وهيب نديم وهبه : “علبة من ذهب” رمزيّةُ النّصّ في “علبةٌ مِن ذهب” البداية جُرحٌ والنّهايةُ حكمةٌ وسعادةٌ – بقلم : فهيم ابو ركن

اصدارات ونقد ….
بقلم: فهيم أبو ركن ….
كيفَ لا تكونُ البدايةُ جرحًا والجِراح أصبحتْ صنعةُ هذا العصرِ، عصرُ القنابلِ والرّصاصِ، وما دامَ الحبُّ رغمَ الجراحِ لهُ في الأرضِ ألفُ مكانٍ، فلماذا إذن تكونُ النّهايةُ غربةً؟
ويتساقطُ مطرٌ حزينٌ مِن عينيْكِ الهادئتيْن
لماذا تحملينَ الشّمسَ في حقائبِكِ؟
لماذا أنتَ تسرقُني في حقيبتِك؟
لا تكتبي لي ولنغادر.. غريبيْن!
هكذا تساءلتُ قبلَ أكثرَ مِن ثلاثةِ عقودٍ، في مقالٍ نشرتُهُ في صحيفةِ الأنباء 22- 7- 1977، عن الشّاعرِ وهيب نديم وهبة، وكتابِهِ الصادرِ في تلك الفترة “نهدُ إسوارة وقصيدة”. واليوم حينَ يسحرُ السّاحرُ الأميرةَ، ويجعلُها قطعةً صغيرةً بحجمِ عروسةِ ألعابٍ، ثمّ يُدخلُها سجينةً في “علبة من ذهب”، كيف إذن لا تكونُ البدايةُ جرحًا؟
وحينَ تُحقّقُ الأميرةُ في نهاية الكتابِ حُلمَها، كيف لا تكونُ النّهايةُ حكمةً وسعادةً؟!
إنّها قصّةٌ بسيطةٌ، وكلُّ القصصِ العظيمة تعتمد على البساطة وعدم التّعقيد، وهذه القصّة توظّفُ البساطةَ إلى جانب رمزيّةٍ شفّافةٍ، لتقولَ الأشياءَ العميقةَ الّتي ترتبطُ بواقعِ حياتِنا، وبمصيرِنا كمجتمعٍ وشعبٍ وبني بشر.
فمثلًا في الصّفحةِ الرّابعة يقول الكاتبُ:
الأميرةُ تودُّ أن تخرجَ مِن سجنِ الحكاياتِ وسجنِ العلبةِ، حتّى لو كانتْ مِن الذّهب الخالص، وأن يتركَها السّاحرُ أن تعيشَ حرّةً وأن تعودَ كما كانت”. يمكنُ أن نقرأَ هذه الفقرة بنمطِها السّرديِّ والواقعيِّ، ويمكنُ أن نقرأها كنص رمزيّ، فالأميرةُ الّتي تريدُ التّخلّصَ مِن سجن الحكايات، هي الأمّةُ العربيّةُ الّتي تريد أن تتخلّصَ مِن التعلّقِ بأمجادِ التّاريخِ وسجنِ بعضِ التّقاليدِ الرّجعيّةِ، مثل أن تنشبَ معركةٌ بين المستمعين بسبب رواية يرويها الراوي في الديوان!
إذن، الجميلُ في هذا الكتاب، أنّهُ مبنيٌّ على ثنائيّةِ الظّاهرِ والباطنِ، إذ يمكنُ أن يُفسّرَ كما هو للأطفال، ويمكن تفسيرُهُ باطنيًّا ليُشيرَ إلى قضايا مثيرةٍ تهمُّ الكبار أيضاً ومِن عالمِهم، وبأفكارِهم، قضايا تهُمُّ الإنسانيّةَ جمعاء.
هكذا اصطادَ الكاتبُ عدّة عصافيرٍ بحجرٍ واحدٍ، فهو يستعملُ مفاتيحَ حنينيّة التّأثير، حين يعود بمشاعرِنا إلى ما ترعرعْنا عليه مِن قصصِ السّحرِ والحيوان، فيدمجُ بين ألف ليلة وليلة، وبين كليلة ودمنة. فهو يبدأ بساحرٍ، ثم يُعرّجُ على مملكةِ الحيواناتِ، ويُدخلُنا إلى عالم الأساطيرِ مع عشتار، وإلى المعالم الجغرافيّة مع هجرةِ الطّيور ورجلِ الثّلج.
المتشابهُ بينَ هذا الكتابِ وبينَ كتابي “ألف ليلة وليلة” و “كليلة ودمنة”، أنّهما مجموعةُ قصصٍ ذاتِ طابعٍ يرتبطُ بالحكمةِ والأخلاق، بالأساطير والسحر، ولكن الفرقَ بينَهُ وبينَ الكتابين، الناحية الرمزية وإمكانية القراءات المتعددة، فمعظمَ شخصيّاتِ قصص كتاب “كليلة ودمنة” مثلا، عبارة عن حيواناتٍ، فالأسدُ هو الملك وخادمُه ثورٌ، وكليلة ودمنة هما اثنان من حيوان ابن آوى، و شخصيّاتٌ أخرى عديدة… هكذا تدور القصصُ بالكاملِ ضمنَ الغابةِ وعلى ألسنة هذه الحيوانات.
بينما في “علبة من ذهب”، الأميرة تبقى أميرةً من لحمٍ ودم، والسّاحر يبقى ساحرًا بشكلِهِ وصفاتِهِ الإنسانيّة، ولكن مع قوته السّحرية، والحيوانُ يُوظّفُ كرمزٍ، أحيانا يتكلّمُ ليخدمَ الحوار، وأحيانًا لا يتكلّم كما في قصة النّمل، الّتي يمكن أن تُفسَّر مِن خلالِ قراءةٍ عاديّةٍ، ويمكن قراءتُها وتفسيرُ رموزِها، لتحكي قصّةَ شعبٍ حقيقيٍّ عانى من الاحتلالِ والاضطهاد.
كتاب “كليلة ودمنة”، هي قصّةٌ تقومُ أساسًا على نمطِ الحكايةِ المثليّة، وهو كتابٌ وُضعَ على ألسنةِ البهائمِ والطّيورِ، واحتوى على تعاليمَ أخلاقيّةٍ موجّهةٍ إلى رجالِ الحُكمِ وأفرادِ المجتمع، أمّا “علبة من ذهب”، فلم تعتمدْ نمطَ الحكايةِ المثليّة، إنّما أدخلتِ السّردَ القصصيَّ، مع قفزاتٍ حادّةٍ هنا وهناك، لأنّ الأحداثَ كثيرةٌ والزّمنَ قصيرٌ، هو أسبوع فقط.
في هذا الكتابِ تلخيصٌ لعدّةِ نظريّاتٍ متداخلةٍ، بذلَ الكاتبُ فيها مجهودًا،
ليَخرجَ بالكتابِ شاملًا، يتمحورُ حولَ الإنسان، الإنسانِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
في هذا الكتاب نجد رموزًا عميقةً لغيابِ العدلِ أو الحُكمِ العادلِ الحكيم، وهنا نستشفُّ رمزًا لتعاليم سقراطَ أو نظريّتِهِ في جمهوريّتِهِ المثاليّة، الّتي فضّلتِ الحكمةَ لقادةِ الدّولةِ. أسمعه صفحة 50 يقول على لسان الأسد: “سيّدي حكيم المدينة، إنّ التّرحيبَ بكم وبك خاصّة لا يقلُّ عنهُ الغضب، بقدر التّرحيبِ، بقدرِ الشّوق إليك، بقدرِ حجم الغضب، غبتَ عنّا، تركتَنا دون حاكمٍ دونَ حكيمٍ، دون قائدٍ يأخذُ الأمورَ بالرّضا أو بالحرب… ”
هذه الفقرةُ أيضًا مثالٌ لبعضِ الملاحظاتِ اللّغويّةِ الّتي تحتاجُ ربّما لمقالٍ منفردٍ، ليس هذا المقام لمعالجتها.
مثالٌ آخرُ لرمزيّةِ النّصّ هو الإشارةُ إلى العصورِ الجليديّةِ، مثلا نجده صفحة 44 يقول:
“وذاتَ زمنٍ دامَ البردُ القارس، ودامتْ فترةُ تساقطِ الثّلوجِ، حتّى كسا الثّلجُ المنطقةَ كلَّها، بسببِ تراكمِ الثّلوجِ والتّجلّدِ، انقرضتْ حيواناتٌ كثيرة، وغادرتِ المكانَ حيواناتٌ أخرى، النّاسُ، بعضُهم مات تحتَ كُتلِ الثّلج، بعضُهم غادرَ المكان، تركوا المنازلَ والممتلكاتِ، ابتعدوا مع باقي الحيواناتِ إلى هذه المنطقةِ الّتي نسكنُها حاليًّا”.
ومِن المعلومةِ الجغرافيّةِ العلميّةِ يتصاعدُ الرّمزُ عمقًا إلى الحالةِ الاجتماعيّةِ النّفسيّةِ، فيقولُ:
”   في المناطقِ الّتي هجرَها الحيوانُ والإنسانُ، نبتتْ مِن عظام الحيواناتِ الّتي انقرضتْ، هيئة على شكل إنسان كان يقترب من منطقتنا، يأكلُ حيوانًا أو إنسانًا منّا ويهربُ إلى تلكَ المناطقِ البعيدة، لهذا قالوا عنه “الشّبح” لأنّه يظهرُ ويختفي. وفي كلِّ يوم كان ينقص منّا أحد، حتّى أوشكنا على الانقراض أمامَ جبروتِ ووحشيّة “الشّبح”. ربّما كان هذا الـ “الشّبح” هو حاكمٌ ظالمٌ، أو دولة عدوّة، والكاتب يرى أنّ الحلّ هو السّلامُ أو الحكم الدّيمقراطيّ، ويُعبِّرُ عن ذلك برمزِ الشّكلِ الدّائريِّ، أي أنّ للجميع نفسُ الحقوقِ، فيقول صفحة 45:
“وحين شاهد الشبحُ نارَ الدائرة عرف أن الحكيم يريد “الحوار” وبعد حوار السلام، قال: “الحكيمُ يقول لي إن في المنطقة من يحكمها، وهو في رأس القائمة، والقاعدة هي “الشعب” وترمز إلى نهاية الظلم والعداوة، والامتثال “لحكم الشعب”.
وأخيرًا نقولُ: هذا الكتابُ كتابٌ هادفٌ يُقرأ حسبَ مستوى القارئ، إذ يُمكنُ أن يُلائمَ الصف السادس نهاية المرحلة الابتدائية في بعض المدارس أو المناطق، ويُمكنُ أن يُلائم المرحلة الاعدادية وما فوق في مناطق أخرى، وعلى الحالتين يمكن أن يُقرأ برمزيّةٍ، فيلائمُ كلَّ الأجيالِ لأنّهُ يهدفُ إلى النّصحِ الأخلاقيِّ، والإصلاح الاجتماعيِّ والنّظرةِ أو التّوجيهِ السّياسيِّ، في موقفٍ إنسانيٍّ ثابتٍ، ونظرةٍ شموليّةٍ تهتمُّ بهذا الكون الّذي تُهدّدُهُ حروبٌ مدمّرةٌ، إذا استمرّتِ الكراهيّةُ والعنصريّةُ، وعدمُ التّسامح.
وربّما لا نخطئ إذا عرّفنا هذا الكتابَ بأنّهُ قصّةٌ للأطفال، يَقرأها الشّبابُ ويفهمُها الكبارُ، لها نهايةٌ سعيدةٌ تترجمُ تفاؤلَ الشّاعرِ وإيمانَهُ بجوهرِ الإنسانِ الخيِّر.
نتمنّى للشّاعرِ والكاتبِ وهيب نديم وهبه، مزيدًا مِن العطاءِ الإبداعيِّ المتألق، وإلى الأمام.
إشارات:
-كاتب المقال: الناقد والشاعر والكاتب فهيم أبو ركن “رئيس تحرير صحيفة الحديث” الأسبوعية- السياسية والاجتماعية والثقافية.
-علبة من ذهب: قصة للناشئة – للشاعر الأديب: وهيب نديم وهبة / مترجمة إلى اللغة الانجليزية / الطبعة الخامسة عام 2018 / ترجمة الشاعر حسن حجازي حسن.
-علبة من ذهب: القصة عبارة عن رحلة في أقاليم العالم السبعة من أجل تحرير الذات والأرض والعودة إلى أرض الوطن.
-الرسومات: فاطمة بور حاتمي
– عدد صفحات الكتاب 88 مع الرسومات / عدد الرسومات 12 مع الغلاف / حجم الكتاب 17 عرض / طول / 25 صدرت بالعربية في طبعتين. الطبعة الأولى2009. الطبعة الثانية – 2012.  الطبعة الثالثة مترجمة للغة العبرية 2012.  وفي عام 2013- عرض على خشبة المسرح – والطبعة الرابعة / النسخة المسجلة في مكتبة المنارة العالمية- للقارئة عبير شاهين خطيب عام 2017.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة