لم أقصد أن أعكر عليكِ صفو هذا الجو الجميل ، فلا تجعليها قضية !
– …
-سارة ، أرجوكِ ، صدقيني !
لكنها لم تصدقني، وازداد عنفها ضد الموج، فلم يخامرني شك أنها بتلك الحركات الشقية تنتقم مني لا من البحر، ومددت يدي لأضمها إلى صدري لكنها أبعدتني بحركة نزقة، وقامت من فورها تركض نحو الأعماق مكتسحة الموج بساقيها العاريين، وقبل أن ترتمي في حضن البحر رأيتها تخلع آخر قطعة حمراء تستر جسدها، وتلوح بها في الهواء في تحدٍّ علني، ومن هناك، من أعماق اللجة، راحت تعرض عليَّ مفاتنها وتدعوني للنزول !
-لكن كيف ؟!
حدثتُ نفسي، كيف أخوض البحر وأنا أغرق في شبر من الماء ؟
-مستحيل !
قلت لها بيدي  ووقفت عند حافة اللجة عاجزاً، أتصبب شهوة، والزبد يسيل عند قدمي، والشقية هناك في حضن البحر تبالغ في عرض أسرارها المبللة بزبد البحر، وتغريني بالنزول، وأنا عند الحافة ما بين الماء والرمل عاجز عن اتخاذ قرار، ولم أصح من حيرتي وعجزي إلا على رشقة قوية من الموج داهمتني، وعصفت بي وألقتني في اللجة، وراحت تسحبني بلا رحمة نحو الأعماق ..
-لا ! لا !
صرخت بلا وعي، وانتفضت من نومي، فوجدتني في عتمة الغرفة أرتجف في سريري، وقبل أن أهدأ سمعت صوت آهات خافتة تتفشى في عتمة الغرفة قريباً مني، والتفتُّ إلى السرير الآخر فرأيت زوجتي منكبة على وجهها، والسرير من تحتها يئن أنات رتيبة، هادئة، لم تلبث أن تسارع إيقاعها شيئاً فشيئاً حتى بلغ الذروة، ثم .. فجأة سكت السرير .. وسالت في العتمة آهة مكتومة ، فيما كنت أنطوي على نفسي، أداري خيبتي، وأنا أتذكر موعدي العاشر اليوم مع الطبيب !
**

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة