الماركسية فلسفة ام نظرية عنف؟ بقلم : نبيل عودة – الناصرة

درانسات ….
نبيل عودة – الناصرة …
تمهيد: ما زلت أعيش وقائع وانطباعات مختلفة من فترة دراستي في الاتحاد السوفييتي، في معهد العلوم الاجتماعية (او المدرسة الحزبية كما كانت تعرف) بين 1968 – 1970، لا انفي انها كانت فترة من أجمل فترات حياتي وأكثرها إثراء فكريا ومعرفيا بمختلف المواضيع ذات الأهمية لبناء شخصية الانسان ومعارفه بمجمل مجالات الحياة، لكني أكون خائنا لفكري وانسانيتي اذا تجاهلت السلبيات أيضا، التي كنا نبررها بضرورة النضال ضد الاستعمار. واسقاط البرجوازية الشجعة التي تستغل العمال وتملقهم، الخ.
السقوط السريع للنظام الاشتراكي، حلمنا الإنساني الذي قدمنا له أجمل سنوات العمر.. تركني انا شخصيا بذهول، لكن ذهولي لم يطل، عدت اراجع النظرية الشيوعية وبعض كتابات ماركس وإنجلز ولينين وبعض مقالات ستالين، وواقع ما شاهدته وعايشته خلال السنتين، لأصل لاستنتاج اولي ان النظام السوفييتي كان ستالينيا بجوهره يفتقد لأي مساحة ديموقراطية، وطرحت على نفسي أسئلة عديدة: هل انهيار الاتحاد السوفييتي هو انهيار للستالينية؟ هل كانت الستالينية (وريثة لينين) تشويها لفكر ماركس؟ هل هو الفكر الذي قبر ماركس وشوه نظريته وحولها الى قوالب ثابتة أشبه بالنصوص الدينية؟ ام كان قريبا لنهج ماركس ونظريته بخصوص الثورة البروليتارية والقضاء على البرجوازية (تصفيتها)او بكلمات أخرى ان التاريخ هو تاريخ صراع الطبقات بحيث تقضي طبقة على طبقة أخرى او تقضي الطبقتان على بعضهما البعض،أي ان العنف الدموي ملازم لأي تطور وتغيير، حسب الفكرة الجوهرية للبيان الشيوعي؟ هل كانت الماركسية نظرية لتغيير حقيقي للواقع الاجتماعي ام نظرية لتبرير نهج متطرف لا يختلف عن الفناتية الدينية (التعصب الديني الأعمى) او غيرها من النظريات المتطرفة مثل النازية والفاشية؟ وهل صحيح القول ان أساليب ستالين ناقضت الطرح الماركسي الذي جاء في البيان الشيوعي، ام هو استمرار له للقضاء ب “العنف الثوري” على الرأسمالية والاستغلال؟ أي خوض حرب أهلية مدمرة للمجتمع والانسان (هل يوجد تفسير آخر؟). لماذا نشر النظام الفساد، فكانت أي شكوى على مواطن، حتى لو كانت غير صحيحة، تقوده الى المنفي او المقصلة؟ والكثيرين قدموا تحت الضغط والخوف، شكاوى ضد زملاء لهم لينقذوا أنفسهم. وهناك وثائق وتسجيلات، بل وروايات مختلفة عن هذا الواقع المؤلم واللاأخلاقي!!
ماركس طرح في فلسفته رؤية تقول: “لقد اكتفى الفلاسفة بفهم وتفسير العالم، أما الهدف فهو تغييره”.. هل كان يريد تغييره بالعنف بأساليب التنظيمات المتطرفة حسب النهج الذي اعتمده ستالين أيضا بعد القضاء على الأعداء البيض في الداخل؟ او ربما يصح القول ان فلسفة ماركس كانت تبريرية لفرض نظام ديكتاتوري بالغ القسوة والعنف والتدمير بدون حدود؟!لماذا لم يختار المنافسة الانتخابية مثلا كطري للوصول الى السلطة؟ الا تشكل طبقة العمال وسائر الفقراء من فلاحين، وحتى جماعات المثقفين الانسانيين أمثال ماركس وانجلز ومختلف الفلاسفة والمنظرين الانسانيين، القوة الاجتماعية الأكبر القادرة على الحسم بدون عنف دموي؟
رأيت بشكل مغاير أيضا ان الماركسية لم تقع بعيدا عن الفكر المتطرف في طروحاته، الذي ميز أيضا النازية والفاشية والتطرف الديني المسيحي الأوروبي، في مبالغته بفهم طريق التغيير الاجتماعي، برؤية ان التغيير هو القضاء التام على كل طرح مغاير وبكل القوة والعنف، وخاصة (بالنسبة للماركسية) في الطرح الطبقي، الذي عرف بالمادية التاريخية، والتي ادعت ان التاريخ يسير في مسار محدد ونهائي لا مفر منه، يقود الى الصدام والقضاء على الطبقة البرجوازية ونظامها الرأسمالي وبناء النظام الاشتراكي، رغم ان فكرة الدولة الاشتراكية وشكلها  وأسلوب تنظيمها لم يحصل على اهتمام آباء الماركسية، الا بتلميحات لم تقدم رؤية متكاملة.  وظل مفهوم الدولة الاشتراكية مبهما، حتى لينين أيضا بعد الثورة البلشفية لم يطرح رؤية جديدة، لشكل بناء الدولة الاشتراكية ونظامها، رأى بالدولة جهازا لقمع البرجوازية العالمية، وماذا مع النظام الاجتماعي الجديد؟ وماذا مع أسلوب إدارة الاقتصاد الجديد؟ ثبت مثلا الفشل العظيم في النظام الزراعي، والفشل العظيم في المنافسة الصناعية رغم ان ما أنجزه الاتحاد السوفييتي كان قوة اقتصادية لا يستهان بها، لكنها ليست بنفس ما كان يحدث من نهضة مماثلة بالغرب، وبوضوح أوسع لم يكن الاقتصاد السوفييتي قادرا اقتصاديا على اللحاق بالتطور الرأسمالي للمجتمع البرجوازي في جميع مجالات الحياة، واهمها الرفاه الاجتماعي، الديموقراطية، مستوى الحياة للمجتمع السوفييتي، الضمانات الاجتماعية، الحريات المختلفة، حق التفكير والاختلاف ومختلف الحريات الشخصية حتى البسيطة منها بما فيها حرية الصحافة والنقد ، الذي يشكل أداة للرقابة والمحافظة على طهارة السلطة.. ما نتج هو نظام قمعي رهيب، لدرجة ان المواطنين اضطروا للفساد على معارف لهم بالكذب، حتى لا يقعوا ضحية عنف الدولة ومعتقلاتها الرهيبة والتعذيب حتى الموت. ليت النظام الروسي الحالي يكشف ارشيفات تلك الفترة. الثورة البلشفية تبنت أسلوب تنظيم الدولة الرأسمالية بكامله وبسلبياته الكبيرة وبيروقراطيته، لبناء النظام المناقض لها، الذي يتعلق بالصراع بين البروليتاريا والطبقة البرجوازية، وان الثورة تعني القضاء والتصفية للطبقة الرأسمالية وحلفائها من الاقطاعيين، من اجل بناء النظام الجديد، لكن هذا الأمر لم تثبت صحته، مع التطورات اللاحقة في الاقتصاد والمجتمع والفكر الفلسفي.  سأعود لهذا الموضوع الشائك فيما بعد بدراسة خاصة..   ذلك لا ينفي ان النظام السوفييتي، حتى بعد التحرر النسبي الكبير من الجمود العقائدي والنهج الستاليني، واصل فرض الجمود العقائدي على تطوير النظرية الماركسية والتخلص من الطابع المغلق لبعض الطروحات التي تجاوزها التطور التاريخي.
الخطأ الأكبر عدم تطوير التطبيق الاشتراكي الذي عانى من تخلف في الإنتاج بالمقارنة مع النظام الرأسمالي، لدرجة ان جاس هول، قائد الحزب الشيوعي الأمريكي قال في وقته ان كمية الإنتاج السوفييتي توازي الإنتاج في إيطاليا حين يكون العمال بإضراب تباطوء في العمل.. اثناء وجودي في موسكو(1968 – 1970) زرت مصنع الجرارات حيث يعمل كما قيل لنا خمسة الاف عامل، لم اشهد حركة انتاج كما افهم الإنتاج ، بل اعداد كبيرة من العمال على انتاج كل قطعة، الأكثرية عمليا لا ضرورة لها لو كان المصنع بإدارة رأسمالية – او ادارة مهنية ربحية سليمة. ولا اتحدث عن استغلال مهين، بل عن عمل طبيعي بدون ضغط، لأن الضغط يخرب ويعطل ولا يسرع الانتاج.  وانا كخبير في الصناعات المعدنية (سنتين دراسة لهندسة الميكانيكيات قبل سفري للجامعة الحزبية، وقبلها كنت مديرا للعمل في الصناعة المعدنية وفيما بعد مديرا للإنتاج، ثم مدير مصنع) وواضح ان السباق الاقتصادي مع النظام الرأسمالي لم يكن لصالح النظام الاشتراكي. بمعنى ان انتاج طن في النظام الاشتراكي، يقابله انتاج 5 طن في النظام الرأسمالي، بنفس عدد العمال. مثلا حين كان مستوى حصة الفرد السوفييتي من الناتج القومي الإجمالي بحدود ال  10 الف دولار بالسنة. كانت الأنظمة الرأسمالية في أوروبا على أبواب ال 40 –50 الف دولار للفرد الواحد في الناتج القومي الإجمالي السنوي، والولايات المتحدة بمستوى دخل اكبر. رغم ان كوسيجين، رئيس الحكومة السوفييتي آنذاك اعد خطة اقتصادية متكاملة، لإحداث نقلة جوهرية في الصناعة والزراعة، للأسف لم يطبق منها الا اقل من القليل، خوفا من اتهام الغرب للنظام السوفييتي بالعودة لأسلوب انتاج رأسمالي. مثلا طبقت الخطة الزراعية للتجريب في هنغاريا، ضمن خوف ان يحدث انهيار في الإنتاج الزراعي اذا نفذت خطة كوسيجين، وعليه سيكون السوفييت بالمرصاد لإنقاذ هنغاريا. حسب الخطة، جرى تفكيك القرى التعاونية والحكومية في هنغاريا وتخصيص قطع ارض للمزارعين للعمل المستقل، اي ليس زراعة جماعية، فقط أدوات العمل جماعية، والعمل نفسه فردي لكل مزارع بحصته من الأرض. مما نشط الزراعة والإنتاج وجعل هنغاريا تحدث قفزة زراعية مثيرة للغاية وفرت الخضار واللحوم بكميات كبيرة جدا، فاقت الأسلوب السابق بنسب كبيرة جدا لم تكن متوقعة. لكن المكتب السياسي السوفييتي واصل الإصرار على عدم تطبيق نفس الخطة في الاتحاد السوفييتي.. أي حافظ على الكولوخوزات (المزارع الجماعية) والسوفوخوزات (المزارع الحكومية)، والتي كان انتاجها لا يصل لربع انتاج الأسلوب الذي طبق في هنغاريا. للأسف المعطيات الرسمية فقدتها او انها تائهة بين اوراقي. لكني كنت شاهدا على أسلوب العمل في كولوخوز في جمهورية أذربيجان، وأقول ان العمل لم يكن بحماس ومسؤولية شخصية. كانت الثرثرة أكثر من العمل الزراعي. يعملون ببطء شديد، لا يقلقهم وضع المزروعات او القطيع، توجد أوامر ولوائح تنفذ. المهم يقضون ساعات عملهم كمصدر دخلهم الثابت، ويعودون لمنازلهم للتفرغ لحدائقهم الصغيرة الخاصة. اجراء أي مقارنة بسيطة بين كمية المنتوج في قطعة الأرض خاصتهم، وكمية المنتوج بالأرض الجماعية، يبين فرقا نسبيا كبيرا للغاية وهو ما انتبه كوسيجين ومستشارية له وحثهم لتخطيط أسلوب زراعي جديد. لكن لم يطبق في الاتحاد السوفييتي رغم نجاحه الكبير للغاية بتجربته في هنغاريا. وفي الصناعة الوضع لم يكن أفضل، بل أكثر سوءا.
لاحظت الكثير من ردود الفعل الساخرة للمواطنين السوفييت، حول تفاصيل كثيرة لا يتجرأ المواطن ان يطرحها بجدية مباشرة ووضوح، بل بأسلوب ضاحك يشمل فيه شتيمة او أكثر للغرب الاستعماري والرأسمالية الجشعة، ليبدو مدافعا عن نظامه. وكانت ظاهرة مستهجنة وهي انضمام الملايين من الأعضاء الجدد للحزب الشيوعي باستمرار، لدرجة يبدو ان المواطنين السوفييت أصبحوا كلهم أعضاء في الحزب الشيوعي او الشبيبة الشيوعية للشباب. الأمر الذي كان فخرا للنظام (ولسائر الأنظمة الاشتراكية التي انهارت مثل أبراج من القش) طبعا تبين ان الانضمام لصفوف الأحزاب الشيوعية بالأنظمة الاشتراكية له دوافع غير فكرية وغير شيوعية، فما ان انهار النظام، وإذا الاحزاب تتقلص الى بضع الاف، او مئات قليلة من الأعضاء.
اين اختفت الملايين؟ وأين اختفى الجيش الأحمر، العقائدي الشيوعي؟
كان استاذي لموضوع الاقتصاد السياسي قد نبهني، بعد ان لاحظ اني “طويل اللسان”، بان للحيطان آذان، وكان قد انقذني من ورطة كدت بسببها ان اطرد من المدرسة الحزبية (ذكرتها في يوميات سابقة عن زيارة لأذربيجان) وأعاد الى إسرائيل وليس الى الغولاغ السيبيري، ذلك الغولاغ (المنفي السيبيري) كان للمعارضين السوفييت، الأصح لكل من يجرؤ على الانتقاد المباشر لأي ظاهرة سلبية، وهناك قصص مذهلة عن الغولاغ ورواية توثيقية للكاتب سولجينيتسين الذي عانى من النفي في الغولاغ لسنوات طويلة بسبب انتقاده لبعض السلبيات في المجتمع السوفييتي، وانصح بقراءة رواية “ولد 44” (وجدتها بالعبرية بعنوان “ילד-44”) التي تكشف واقعا مخيفا ومذهلا، لأسلوب إدارة المجتمع عبر الشبكات الأمنية الاستبدادية الفاقدة لأي منطق، أشبه بروبوتات معبأة وتنفذ قمعا رهيبا لا يليق بأنظمة القرون الوسطى. كان ذلك بلا شك وراء هذا الانهيار السريع للتجربة الاشتراكية، أقول ذلك بأسف وألم على ضياع اهم حلم انساني للبشرية.
دعاني أستاذ الاقتصاد السياسي للقاء في حديقة غوركي الرائعة، حيث تناولنا طعام الغذاء في مطعم ليس بعيدا، وشربنا بضع كؤوس من الفودكا، طبعا بلا حديث حول المواضيع الملحة، لأن للحيطان وربما للطاولة التي نتناول عليها طعامنا توجد آذان أيضا. بعد ان خرجنا من المطعم، كما حدث مرات عديدة حدثني بتفاصيل لم اتوقعها، عن واقع المجتمع السوفييتي آنذاك، خاصة في الأرياف والجمهوريات السوفييتية الشرقية. بعض أحاديثه صغتها في سلسلة “يوميات نصراوي”، وبعضها بأسلوب قصصي ساخر، هذه احداها.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة