ذكريات من الناصرة – بقلم : وليد رباح

الجالية العربية
بقلم : وليد رباح
جدتي عفيفه:
ما زلت اذكر ذاك الوجه الوضاء الذي ينبع منه وشم سيال من الشفة السفلى ويصب في مقدمة الذقن .. تلفع جسدها برداء اسود اللون يلفها من رقبتها حتى اخمص قدميها .. كنت اراها كالطود الشامخ لا تنكسر ولا تهدها الايام .. رقيقة العود مثل نخلة عتيقة مزدهرة .. تدثرني في حضنها وانا ابن الرابعة أو الخامسة ثم تنفحني ببعض مما يجود به صندوقها المذهب الذي كانت تضعه في زاوية من غرفتها ولا يراه احد الاها .. واسألها ببراءة الطفولة .. ماذا يحوي هذا الصندوق يا ستي .. تضحك عن فم ادرد واسنان مهترئة لتقول انه يحوي كل ذكرياتها .. انت لا تفهم يا ولدي .. غدا عندما تتزوج سوف تعرف قيمة ما تقتنيه من ذكريات .. انه مهري مع ما استتبع ذلك من عنزة ولادة وحصان قوي وبعض دريهمات تركية عثمانية ..
كنا في قرية العباسية من قضاء اللد ..قالت لي امي ان لك اخوالا في الناصره .. فلنذهب لزيارتهم .. كان ذلك قبل ان نشد الرحال الى بلاد الغربة ما قبل النكبة الكبرى بسنوات قليله .. وذهبنا الى الناصره .. يومها بكت جدتي عفيفه بكاء مرا .. واحتضنتني بقوة حتى ظننت ان ضلوعي سوف تنكسر .. ثم انسابت دموعها على وجنتي وهي تقبلني بحراره .. أأنت ابن سليمه ايها المغضوب عليك .. انك تحمل كل ملامحها .. الانف والفم بل وحتى الاسنان العوجاء التي يتدلى منها نابان بارزان عندماكانت طفلة تلهو امام بيتنا العتيق .. لم اكن افهم شيئا سوى ان امرأة طويلة القامة ترتاد كل وجنتي وتملؤها بالقبلات مع ما يرافق من عض خفيف باسنان مهترئة .. وعندما يجن الليل اركن الى حضنها الدافىء تلفني بذراعيها كأنما لن تراني ثانية .. كنت اغافلها كي اذهب الى احضان امي عندما تركن عيناها للنوم .. لكنها تستفيق كمن لا تريد ان تفارقني فتعيدني الى حضنها .. ومن خلال نعاسها تدس يدها تحت مخدتها لكي تعطيني حبة ( توفي) وتقول لي انها تساعدني على النوم .. فامضغها مكرها بانتظار ان تفغل عيناها فاهرب ثانية  الى امي معلنا احتجاجي وشكواي ..
وعند الصبح اسمع همهمات واباريق تصب المياه .. ثم يتبع ذلك تلاوة آيات من الذكر الحكيم تحفظها جدتي عن ظهر قلب لانها لا تعرف القراءة .. اما ما يستتبع ذلك فهو لغط وكلام وطابون اشم فيه رائحة الخبز التنوري لزوم افطار الصباح ..
جدي سليمان القاسم:
انطبع على جبينه القمر .. تراه في حطته وعقاله يغدو ذاهبا آيبا يتفقد النبتة التي زرعها امام البيت .. يسقيها ثم يحنو على اوراقها عند المساء ..وفي السهرة يجمع اخوالي جميعا في بيتهم العتيق يتسامر ويشير الى بالذكاء والفطنة .. يعطي ابناءه تعليمات واوامر كأنما يدخلون معركة عند الصبح .. وعندما يتفرقون كل الى بيته وزوجته يدخلني الى سرداب في البيت فيه مخلفات ما زلت اذكر بعضا منها .. منحوتات خشبية جميلة مهمله .. صندوقان خشبيان يطبق كل منهما قفل عتيق صدىء .. كرسي قديم بثلاثة ارجل .. اما الرابعة فركنت في زاوية السرداب لا تجد من يدق مسمارا ليصلحها ويعيدها الى مكانها .. قدوم علاه الصدأ وكسرت نصف عصاه فغدا غير ذي نفع .. جملة من المسامير منثورة هنا وهناك على ارض السرداب .. يقول لي: عند المساء ساصحبك الى القهوه .. وما القهوة يا جدي؟ انها مكان نتسامر فيه حتى النعاس .. ثم نعود ثانية .. لا اريد الذهاب . ابقى الى جانب جدتي .. لعنة الله عليها .. الا تمل منها .. كلا يا جدي .. انها تعطيني الكثير من الملبس والتوفي ..اما انت فلا آخذ منك سوى الكلام .. يضحك: اخرس يا ولد .. انت وقح .. تضيع عيناي بين مخلفات السرداب واقرب من البكاء فيسترضيني .. لكنني عند المساء رافقته الى القهوه .. وهناك لم اجد شيئا سوى اكواب الشاي والحديث عن اليهود والمعارك والرصاص وانتظار جيوش العرب التي ستحرر فلسطين بكاملها .. كنت لا آبه لهذا وما يجري .. ولكني فرحت جدا عندما كان الرواد يلاطفونني ويعطونني شيئا مما في جيوبهم .. يصيح احدهم: أهذا ابن بنتك يا سليمان .. نعم انه شقي في البيت وخاروف عند الناس .. مؤدب هنا ووقح هناك .. يخيل لي انه نصراوي يحمل ملامح عائلة ابو احمد .. لكني لا آبه لذلك ..امضغ الحلوى بتؤدة ثم اعلن عن تذمري واطلب منه اعادتي الى جدتي ..
عندما نعود الى المنزل تقول له الجده: عزا يا سليمان .. اين اخذت الولد .. انك تفسده .. يهمس بصوت ضاحك: أنت يا امرأة .. الا تكفين عن هذا الكلام الذي لا يرضي الله والناس..لقد رافقني الى القهوه .. واستمتع بوقته .. اصرخ: لا تصدقيه ياجدتي.. ذهبت الى اناس يضحكون ويصرخون ويشتم بعضهم بعضا.. يتقاتلون وبعد هنيهة يتصالحون .. ولم افهم من الرحلة شيئا .. تقول لي: تعال يا ولد .. تعال الى حضني واترك هذا الرجل الذي يعشق اصحابه حد الموت .

أمي سليمه وشقائق النعمان:
هات يدك ايها الشقي حتى لا تضيع مني .. نحن الان في مرج ابن عامر.. يبعد عن الناصرة كثيرا حسب تقديري الطفولي .. لكن امي كانت تزوره لكي تستمتع بمناظر الورود التي كانت تحبها كثيرا .. خصوصا ذلك النوع الذي يدعى شقائق النعمان .. اسألها: من هو نعمان .. تقول لي لا ادري .. ربما كان عاشقا للورد في حياته وعندما مات زرعوا على قبره ذلك النوع من الزهور: وكنت لا افهم ما تقوله واجوس خلال مزروعات المرج ..ولكني عندما اقطف وردة اعجبتني تؤنبني وتقول لي : الورد على امه احلى واجمل .. لا تقطفه فتقصف عمره ..
ومن بعيد سمعت بعض النساء يغنين فسألت امي: أهذا غناء ام عزاء .. قالت بعد ان ابتسمت: انهن يغنين اثناء العمل في الموارس اغنية مشهورة اسمها : قطعن النصراويات مرج ابن عامر .. ولم آبه لذلك .. وطفقت اقطف الورود دون علم امي ثم اضعها في جيبي الواسع .. لكنها ماتت فصدقت امي ان الورود على امها احلى واجمل .
امضينا بعض الوقت مع خالي (صالح) هناك . لكننا عدنا عند المساء فوجدنا جدتي قد اعدت لنا طعاما يقطر منه الزيت ثم ترش على وجه الرغيف بعض السكر .. كان السكر يعجبني فالمه من وسط الرغيف واطرافه وآمتصه بنهم ..ثم القي بالرغيف جانبا لاخذ غيره .. لكن امي كانت تعنفني فتزجرها جدتي قائله: دعيه يفعل ذلك .. انه يعجبني .. فتغمض امي عينها اليمنى وتفتح اليسرى غمزا وتقول لها: خذيه يا امي .. خلصيني منه .. دعيه يعيش معك حتى يكبر .
بعد لأي تفقدت ابي الذي لم يأت معنا واشتقت اليه.. قلت لامي: متى نعود الى بيتنا: قالت والحزن في عينيها.. يا ولدي.. ربما نعود وربما لا نعود .. فقد هربنا من هناك الى الناصره.. ارسلنا ابوك حتى لا يصيبنا الاذي .. قلت: ماذا يفعل هناك ..قالت: الم تسمع صوت الرصاص قبل ان نأتي بيوم واحد ..قلت : نعم .. قالت .. ذاك والدك مع من يذودون عن القريه .. وسكت .. لاني لم افهم شيئا. غير اننا بعد ايام عدنا الى القريه فوجدنا ابي يلف يده بقطعة قماش بيضاء .. صرخت امي عندما رأته .. قال: لا تنزعجي يا سليمه .. انه جرح بسيط في اصبع يدي ..وبعد شهر من الزمان نظرت الى يد ابي فكان اصبعه الخنصر مقطوعا ..

الكنيسة والمسجد:
انهما متقابلان .. تضحك الكنيسة للمسجد او العكس فيبتسم الاخر منتشيا ..يخرجون سويا من الصلاة فيهما فيلتقي الاصدقاء على حب الله .. ان ارادت الكنيسة اصلاحا فلا تبحث الا عن مسلم كي يعمرها .. وان ابتغى المسجد اضافة او زخرفة لا يجد غير المسيحي كي يقوم بالعمل . وفي القهوة عند المساء يلتقون فلا تعرف ايهما المسلم ومن هو المسيحي .. تعايش لم اره الا في نهاية الاربعينات من القرن الماضي في الناصرة ولا ادري ان كان ما يزال قائما .
لقائي مع خوري الكنيسة كان في يوم شديد البرودة .. وضع يده على شعري ومسده ثم انتزع من جيبه عدة حبات من الملبس الملوز واعطاني قائلا : باسم الرب .. هذا الولد فيه علامات النجابه.. من هذا ايها العفريت ؟ قال ذلك ونظرالى ابن خالي الذي نسيت اسمه وكان يكبرني بسنوات خمس .. اجابه انه ابن خالتي ويسكن في آخر الدنيا .. وهو ضيف في الناصره .. قال الخوري : خذه الى المسجد كي يباركه الشيخ شرف الدين او عماد الدين لا اذكر . وذهبت الى الشيخ .. ابتسم لي وهش وكان يعطي درسا لا ادري كنهه .. وحوله جمع من المصلين .. وعندما انتهى قام الي وقبلني وقال لابن خالي: من اين ضيفنا .. هذه اول مرة التقيه ..قال ابن خالي .. انه ابن خالتي وقد جاءنا ضيفا .. قال الشيخ .. مرحبا بك ايها القادم من البعيد .. اجلس الى جانبي لكي اقرأ على رأسك سورة الفاتحه .. وجلست الى جانبه .. تمتم بكلمات لا ادري كنهها .. ولكنه لم يعطني شيئا فقلت له: لقد اعطاني ابونا بعض الملبس الا اجد شيئا عندك .. قال الشيخ ضاحكا .. ابونا الياس له جيوب كبيرة تحوي العديد من الهدايا .. اما أنا يا ولدي فانك ترى القفطان دون جيوب .. ثم دخل الى زاوية في المسجد فاعطاني رغيفا وقطعة من الجبن البيضاء قائلا : لا شىء يا ولدي لدي اعطيكه .. ولكن هذه اللقمة للذكرى .. ولما لم اكن جائعا .. فقد احتفظت بها ملفوفة بورقة جريدة قديمه .. ثم أكلتها عندما لم اشتهي ما طبخته جدتي في ذلك اليوم .
***
الناصره: انه الجرح الذي ينكأ في كل صباح فاستعيد فيه ذكرى لم آبه ل

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة