الكاتب، القارئ والنص في “رهين الجسد” بقلم : د . رياض كامل

اصدارات ونقد …
بقلم : د . رياض كامل
تمهيد
تهدف هذه المقالة إلى رصد خصوصيات رواية “رهين الجسد” (2018) للكاتب فادي أبو شقارة، من خلال ثلاثة محاور متعاضدة؛ الكاتب، القارئ والنص. وهي تعالج موضوعا جديدا غير مألوف في رصيدنا الروائي الفلسطيني. تدور أحداثها وتتمركز حول حياة شاب مقعد ولد لأبوين كادحين يواصلان عمل الليل بالنهار لرعاية الأبناء. يعاني الابن، منذ ولادته، من رخاوة في العضلات مما يثير تساؤلات عدة حول مصير المولود ومستقبله، داخل أفراد العائلة، لينتقل إلى المحيط الأوسع والأبعد.
يبدأ السرد من سن الثامنة عشرة ويعود من خلال الاسترجاع والذكريات للاطلاع على ما مرت به العائلة خلال هذه الفترة مع التركيز على الشخصية المركزية. نعلم أن الطبيب الذي تابع حالة الأم والجنين لم يقم بتشخيص حالة المولود قبل ولادته كما يجب، ولذلك يتفاجأ الطاقم الطبي في المستشفى حين يكتشف فداحة الخلل الجسدي، ويرى جميعُ أعضاء الطاقم “أنه لو عاش أربعا وعشرين ساعة ستكون معجزة لم تشهدها البشرية”، (ص60) جملة يكررها طاقم الأطباء بعد ولادته مباشرة وبعد الاطلاع السريع على ملفه الطبي. لكنه يكبر ويأخذ موقعه في البيت، الحارة، المدرسة والمجتمع.
تتواجه العائلة، حال ولادة الطفل، مع واقع جديد غير مألوف، وتقف أمام أكثر من خيار، فاختارت إبقاء المولود في البيت تحت رعاية جميع أفراد العائلة. يكبر الطفل وتبدأ عملية اكتشاف الذات والمحيط؛ هيئة جسد مختلفة، قدرات جسدية محدودة، تراجع سريع في القدرات والمهارات تستدعي علاجات شتى. ومواجهة مجتمع غير مهيأ لقبول الطفل/ الشاب. يكبر البطل (مراد) ويدخل المدرسة ويعيش الحياة المدرسية بحلوها ومرها؛ مشاغبات شبابية ومغامرات عاطفية.
رواية سيرة ذاتية جريئة تكشف عري مجتمعنا في مواجهة المختلف منا، فجاءت لتقول إذا كان جسدي مكبلا ففكري حر يمكنه أن يحلّق وأن يحاور وأن ينطلق فيما أن أصحاب الأجساد السليمة يُكبّلون أنفسهم بسلاسل العادات والتقاليد والرؤية الضيقة.

ثنائية القارئ النص
يرى أصحاب نظرية التلقي أن هناك دورا هاما للقارئ، ويرون فيه شريكا فاعلا في عملية الإبداع، وليس مجرد مستقبِل سلبي، فهو يكمل دور المؤلف، من خلال ذوقه وخبرته، في رؤية أمور لم يكشفها المؤلف أثناء عملية الكتابة. يقول وولفجانج إيزر، أحد أهم أصحاب نظرية التلقي، إن الكاتب يخُلق نصا فنيا، ثم يأتي دور القارئ ليقوم بدوره في الكشف عن جماليات النص، من خلال ما أَطلَق عليه عملية سد الفجوات. هذا يعني، كما يقول إيزر، أن عملية التفاعل بين القارئ والنص تحدث عندما تبدأ عملية القراءة، فتتكشّف أسرار النص. وتفاديا للاعتراض على دور القارئ غير القادر على فك الشيفرات وسد الفجوات فقد نادى إيزر بتعدد القراءات.
أما ألبرتو إيكو فقد كان أكثر وضوحا في تحديد هوية القارئ الأدبية، إذ قال إن على هذا القارئ أن يكون قارئا نموذجيا، وصاحب كفاءة ومهارة. وإذا لم يكن القارئ ذا كفاءة عالية فإنه سيأخذ نصا أبيض ويتركه أبيض كما هو. أما القارئ النموذجي، أو السوبر كما يسميه ريفاتير، فهو القادر على فك شيفرات النص من خلال القراءة الأولى والثانية التي أسماها إيكو “قراءة ما وراء النص”. وأضاف إيكو قائلا: إن على الكاتب أن يكون، هو أيضا، ذا كفاءة عالية. وكي تكتمل عملية التعاضد بين القارئ والنص على الكاتب أن يكون موسوعيا مثل القارئ النموذجي.
هذا التوازي بين قدرة الكاتب والقارئ أمر لا غنى عنه، وأي خلل فيه سيحدث خللا في النص. فعلى الكاتب الحقيقي، بداية، أن يتزود بثقافة واسعة من مصادر عدة؛ كالروايات والنظريات الأدبية وكتب الفلسفة والتاريخ والتراث لكي يبدع أدبا مميزا وجديدا وغير تقليدي، وعليه أن يعرف كيف يوظف هذا الرصيد في النص، وإلا كان المنتوج ضعيفا خاليا من التناص غير مؤثث بثقافة وفكر عميقين، وبمبنى فني متين.
تقوم نظرية جمالية التلقي على محاورة النص وتأويله من الداخل اعتمادا على ثلاث وحدات؛ الفهم، التفسير والتطبيق، بعد أن كانت معظم النظريات السابقة، مثل الاتجاه الواقعي والنفسي والاجتماعي، تعمل على مقاربة المنتوج الأدبي من خلال الكاتب، ودراسة بيئته، عصره، انتمائه القومي، الوطني، تجاربه الحياتية، وأيديولوجيته، بحيث كان الأمر يتيح للدارس أن يدخل في تفاصيل حياة المؤلف الشخصية، ما يفرحه وما يشقيه.
إن عملية الفهم تستدعي ذوقا راقيا، وهي ميزة هامة جدا، برأينا، وقابلة للتطوير بفعل القراءة والممارسة، ولكن إذا لم يتزود القارئ/ الدارس بالأدوات خلال عملية الدراسة والتحليل للمنتج الأدبي واكتفى بالذوق فسينتج عن ذلك دراسة سطحية تعتمد على العواطف وعلى الترصيع اللغوي والزركشات دون الدخول في صلب الموضوع الأصعب؛ التطبيق من خلال التقْنيّات. وعليه يطرح السؤال كيف يمكنني، أنا القارئ/المتلقي أن أنسى وأن أتناسى هوية الكاتب بكل مركباتها؟ وهل يكفي المتلقي أن يدخل عالم النص بكل مركباته وخلفياته دون أن يتحرك هاجس خصوصية الكاتب ومحيطه الاجتماعي وثقافته؟
إننا نرى أنّه لا يمكننا أن نتبنى “ثنائية القارئ النص” التي نادت بها نظرية التلقي، خاصة ونحن نعالج رواية “رهين الجسد” وكل روايات السيرة الذاتية، بل ومعظم الروايات الفلسطينية. مع ذلك لن يكون الانطلاق في التحليل من خلال ما نعلمه مسبقا عن الكاتب وحياته.

الكاتب الحقيقي والكاتب الضمني
أعتقد جازما أنه لا توجد نظرية أدبية مقدسة، وأومن أننا يجب أن نأخذ من كل نظرية ما يلائم المنتج الأدبي، ولكن للتوضيح، ومنعا للبلبلة نقول: إننا ننطلق في دراستنا لرواية “رهين الجسد” من خلال التركيز على النص، فهو المرجع الأول والأخير، وهو الذي يقود الباحث إلى ما هو أكبر؛ إلى المبنى الفني للعمل الأدبي، وإلى خصوصيات النص ودوافع الكتابة لدى المؤلف نفسه، بل إلى هوية الكاتب الفكرية. فالكتاب، بما فيه من مركبات فنية وذهنية، خلقه وأبدعه الكاتب الضمني لا الكاتب الحقيقي. فالكاتب الضمني يتيح للكاتب الحقيقي أن يتنحّى بعيدا كي ينوب عنه، فهو المخوّل والقادر على التعبير عن ذات الكاتب بطرق أعمق وأصدق، لأنه في حالة التأليف لا يكون هو ذاته الشخص الذي نعرفه ونعرف سيرته الذاتية، إذ هناك حالة انفصال تام بين “الكاتبين”، رغم أن الروائي هو خالق الكاتب الضمني، وهو الذي يحمل القلم، لكنه في الواقع يكون آخر أثناء عملية الخلق والاكتشاف.
وجدنا في “رهين الجسد” بوحا بأمور خاصة جدا تتعلق بالكاتب وعائلته ما كان ليبوح بها لو كان الكاتب في كامل قواه “العقلانية”. لقد أتيح للعاطفة أن تتغلغل في السرد وفي الوصف وفي التفاصيل الشخصية والذاتية لكل فرد من أفراد العائلة، ولم يقتصر هذا البوح على الكاتب/الشخصية المركزية. فقد تكشفت أمام المتلقي أمور كان من الممكن أن تبقى طي الكتمان لو أن الكاتب الحقيقي فعّل كل القوانين المجتمعية التي تضع العراقيل في وجه الإبداع الصادق وحرية التعبير والبوح. ولن يكون هناك أدب دون جرأة، وإلا كيف سنقرأ كتب السير الذاتية؟ وماذا كان سيقول كل من طه حسين والعقاد والمازني للمتلقي، فيما كتبوه في مجال السيرة، لولا الكاتب الضمني الذي يفرد جناحيه للريح محلقا في عالم الفكر والخيال؟! وهل علينا أن نقيس كتب السيرة الذاتية من خلال صدق المعلومات أم من خلال صدق الخيال؟ أم من كليهما معا؟
لقد أدرك فادي أبو شقارة بصدق حدسه وبحسه المرهف وصدق عاطفته ونضوج أدواته، دون أن يقرأ أرباب نظريات التلقي، ودون أن يناقش رولان بارت في قضية “موت المؤلف”، أي الوسائل يجب أن يوظف وأي التقنيّات هي القادرة على ربط خيط متين مع المتلقي لذلك نحا باتجاه رواية السيرة الذاتية كي يفسح المجال لعملية التخييل التي تساهم هي بدورها في تجنيد القراء. فكيف تمكن الكاتب فادي أبو شقارة كشخص أن يسمح لذاته بالتنحي وتخويل راو آخر أو رواة آخرين لتسلّم هذا الدور نيابة عنه؟
يقودنا هذا التساؤل إلى نظرية التلقي من جديد لنعلن مرة أخرى أننا لا نتعامل معها ككتاب منزل يجب التسليم بكل ما جاء فيها، بل نؤمن أن الكاتب الحقيقي هو جانب هام من جوانب تحليل المنتج الأدبي، وليس هو المرجع الأول ولا الأخير. سنحاول الإجابة عن هذا التساؤل بناء على أهم أسس نظرية التلقي التي تعطي الدور الرئيسي للقارئ واعتمادها ثلاثة محاور؛ الفهم، التفسير والتطبيق، ولما رأينا أن ما يُطلب من القارئ يجب أن يكون نفس ما يُطلب من المبدع فإننا سنذهب نحو شخص فادي أبو شقارة لمناقشة هذه المحاور بإيجاز شديد. بما أنّ “رهين الجسد” تنتمي إلى جانر رواية السيرة الذاتية، إذن هناك تلاحم قوي بين شخصية الكاتب والشخصية المركزية. فالشخصية المركزية في الرواية ولدت مع إعاقة جسدية، هذه الإعاقة صدمت الوالدين والأطباء وجميع أفراد العائلة والمجتمع المحيط بالعائلة قبل أن تصدم الكاتب.
تكشف الرواية، من خلال فصولها الأولى، التي جاءت على لسان أربع رواة؛ الأب، الأم، الأخ والأخت أنهم جزء من الرواية في كل أبعادها وليسوا مجرد رواة حياديين، بل إنهم كلهم رواة مشاركون في الأحداث الروائية، كما هم مشاركون في الأحداث الحقيقية على أرض الواقع. يأتي دور الشخصية المركزية/الأخ الأصغر لاحقا، الذي اختار الكاتب أن يعطيه الاسم مراد لتمويه القارئ.
لقد بدأ الكاتب/ فادي أبو شقارة يدرك، بشكل تدريجي، ما يعاني منه جسده مع بداية تفتح العقل، ورأى كيف يتعامل الأهل معه ومع جسده، ثم سمع من الأقرب فالأبعد تعليقات واضحة تبدر من هؤلاء تتعلق به وبوضعيته الخاصة. فادي فهم أنه يعاني من خلل في مبنى جسده، مثله مثل جميع أفراد العائلة. بعد أن أدرك وفهم حقيقة جسده وحقيقة أنه مختلف انتقل إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة تفسير ما يمر به وما يعاني منه ليس فقط جسديا بل نفسيا، ثم انتقل إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة التطبيق من خلال الكتابة وتقنياتها.
يبدو لنا جليا أن فكرة الكتابة عن تجربته كانت تراوده وتلح عليه، منذ سني شبابه المبكر، وكان يشعر أنه يجب أن يشرح وأن يفسر ما يحس به لمن حوله بدءا من الأقرب فالأبعد. ولما نضجت الفكرة واكتملت قرّر أن يتواصل مع محيطه. فهو اليوم، مزود بالأدوات التي تتيح له أن يعبِّر عما يختلج في النفس، بعد اتساع رقعة ثقافته، بفضل الاطلاع على عدد كبير من الروايات ومن كتب الفلسفة، ومن تجارب الآخرين الذين أتى على ذكر بعضهم في الرواية.
نخلص إلى القول بأننا لا نستطيع التخلي عن دور أي منهما؛ الكاتب الحقيقي والكاتب الضمني، إذ هما اثنان في واحد، أو واحد تشظّى إلى اثنين ينفصلان ويلتحمان وفق الضرورة الأدبية. لقد اختار الكاتب ضمير المتكلم للشخصية المركزية كي تعبر عن ذاتها وعمّا يدور ويجول ويمور في داخلها. فأي التقنيات قام الكاتب بتوظيفها؟ وأي أسلوب اتبع في روايته؟ وإلى أي مدى وفق في ذلك؟

صوت الروائي أم صوت الراوي
كل رواية عبارة عن عالم جديد يخلقه الروائي ويؤثثه بأحداث وشخصيات وزمان ومكان ويعرضه على القارئ عبر راو لخلق حالة تواصل مع المتلقي. نقف في “رهين الجسد” إزاء عمل أدبي له مواصفاته الخاصة فالمؤلف/ البطل شاب مقعد، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، له جسم لا يشبه جسم إنسان عادي، ولا يزن أكثر من 25 كغم.
تنضوي “رهين الجسد”، كما ذكرنا، تحت جنس رواية السيرة الذاتية، حيث الشخصية المركزية هي نفسها الكاتب والراوي. وكي يتعدى الكتاب “السيرة الذاتية” فقد وظف الكاتب تقنيّة تعدد الرواة، فهل ساهمت هذه التقنية في تعدد وجهات النظر، وفي تعدد اللغات، وإلى أي مدى؟
يطّلع القارئ من خلال كل راوٍ على زاوية جديدة، وعلى أمور أخرى لم يطّلع عليها من خلال سارد آخر، فاكتملت الصورة العامة للشخصية الرئيسية واتسعت الدائرة. فوجود عضو معاق جسديا، من أعضاء العائلة، يعني أن الجميع يعاني ويتألم، وبالتالي يحارب ويصارع ويكافح من أجل تغيير نظرة المجتمع إلى المُقعد، وتغيير طريقة التعامل التي يعاني منها الجميع. لقد تعرض معظم أفراد العائلة لمضايقات ولمواقف محرجة عدة، بدءا من اكتشاف الوالدين الإعاقة، مرورا بالإخوة الذين بذلوا جهدا كبيرا في الحفاظ على أخيهم والتضحية بأمور شخصية هامة مثل إلغاء علاقة عاطفية إذا كان الطرف الآخر لا يحترم خصوصية الأخ.
حاول الكاتب أن يخرج من إطار سلطة السارد المطلق العالم بكل شيء، ومن سلطة الروائي، لكننا كنا نأمل منه أن يعمل على إبراز تعدد الأصوات، حيث يجد القارئ أن جميع الساردين يحملون نفس وجهة النظر، تقريبا، ويؤدون نفس الدور، ويحملون نفس الفكر، وبالتالي لم تتمكن الرواية من التحرر والانطلاق وخلق رواية بوليفونية. والبوليفونية تقنية استعيرت من عالم الموسيقى حين تتحاور الآلات وتكشف كل آلة نغمة جديدة وبعدا آخر لم تكشفه آلة أخرى، وبالتالي فهي في الرواية تقنيّة تعمل على فتح باب الرؤى المتناقضة المتضادة لأن الحياة ليست لونا واحدا ولا صوتا واحدا. فقد عرض كل سارد وجهة نظره بنفس الوسائل والصيغ فبدوا كأنهم أصوات متعددة لشخص واحد، يتحدثون من موقع واحد. كما يلاحظ الدارس أن الروائي متواجد داخل عملية “الحكي” في الكثير من المواقع، فتكررت السخرية السوداء على سبيل المثال عند كثير من شخصيات الرواية، وبرز تشابه ما في بعض مركبات الشخصيات الفكرية رغم اهتمام الروائي بإبراز الفوارق بينها. فهل هذا يعني أن توظيف تقنية تعدد الرواة لم تخدم المبنى الفني للرواية؟
إننا نؤكد على أن توظيف أكثر من سارد قد ساهم في توسيع حيز السرد عامة كي يتعدى عالم قصة قصيرة موسعة. فالرواية عالمها واسع وشاسع بشخصياتها وأمكنتها وأزمنتها، فضلا عن اختلاف زاوية الرؤية، وتحديد هوية كل فرد من خلال الراوي الرئيسي، من ناحية، ومن خلال الرواة الآخرين، من ناحية ثانية. وتحددت مواصفات الشخصيات الأخرى من داخل أفراد العائلة من خلال تعدد وجهات النظر. ثم خرجت الرواية من إطار العائلة إلى المجتمع الأشمل الذي يصاب بحالة من الارتباك والبلبلة في التواجه مع المختلف والتعامل معه، فيكتشف القارئ قصوره كجزء من مجتمع مشلول فكريا. هذا التعدد أخرج الرواية من حيز الفرد المطلق إلى الحيز الجمعي. فالشخصية المركزية لا تواجه واقعها بشكل منعزل بل هناك العائلة والأصدقاء والجيران والقرية والمدرسة.

الراوي الرئيسي وضمير المتكلم
يرى القارئ المتأنّي أنّ السرد كان أكثر نضوجا وعمقا وتأثيرا حين كانت تتولاه الشخصية المركزية، وبالذات من خلال توظيف تقنيّات حداثية من شأنها أن تنير النص وتعمل على تشظيه وتوهجه من خلال الفلاش باك، والمونولوج، والأحلام والحوار والمناجاة، فبرز الألم العميق واكتملت الصورة في قوتها وضعفها، بل في كل ما تحمله من تناقضات.
جاء الفصل الخامس بعنوان على لسان “مراد”، الشخصية المركزية تحت عنوان “آخر العنقود” هذا الفصل، بحد ذاته، عبارة عن قصة قصيرة مؤثرة وناجحة جدا من زوايا عدة أهمها؛ الدخول في التفاصيل الدقيقة لجسد الشخصية منذ أن يفتح عينيه ليبدأ نهاره. هناك تصوير سينمائي مفصل لملامح “مراد” يجعل القارئ يتصور شكله وكل حركة كبيرة أو صغيرة يقوم بها، ودور كل من الأب والأم في التعامل مع الجسد، مما ينعكس على القارئ الذي يتخيل صورة الجسد وما يعانيه صاحبه، والدور الخاص الذي يقوم به الوالدان، لنكتشف العلاقة الخاصة بين مراد الشاب ووالديه، دور لا يقوم به إلا والد ووالدة لهما ابن مع إعاقة جسدية تحُول دون قيام الابن بأهم وأبسط الحاجات اليومية. هذا الفصل لوحده يختصر الوجع النفسي والجسدي للشخصية المركزية، وبالتالي يعكس معاناة الوالدين وقيامهما بدورهما الكامل إزاء ابنهما برضى تام، حتى لأخال أنهما قد اعتادا على هذه الطقوس اليومية يقومان بها كما يقوم به كل أب وكل أم تجاه طفلهما، أما هنا فالأمر يختلف لأن صغير الحجم المقعد ليس إلا شابا.
إن من يقرأ هذا الفصل ويرى نجاح الروائي في تصوير ما يمر به “مراد” ووالداه، لا يرضى بأن يرى الفارق الكبير بين المهنية العالية في التوصيف الذي يخترق عظام القارئ ومشاعره وبين البساطة والمباشرة الساذجة في مواقع أخرى. فوصف حالة “مراد” أكثر قوة وبلاغة وتأثيرا في “آخر العنقود” من أية رمزية قد توظف في أي مكان آخر، لأنها في هذا الفصل بالذات كوّنت لوحة متكاملة ناطقة بفضل اللغة المكثفة التي لا يعتور مبناها أيّ خلل زائد، فكل كلمة جاءت في موقعها لتكتمل الصورة.
برزت ملامح الشخصية المركزية الجسدية من خلال السرد المباشر، فقد تمكن الراوي الرئيسي من خلال ضمير المتكلم من الدخول في أعماق النفس، وتصويره لذاته شكلا وجوهرا، وبالتالي فإن القارئ يتلقف المعلومات مباشرة من صاحبها، كما هي دون أي تحريف؛ صورته، مشاعره، رؤية الآخرين له كما يحسها هو. ولذلك فقد أحسن الروائي في إسناد هذا الدور للشخصية الرئيسية لا لأيّة شخصية أخرى في الرواية.
إن الإشارة والرمز والتلميح لهي تقنيات هامة يجب أن تتوفر في العمل الأدبي كي يبتعد عن السرد المباشر، ولكن قوة التصوير المباشر في الموقع المشار إليه أعلاه، وفي مواقع أخرى من الرواية، على لسان الشخصية المركزية، لهي أكثر قوة من أي وسيلة أخرى لسبب واحد ووحيد؛ دقة الوصف بكلمات قليلة مكثفة.
من اللافت فعلا تسرب السخرية في الفصول التي ترد بضمير المتكلم تحديدا، وفي هذه المواقع بالذات. إذ رغم ما تمر به الشخصية المركزية من مصاعب، إلا أن الكاتب يوظف السخرية التي ساهمت بشكل فاعل في التخفيف من وطأة الحزن، رغم أنها في بعض المواقع كانت سخرية سوداوية. إن الموضوع الرئيسي لا يحمل إلا الوجع والأسى والألم الخارجي والداخلي، فكانت الضحكة دخيلا على المأساة التي يعيشها أهل البيت جميعا، لكن البسمة والضحكة التي تتسلل خفية فهي قادرة على بعث الحياة والحركة في البيت أولا وفي محيط الشخصية المركزية كي تنتقل من النص إلى القارئ، وإلا لكانت الوجبة التي تقدمها الرواية عسيرة الهضم قد تدفع بالقارئ إلى النكوص والتراجع. لا يأتي الضحك في كثير من الحالات من باب “شر البلية ما يضحك” كي تبدو الحياة طبيعية أو شبه طبيعية، رغم الوجع، ولم تقحم إقحاما بل هي جزء من تقنية مقصودة لإثارة القارئ واستفزازه ليتساءل: كيف يمكن بث الضحك والنادرة والنكتة في مثل هذا الجو القاتم؟
يقول الراوي: “أعتبر الضحك وسيلة قوية تبنيتها شخصيا وتذرعت بها لمواجهة ما أعطتني الحياة من مآسي سابقا، وما تحضّره لي لاحقا. فكما أعرفها فهي سخية جدا ولا تبخل بالتبرع بالكوارث، حتى مجانا، لا تنتظر مقابلا”. (ص165). فهل هذا هو صوت الروائي أم صوت الرواي؟ أم كليهما معا؟
إن السخرية والفكاهة قد عبر عنها “مراد” تحديدا بشكل لا يقبل التأويل، كما جاء أعلاه، وهي جزء هام من ملامح الشخصية المركزية، وما كانت لتكتمل صورته لو لم ترد الفكاهة وتتكرر على لسانه في مواقع عدة من الرواية. فهي وسيلة أخرى وُظفت لتسليط الضوء على جانب هام من الشخصية المركزية، وهي ميزة هامة جدا ومفاجئة للقارئ، لأنه لا يتخيل أن “مراد” بقادر على التندر والفكاهة والمزاح والسخرية.

خلاصة
رواية “رهين الجسد” تنضوي تحت ما يسمى رواية السيرة الذاتية، وقد تمكن الروائي من أن يسحبها من عالم السيرة الذاتية إلى مجال أوسع يعتمد أكثر على التخييل، من مجرد السرد المباشر. ولا يتأتى ذلك من خلال استعارة الاسم “مراد”، بل من خلال التقنيات الفنية التي تساهم في نقل السرد من الواقع المباشر إلى الخيال المحلّق.
استطاع الكاتب أن يُحيِّد السارد الرئيسي، بشكل جزئي، من خلال تغليب التخييل على الواقع. فقد تمكن الروائي من خلق حالة حوار هامس بين الشخصية والقارئ، وهي علاقة تعاضد بينهما لا من خلال تثوير عواطف القارئ، بل من خلال تصدي الشخصية المركزية لكل محاولات “الشفقة” و”عنف العين”.
“رهين الجسد” كتاب صادر عن شخص يمرّ بتجربة حياتية لها فرادتها على جميع الأصعدة، يعاني من رخاوة في الأعصاب، فتولد نتيجة ذلك جسد ليس كبقية الأجساد، فيه انحراف عن كل مبنى جسدي عادي. وعليه فهو يمثل وجهة نظر الكاتب وكل من يتشابه معه في التجربة الحياتية؛ يعبر من خلاله عن ذاته وعن آخرين لهم نفس التجربة في مواجهتهم مع المجتمع.
هي صرخة مدوية، رغم هدوئها، في وجه المجتمع كي يخرج من رؤيته التقليدية “المشفقة” والمهينة في آن معا. جاءت الرواية لتقول وإن كنت أنا رهين الجسد، لكني أوثر الانطلاق من العالم التقليدي رهين العادات والرؤى الضيقة. فتحلت بالجرأة في دخول تفاصيل الحياة الخصوصية التي لا يجرؤ الكثيرون على البوح بها.
ما كانت الرواية بقادرة على التواصل مع القارئ من خلال حالة الشخصية الرئيسية وحدها واستدرار شفقته، لولا توفر الأدوات والتقنيات الفنية وتوظيفها في النص. فالثقافة الواسعة وتقنيات تيار الوعي والمونولوج والمناجاة والحوار والسرد المطعم بلغة شاعرية هي السبيل الأهم للتواصل مع المتلقي.
——————————-
رياض كامل
سيرة ذاتية
د. رياض كامل
• حاصل على اللقب الثالث في اللغة العربية وآدابها من جامعة بار إيلان، بعد تقديم بحثه حول خطاب حنا مينة الروائي.
• ولد في المغار الجليلية ويعيش مع عائلته في مدينة الناصرة حيث عمل في مدارسها الأهلية معلما، ثم مديرا لمدرسة راهبات مار يوسف.
• كاتب وناقد له العديد من الأعمال النقدية والدراسات الأدبية والفكرية في مجال القصة والرواية والمسرح والشعر.
• يعمل محاضرا في كلية أورانيم الأكاديمية، منذ سنة 1993 وحتى اليوم، في قسم اللغة العربية لطلاب اللقب الأول واللقب الثاني.
• صدر له ثمانية كتب في مجال الدراسات والنقد، أهمها كتاب “دراسات في الأدب الفلسطيني” (2017)، كتاب، “الظل الآخر- دراسات في المسرح” (2015)، كتاب “محاورة النص – دراسات في القصة والرواية” (2003)، كتاب “توهج الكلمة- دراسة في لغة الشعر لدى طه محمد علي”، طبعة أولى (2001)، وطبعة ثانية (2014)، وشارك في تحرير كتاب “شكيب جهشان- إضاءات على مسيرته وأدبه” مع عضو الكنيست د. يوسف جبارين (2013).
له عدد من الدراسات تتمحور معظمها حول الأدب العربي الفلسطيني.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة