مانتقبله اليوم كان مستهجنا في زمان مضى، بقلم : عبد الحي كريط

أراء حرة ….
بقلم : عبد الحي كريط – المغرب …
((مانتقبله اليوم كان مستهجنا في زمان  مضى،ومانستهجنه اليوم سيكون مقبولا في زمان سيأتي.))*الصحابي الجليل حكيم الأمة أبو الدرداء. بقلم : عبد الحي كريط
إن مفهوم تطور المفاهيم الأخلاقية لهي من المواضيع الهامة التي سال  فيها الكثير من المداد والمناقشات والجدالات الفلسفية والكلامية بين مختلف الإتجاهات الفكرية الانسانية  والتي من خلالها تمكننا من فك طلاسم تطور الأفراد والمجتمعات الإنسانية التي تقوم على هذه الأخلاق وتترجم إلى معارف وشعور و غائيات ووسائل،وإذا أردنا أن نبحث في ماهية الاخلاق ،لابد أن نقف قليلا عن مدلولها الإجتماعي وماهية هذا المدلول، لأن الأخلاق هي سلوك الإنسان في الحياة ولايمكن أن تبقى كما هي منذ آلاف ومئات السنين فما كان أخلاقيا في عصور مضت قد يغذوا عملا أخلاقيا في عصرنا الحاضر، والمجتمع بتطوره وتداخل المجتمعات مع بعضها البعض، وتشابكها من خلال عناصرها الحضارية ،وإختلاط الشعوب قد جعل للأخلاق ميزة المرونة ،التي تنتقل من واقع الغريزة المتأصلة والعادات الدارجة ،إلى سلوك يكتسب بالتعلم وتصقله التجرية، فيتجاوب الحكم الأخلاقي على الشيء من نطاق الفرد إلى نطاق المجتمع ،وينتقل من حدود العرف إلى حدود القانون كما ينتقل من ذات الإنسان إلى فكره الإجتماعي وتصير له قوة النفاذ في حياة الناس والمجتمع،فاءذا زادت فرص التعارف بين مختلف الشعوب والأمم وتداخلت مصالحها،وتمتنت صلاتها الودية فيما بينها وقامت الأخلاق الدولية مقام المحكمة العليا وقوانينها وقراراتها، أضحى ضمير الفرد يحكم على التصرف والسلوك، وكأنه ضمير إنسان عالمي يعيش في منزل واحد هي الكرة الأرضية، رغم مافيها من شعوب وأمم وأجناس وأنماط الحياة البشرية.
ولعل المدقق والباحث في سر تحول الأخلاق من تقاليد خاصة بشعب ما في زمان ما ،إلى أخلاق عالمية لكل الشعوب ،سيجد سر هذا الترابط الذي تزداد أواصره يوما بعد يوم بين البشر حتى ليوشك الإنسان شيئا فشيئا أن يغدوا مواطنا عالميا بمشاعره وأفكاره ولو كان في نفس الوقت محافظا على خصائصه الإقليمية وصفاته وعاداته وتقاليده وقيمه ومعانيه الأخلاقية والموضوعية التي يلتزم بها في مجتمعه،ولايلتزم بها في مجتمع آخر .
ولتبسيط الفكرة أكثر يمكن تفسير هذا التطور في المفاهيم الأخلاقية  إلى معايير ثلاث:
أولا : وحدة المعرفة الإنسانية
ومعناها وحدة الفكر البشري ومعارفه المكتسبة،وهي خاصية تتمتع بها سائر شعوب العالم على إختلاف منازعهم وأفكارهم وأهوائهم ومشاربهم، فالفلسفة اليونانية والاغريقية مثلا لم تقتصر على منطقتهم الجغرافية فقط، بل حاولت وإستطاعت شعوبا وحضارات وثقاقات أخرى أن تنقلها إلى ذاكرتها وأبجدياتها اللغوية ،وتدرسها وتضيف إليها الجديد كما حصل مع الحضارة الإسلامية والعربية التي إحتضنت أصل الفلسفة الغربية ،وإعتنى بها المسلمون وحفظوها من الضياع والتلف في دهاليز الجهل الفوضي والمقدس الذي كان حاضرا بقوة آنذاك في أوروبا، ولقد نقلها المسلمون والعرب إلى الغرب عن طريق شروحات إبن رشد والفارابي والكندي …الخ وإلى جانب الفلسفة ،كانت العلوم والآداب ومختلف ألوان المعارف الأخرى ،تحظى بمثل هذا الحرص وتلك الرعاية ،مدللة على وحدة الفكر البشري ووحدة إتجاهاته، لإنشاء وخلق الأساس المتين لحضارة الأمس وحضارة اليوم ،أشبه مايكون إلى عملية إخصاب وتلاقح معرفي وفكري.
فالحضارة الغربية مهما كانت خصائصها وصفاتها إيجابياتها أو سلبياتها ،فاءنها لم تبق محصورة في نطاقها الجغرافي الضيق ،وذلك من خلال إبتكاراتها وإختراعاتها العلمية التي توزعت في جميع ربوع المعمورة ،بما رافقها من تطور صناعي قلب صورة المجتمع القديم ،بل يمكن القول أن إنسانا جديدا ولد متسلحا بمعارف اﻷقدمين وخبرة المعاصرين يوشك أن يصبح نمطا واحدا لكل إنسان .
ثانيا: وحدة الشعور الإنساني
إن وحدة الشعور الإنساني هو الذي يتلائم مع الفكر ليدلل على وحدة الحياة الإنسانية،هذا الشعور الذي يتمثل في مجموعة من الحوافز الشعورية والنفسية ومختلف الطباع ،وردة الفعل الذي تحدثه حادثة واحدة في الوجدان والضمير وماتعطيه من معادلات للقيم والحوافز النفسية،عند تجسديها في حكم أخلاقي والتي تستند على بداهة الشعور الطبيعي الذي يختزنه كل إنسان ،ليطلقه في كل مرة ،عند وقوع حادثة خارجية ،فينطلق صدره إلى إخراج حوافزه النفسية هذه ،وردود فعله المخبأة.
والإنسان في مختلف الأمكنة واﻷزمنة ،ينطلق من حدود معينة إلى حدود أبعد منها في التعبير عن رقي فكره ورقي شعوره الإنساني، وهناك حد أدنى لايمكن للإنسان أن يصل إليه ،مهما تدنت مكانته في سلم الحضارة،وكذلك أفكاره ومشاعره، والتي لايمكن أن تتطور وتنهض إلا من خلال كيفية طريقة تقديم هذه المعارف والعلوم والفنون وبالقدر الذي تسمح له ملكاته ومواهبه الفطرية ،لتجعل منه صورة العصر الذي يعيش فيه ،وفق هويته الثقافية.
ثالثا: وحدة الوسائل والغايات:
يمكن لنا أن نفهم هذا المعيار إذا وقفنا على الغاية من الحياة ولقد إستعراض الفلاسفة بعض النظريات حول هذه النقطة بالذات ،فبعضهم قال إن الغاية من الحياة هي السعادة واللذة واجتناب الآلام وهذه ملامح قصوى للإنسان  في كل عصر وفي كل مجتمع ،حيث تتجمع غايات الأفراد لتصبح غاية المجتمع أو الدولة وتدب الصراعات بين المجتمعات وفئاتها، وبين الدول بعضها بعضا لحماية السعادة لشعوبها أو للاستزادة منها، وهذا المفهوم يخضع لعدة تفسيرات فضفاضة وغامضة للأنظمة السياسية للدول ،خاصة وأن هناك دول تستمد سعادتها من تعاسة شعوب وذلك من خلال مختلف أنواع الاستعباد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهذا ماجعل بعض الفلاسفة يرفضون هذه النظرية جملة وتفصيلا ،لأنهم يروا تحصيل هذه السعادة بوسائل غير أخلاقية .
وقالت فئة أخرى بأن غاية الحياة إجتناب الآلام لأن إجتنابها هي عين السعادة ،لكون أن  الحياة هي عبارة عن سلسلة من التعب المتصل ببعضها بعضا، وقد إتهم هؤلاء بالتشاؤم لأنهم لم يروا الحياة إلا من خلال منظور أنبوبي ضيق وكأنه ليل متصل ،وغفلت أعينهم وقلوبهم عن شمس النهار المنير ،ولابد أن يكون هناك ضابط لوحدة الوسائل والغايات وأن يكون هذا الضابط أخلاقيا وهو مايطلق عليه إسم الضمير سواء الفردي أو المجتمعي.
فدراسة وسائل الإنسان وغائيته، تفسر وتوضح لنا معنى النضال من أجل كسب لقمة العيش، والعيش بأمن وطمأنينة وسلام ،والتآلف بين أناس يتكلمون لغة واحدة، توحدهم عواطف متقاربة ومشاعر غير متباينة وأفكار بناءة ،وتقف هذه الوسائل والغايات عند نزوع الإنسان بما يملك من و سائل لجعل الحياة أكثر سعادة وأقل ألما، طامحا إلى إستمرار هذه السعادة التي حصل عليها وعدم تبديدها أو إستبدالها باﻵلام والاشجان  والأحزان .

فهذه المعايير الثلاثة التي ذكرناها آنفا هي المقاييس  الذي يمكن أن نفهم به تطور المفاهيم الأخلاقية من نطاق الفرد إلى نطاق المجتمع الواحد ومن نطاق المجتمع إلى نطاق العالم الإنساني، لوجدنا عامل الوسائل والغايات -وإن كان أقدمها في الظهور -إلا أنه أقلها تأثيرا ،بينما وحدة الفكر الإنساني وتطورها وتأثيرها العميق في حياة الفرد والمجتمع قد تكون متأخرة في الظهور إلا أنها أكثر تأثيرا في الإنسان وحضارته،وهي من جملة الغايات والوسائل التي تضبط نشاطه وتحدد سلوكه.
أما وحدة الشعور الإنساني فهي القاسم المشترك بين وحدة الفكر ووحدة الوسائل والغايات، لأن الإنسان بلا شعور ولاعاطفة يظل فكره جامدا، وتظل وسائله عارية ،مما يكسبها نضارة المعرفة وخضرة المشاعر وحماسة الأمل.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة