عندما تصبح متاهات الاستبداد منطلقا للالحاد والتطرف – بقلم : عبد الحي كريط

دراسات …
بقلم : عبد الحي كريط – كاتب مغربي ….
بثت قناة الجزيرة يوم الأحد الماضي فيلما وثائقيا مثيرا للجدل بعنوان في سبع سنين ،يرصد أهم التحولات الفكرية والنفسية والروحية التي ألمت بالشباب المصري بعد إنقضاض العسكر على ثورة 25 يناير /كانون الثاني 2011 ،وقد انطلق الوثائقي من خلال نتائج استطلاع مركز الجزيرة للدراسات وهو عبارة عن بحث ميداني ومسح إحصائي تحليلي حول حالة التدين في المجتمع المصري وقد توصل هذا البحث إلى أن المصريين ما بين سن 18-35 توجد بينهم نسبة 6.5% لا يدرون إن كان هناك إله أم لا (لا أدريون)، و4% لا يؤمنون بوجود إله (ملحدون)، و24% لا يعتبرون الحجاب فرضا دينيا، و11% يؤيدون العمل المسلح باعتباره حلا وحيدا للتعامل مع السلطة.
والوثائقي تناول شخصيات تسرد تجربتها وتحولها الفكري وتبدل قناعاتها الدينية ،بفعل الإنقلاب العسكري الذي أطاح بمسار التغيير الثوري الذي كان شبابه هو وقودها، وأضحوا مستهدفين بالسجن أو التعذيب أو القتل خارج القانون،وكانت مذبحة رابعة هي نقطة التحول التي أفاضت الكأس، والتي كانت بمثابة صدمة لهؤلاء الشباب والذي فرضه الإنقلاب العسكري بزعامة الجنرال السيسي وأنهى تجربة أول حكومة مدنية منتخبة في تاريخ مصر الحديث،مما إنعكس ذلك سلبا على القناعات الفكرية لكثير من الشباب الذين شاركوا في ثورة 25 يناير واعتصام رابعة،فكانت هذه الصدمة منطلقا نحو تأسيس فكر إلحادي رفض الواقع الذي فرض عليه بفعل الخطاب الديني المتماهي مع الانقلاب العسكري والذي شرعن وجوده من خلال بعض الدعاة والمشايخ والعلماء الذين أيدوا الإنقلاب خاصة التيار السلفي والتيار الإسلام الليبرالي الذي كان يمثله الداعية عمرو خالد، فكانت ضربة قاسمة لأفكار الشباب الطامح إلى التغيير والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ،وفي الجانب الآخر اختار بعض شباب جيل الثورة 25 يناير الاصطفاف لتيار التشدد الديني الراديكالي، الذي يرى أن العمل المسلح هو السبيل الوحيد الى إسقاط سلطة الإستبداد والظلم والطغيان،وهو كتعبير عن رفض الواقع الذي فرض عليهم وحطم أحلامهم في التغيير نحو وطن يحترم كرامتهم وحقوقهم وحريتهم وأمالهم ،خاصة بعد تماهي خطاب الدعاة الذين سقطت أقنعتهم من خلال مواقفهم المخزية التي هي نتاج نفاقهم وخيانة أمانة التبليغ،فكانت مواقفهم نتاج هذه التحولات الفكرية والروحية التي عصفت بالشباب المصري، لأن السلطة والخطاب الديني عندما يشرعن لك هضم حقوقك وتطلعاتك للتغيير الديمقراطي والمؤسساتي الذي يضمن لك آدميتك وكرامتك ومستقبلك في وطن يحتويك ويقدرك ، فهو خطاب يعاكس فطرة الإنسان في الدفاع عن آماله وتطلعاته الطبيعية نحو العدل ،وانت بذلك تخرب هذه الفطرة التي غرسها الله في جميع بني البشر باختلاف عقائدهم وثقافاتهم ،وبالتالي فهي مسؤولة عن الوضع المتردي الذي دفع الشباب تخليهم عن معتقداتهم ومبادئم السليمة التي كانوا عليها خاصة عند الذين ليس لهم قاعدة معرفية واسعة بالدين ومفاهيمه المقاصدية، لأن جوهر الدين هو العدل وأساسه الذي قام عليه ،لذلك فاءن من خلال متابعتي لهذا الوثائقي فاءن أغلب ضيوف البرنامج خاصة المعتنقين للفكر الالحادي والذين أحييهم على صراحتهم،سببها مواقف وليس أفكار، لأن جهلهم وعدم فهمهم لجوهر الدين دون سؤال وبحث وتنقيب هو الذي اوصلهم إلى هذه المرحلة الحرجة من الإفلاس الروحي والفكري فالالحاد أسبابه نفسية قبل أن يكون كقناعة معرفية راسخة وانا متأكد تمام التأكد أن هؤلاء الشباب ويوجد الكثير منهم في العالم العربي،لايتقنون حتى فلسفة الإلحاد ومدارسه واتجاهاته وتياراته المختلفة وهذا نابع من تجربتي الشخصية خلال العديد من المناقشات التي خضتها مع أصدقائي الملحدين وأكن لهم كل الود والاحترام فهم غير متمكنين وان لم نقول أغلبهم من الفكر الالحادي الذي يزخر بنظريات فلسفية تحتاج إلى قراءة متأنية  و معمقة وصبر في النهل من أدبياته ومقارنتها، والتوصل إلى ثغراته التي هي مثل بيت العنكبوت الوهن.
بالرغم من اني عندي قناعة راسخة بأن استغلال الدعاة ووعاظ السلاطين المأجورين الذي يجعلون الدين كستار لتبرير الظلم والطغيان والديكتاتورية وجعل مفهوم القدر الجبري كواقع يجب التسليم به تأسيسا لقاعدة ((وان أخذ مالك وجلد ظهرك )).من ابرز مسببات الالحاد.
إضافة إلى ضعف الخطاب الديني الذي لايستجيب لتطلعات شبابه ومتغيرات عصره والذي لازال يلقي خطب مهترئة تتحدث عن مواضيع عفا عنها الزمن دون الالتفاف إلى مقاصد الدين وامتداداته الاجتهادية في فروعه،وهذا يؤدي كذلك إلى بروز ظاهرة التشدد التي تفرض رؤيتها من خلال مدرسة واحدة فقط دون اعتبار للاختلاف الفقهي المتنوع المرن مع تغييرات الواقع ،فهؤلاء يعتقدون أن الإسلام جاء بنظام حكم وافي وشامل في تداول السلطة والحكم، وهذا يعتبر قصور فكري ومعرفي فيما يخص بأنظمة الحكم السياسية المختلفة،بل وحتى مختلف الحركات الاسلامية التي لم تعي مفهوم النظام السياسي المتغير ، فالإسلام لم يأتي بنظام حكم محدد والقرآن الكريم سكت عن ذلك وذلك احتراما للواقع المتغير ،لأن أساليب الحكم هي نتاج اجتهادات بشرية تتطور مع الزمن ولاضير أن نستفيد من مختلف الأنظمة الدستورية الديمقراطية التي تتسم بالعدل وهذا هو جوهر الحكم في الإسلام إقامة العدل داخل المنظومة الدستورية المختلفة سواءا كانت رئاسية أو ملكية او برلمانية …الخ حسب طبيعة المجتمع التي تخضع للتطوير والتجديد والتلقيح المؤسساتي الذي ينبني على أسس ديمقراطية،فنجاح أسلوب وفكرة في مرحلة تاريخية معينة لايعني دائما صوابها، فقد تنتشر الأفكار والأساليب والتنظيرات الخاطئة،لمجرد أنها تلقي ترحيبا من غرائز الناس وأهواء تيار معين، أضفى إليه قدسية وأغلق باب الاجتهاد الذي هو أساس أصيل في الفكر والتراث الإسلامي، فالقرآن يفتح مصراعيه للحوار والنقاش البناء وهي من الأصول الثابتة المعرفية للإسلام ولو تعلق الأمر بذات الله سبحانه وتعالى.
ان الوثائقي الذي بث على قناة الجزيرة قد لامس نوعا ما عن الواقع المرير الذي يعيشه الشباب العربي جراء إجهاض أحلامها في ثورات الربيع العربي وان إختلفت في الشكل والمضمون ،فهذا البرنامج هو بمثابة جرس إنذار وسيكون أبرز ضحاياه الأجيال القادمة التي ستجد نفسها أمام سلطة سياسية استبدادية أضحت أكثر تغولا في مفاصل مؤسسات الدولة وبين خطاب ديني مختطف وعاجز أن يصف العلاج أو يرسم طريق الخلاص لجيل يتجه نحو هاوية فكرية فيستقي مايشفيه من إجابات مبتورة ومفاهيم قاصرة من فلسفات وثقافات تشفي غليله وبهذا الفعل إن لم نتداركه في واقعنا السياسي والأخلاقي والمعرفي والديني نكون قد غرسنا في نفوس جيلا بكامله  المقدمات والمفاهيم الأولى للإلحاد والتطرف في واقع يعج باﻹستبداد والصراعات والأزمات

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة