صدور ديوان “إنسان آلي” بالإنجليزية في الولايات المتحدة للمصري شريف الشافعي

اصدارات ونقد …..
نيو جيرسي (خاص) …
أعلنت دار نشر “أنباوند كونتنت” (UNBOUND CONTENT) في نيو جيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية صدور الترجمة الإنجليزية لديوان “البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية” للشاعر المصري شريف الشافعي، وهو الجزء الأول من تجربة شعرية متعددة الأجزاء للشافعي بعنوان “الأعمال الكاملة لإنسان آلي”، كانت قد صدرت خلال السنوات الماضية في أربع طبعات عربية.
تقع الترجمة في 260 صفحة من القطع الكبير، وقد أنجزها الدكتور عمرو الزواوي، مدرس اللغويات والترجمة في قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية جامعة الإسكندرية، وتضم إلى جانب النص الشعري مجموعة من الدراسات النقدية حول تجربة الشافعي، بأقلام نقّاد وباحثين ومبدعين عرب، منهم: الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا، الكاتب الجزائري سليم بوفنداسة، الشاعرة اللبنانية الراحلة صباح زوين، الكاتب اللبناني الراحل الدكتور جورج جحا، الشاعرة السورية لينا شدود، الشاعر السعودي محمد خضر الغامدي، الكاتب المغربي عبد المنعم الشنتوف، الكاتب المصري الدكتور عادل بدر، إلى جانب حوار صحفي مع الشافعي أجرته صحيفة “الأهرام ويكلي” بالقاهرة.
كان الشافعي قد وقّع عقد نشر الكتاب في أثناء مشاركته في “مهرجان بريدج ووتر الدولي للشعر” (BIPF)، الذي انعقد في يناير 2017 بمقر جامعة بريدج ووتر في ولاية فيرجينيا الأمريكية، بحضور حوالي 80 شاعرًا من الولايات المتحدة ودول متعددة، من بينها مصر. وقد وقعت العقد عن دار “أنباوند كونتنت”، مؤسستها الشاعرة والناشرة الأمريكية أنماري لوكهارت.
عن صدور “إنسان آلي” بالإنجليزية في يناير 2019، وإتاحته عبر موقع “أمازون” العالمي لتسويق الكتب، قالت الناشرة أنماري لوكهارت: “تحمسنا للكتاب كونه غير تقليدي في فكرته وإخراجه، يسعى إلى استكشاف الإنسانية من خلال التكنولوجيا والغوص في تأملات البشر والروبوتات على السواء”. وأشارت أنماري إلى حفاظ دار النشر على التنسيق غير المألوف الذي ظهر به الكتاب في طبعته العربية، وذلك “احترامًا لرؤية المؤلف، وحرصًا على إتاحة جدلية بصرية لثيمة العمل: العلاقة بين الحقيقة والعوالم الافتراضية”.
ونوّهت صفحة موقع “أمازون” العالمي لتسويق الكتب بانفتاح النص الشعري “إنسان آلي” على تصورات متداخلة تتعلق بالإنسان والآلة والحب والحياة من أجل طرح القضايا القديمة والمعاصرة بأسلوب مبتكر. وكانت تجربة “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” قد اختيرت في وقت سابق للتدريس في جامعة “آيوا” الأمريكية، ضمن منهج قسم الكتابة الإبداعية، ووصفتها إدارة الجامعة بـ”إضافة حيوية إلى قصيدة النثر العربية”، و”نقطة التقاء حميمة بين الإبداع الورقي، والإبداع الإلكتروني”.
من جهته، صرح الشاعر شريف الشافعي بأن صدور الطبعة الإنجليزية من “إنسان آلي” إضافة إلى رصيده تعادل إصدار ديوان جديد، طالما أن هناك قراء جددًا سيكون بإمكانهم مطالعة العمل والتفاعل معه ورقيًّا وإلكترونيًّا.
وأشار الشافعي إلى أن الطبعة العربية للكتاب، التي كان يُفترض أن تصدر في القاهرة عن إحدى دور النشر المصرية بالتزامن مع صدور الطبعة الأمريكية قد توقفت، بسبب إخلال الناشر بشروط العقد، وقال الشاعر: “هذا هو الفرق بين الناشر الغربي الأمين الذي يحترم اتفاقاته ومواعيده، ونظيره المصري الذي يتنصل من عهوده بعد توقيع العقد، مكتفيًا بالدعاية والتقاط الصور، ثم يتراجع عن إتمام النشر ويتهرب من دفع التعويض، وسيكون للقضاء كلمته بالتأكيد لتمكيني من حقوقي وتعويضي عن الضرر”.
يُذكر أن “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” مجموعة مؤلفات شعرية مكتوبة كلها بلسان “الروبوت” الثائر، الذي يشذّ عن قوانين رفقائه من الحواسيب المبرمجة، فاضحًا سوءات عصره الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، وباحثًا عن ذاته الإنسانية المفقودة، النابضة بحرارة، رغم كل شيء، تحت جليد الحياة الرقمية. وعلى الرغم من ضعفها وتلاشيها، لا تزال هذه الذات تحلم بإمكانية استردادها فردانيتها وخصوصيتها، وتمردها على آليات السوق وإيديولوجيا التنميط وتوحيد حركة الروبوتات (البشر) وفقًا لقواعد صارمة، وبرمجيات لا يديرها إلا الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة.
كان الجزء الأول من “الأعمال الكاملة لإنسان آلي” قد صدر بالعربية في ثلاث طبعات ورقية: كإصدار خاص (القاهرة 2008)، وعن دار تالة السورية (دمشق، 2009)، وعن دار سندباد للنشر (القاهرة، 2010)، كما صدر في طبعة إلكترونية عن مجلة “الكلمة” اللندنية (2011). وصدر الجزء الثاني من المتتالية الشعرية بعنوان “غازات ضاحكة” عن دار “الغاوون” اللبنانية (بيروت، 2012).
شريف الشافعي، من مواليد مدينة منوف في عام 1972، وقد صدرت له ثمانية دواوين، منها: “بينهما يصدأ الوقت” (القاهرة، 1994)، “الألوان ترتعد بشراهة” (القاهرة، 1999)، “كأنه قمري يحاصرني” (بيروت، 2013، دار الغاوون)، بالإضافة إلى ديواني: “هواء جدير بالقراءة”، و”رسائل يحملها الدخان” (باللغتين: العربية والفرنسية) عن دار “لارماتان” الفرنسية (باريس، 2014، 2016، ترجمة منى لطيف).
أصدر الشافعي كتابًا بحثيًّا بعنوان “نجيب محفوظ.. المكان الشعبيّ في رواياته بين الواقع والإبداع”، عن “الدار المصرية اللبنانية” بالقاهرة في عام 2006، وقد شارك في ملتقيات ومهرجانات شعرية دولية عدة، منها: مهرجان “لوديف” الدولي للشعر بفرنسا في 2014، مهرجان الشعر العالمي في جامعة “بريدج ووتر” بالولايات المتحدة الأمريكية في 2015 و2017، مهرجان “آسفي” الدولي للشعر بالمغرب في 2013، مهرجان الشعر العربي في صور بجنوب لبنان في 2016، مهرجان الجنادرية بالسعودية في 2017، وغيرها.
ينقسم نص “الأعمال الكاملة لإنسان آلي1” (البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية)، إلى مائتي محاولة للبحث عن نيرمانا، حيث تظهر نيرمانا،  بتيماتها المتعددة، في جميع المقاطع، جنبًا إلى جنب مع الأنا المتحدثة بلسان الإنسان الآلي. وقد تم ترقيم محاولات البحث من 1 إلى 200 كعناوين للمقاطع، وإلى جوار كل رقم صورة لمفتاح البحث الإلكتروني الشهير (SEARCH)، الذي يتم النقر عليه عند إجراء بحث إلكتروني على الإنترنت من خلال محرك ياهوو أو جوجل.
في “البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية”، على حد ما يرى الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا: “لا ركون أبدًا إلى نقطة في الفضاء، وإنما تسبق الذات المتحدثة نفسها، تسبق الاحتمالات والحنايا وتقترب رويدًا رويدًا من الشأن العام، وتطل من الفردي، من المفرد، على عالم من الكثرة”.
في الجزء الأول من “الأعمال الكاملة لإنسان آلي”، هناك “200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض” (نيرمانا)، ويوضح محرك ياهوو على الإنترنت أن نتيجة البحث عن مفردة “نيرمانا” (Nirmana) هي نتيجة سلبية تمامًا. فكأن الباحث عن نيرمانا، عن الأخرى أو عن ذاته أو عن المفقود (المنقرض) عمومًا، يدرك منذ البداية أنه لن يعثر على ضالته، لكنه يستمر في بحثه رغم ذلك، طالما أن هذا هو المسلك الوحيد الذي يعني التشبث بالحياة.
تقول عبارة الإهداء: “إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة”. هذه النافذة، أو جسر الخلاص من سوء التهوية، كما يوضح الشاعر شريف الشافعي، قد تكون نافذة حقيقية للإطلال والاكتشاف بشكل مباشر، وقد تكون نافذة إلكترونية (Window) للبحث الإلكتروني، تمامًا مثلما أن “200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض” قد تكون محاولات للاصطياد المادي المباشر بمساعدة شبكة خيوط العنكبوت، وقد تكون محاولات افتراضية للاصطياد بالاستعانة بخطوط شبكة الإنترنت العنكبوتية، أي بالاستفادة من تقنيات العصر والملكات المتطورة للروبوت البائس، التائه بين ماضيه وحاضره، والمتشكك في مستقبله المرهون بعثوره على نيرمانا! كذلك، فإن “الأصابع الذكية” التي تطارد نيرمانا، قد تكون رامية إلى تحسسها مباشرة بحاسة اللمس، وقد يكون ذكاؤها الصناعي،الآلي،هو سر نجاحها في تحديد موقع نيرمانا.
ومن خلال رحلات البحث عن نيرمانا، يرسم الروبوت صورة بانورامية لذاته ولعصره في آن، ويضع يده على أبرز المستجدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية الخ، التي قادت الإنسانية إلى هذا المصير البائس، حيث لا مكان للفرد في معمعة سحق الجموع، وحيث تتم ممارسة كل الأمور والشرور بحساب: الاحتلال والقتل بحساب، الإنتاج والاستهلاك بحساب، المواليد الجدد بحساب، التربية والتعليم والتثقيف بحساب، العمليات الحسابية نفسها بحساب، الخ. وفي مثل هذه الأجواء الجافة القاسية، التي تتم فيها ترجمة كل عناصر الوجود، كل القيم والأخلاقيات، إلى حسابات وأسعار وأرقام، تمتزج رغبة الروبوت في الوصول إلى نيرمانا بالرغبة في مخالفة القوانين الخانقة، كل القوانين، حتى تلك القوانين التي ليست من صنع البشر. وتأتي علاقة الشاعر، الروبوت، بنيرمانا متذبذبة على مدار المقاطع كلها، فهو قد يتشكك في وجودها في بعض المقاطع، ويغلب عليه الظن أنها من بنات أفكاره، وقد يراها بوضوح مع الآخرين في مقاطع أخرى، وقد يراها وحده دون سواه، وقد تمكث معه فترة ثم تختفي، وقد يدرك آثارها أحيانًا ولا يدركها هي، وهكذا تبقى نيرمانا هي اللغز الأبدي الذي لا حل له.
وفي النهاية، وبعد الدوران دورة شمسية كاملة، بعدد أيام السنة الميلادية، يتيقن الباحث أن اصطياد نيرمانا العارية، الحقيقة المجردة، هو بمثابة القبض على الدخان، ومع ذلك، فقد يكون الفشل المتكرر أو “أم الهزائم” هو نقطة البداية من جديد، مثلما أنه نقطة النهاية.
وفي “الأعمال الكاملة لإنسان آلي2” (غازات ضاحكة)، المكتوب بلسان الروبوت المتمرد ذاته، تستدعي التجربة الغاز المعروف بالغاز المضحك أو غاز الضحك (أكسيد النيتروز)، وهو غاز يؤدي استنشاقه إلى انقباض عضلات الفكين، وبقاء الفم مفتوحًا كأنه يضحك (دون بهجة حقيقية بطبيعة الحال)، وكان يستخدم في حفلات الأثير المرحة (نسيان الألم)، والآن صار يستخدم في التخدير، خصوصًا في جراحات الأسنان والفم.
وتأتي لوحة الغلاف في السياق ذاته، حيث يضحك وجه بارد (يتخذ هيئة شاشة كومبيوتر) ضحكة آلية مصطنعة، وذلك في مواجهة الضحكة الإنسانية الصافية (الابتسامة الأورجانيك، بتعبير إحدى القصائد). وعلى ظهر الغلاف هذا المقطع: “لستُ صاحبَ مواهب استثنائيّةٍ/ صدِّقوني/ أتدرون: كيف عرفتُ/ أن هذه اللوحةَ لوحةٌ زائفةٌ؟/ لأنها ببساطةٍ لَمْ تكتشفْ/ أنني لحظة نظري إليها/ كنتُ إنسانًا زائفًا”.
يتحرر الآلي في “غازات ضاحكة” من سطوة نيرمانا (أيقونة الجزء الأول: البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية)، منخرطًا في (حالات إنسانية) متتالية ومتشابكة في آن، ينشد فيها الطزاجة والبدائية والدهشة والصدق، ويتطور الإبصار الكشفي لديه مع تتالي المقاطع إلى رؤية كلية شاملة، وفلسفة شفيفة تغلف النص.
الحالة الأولى، كما يشير الشاعر شريف الشافعي، هي حالة الألم (معسكر السوس في ضرس العقل الإلكتروني)، وتؤدي إلى البحث عن مسكّن أو علاج. تليها حالة التخدير (استنشاق الغازات)، بما فيها من ابتسامات بلاستيكية (بلون القطن الطبي)، وتواصل باهت مع الآخرين (من الزوار المعقّمين). ثم تأتي حالة غيبوبة الآلي، وفيها تتضح هلوسات وأحلام الإنسان الطامح إلى التخلص من برامج التحكم، والارتداد إلى صورته الطينية، والانطلاق الحر نحو جاذبية الأرض، والتحليق في السماء. ثم حالة الموت (الموت في الهواء الطلق: هواء طلق)، التي تجسد انتصارًا لإرادة الحياة الحقيقية لدى الإنسان الحقيقي على قوة أجهزة الإعاشة الجبرية للإنسان الآلي في المستشفى.
ويظل شعاع الأمل يداعب المشهد، حيث تنظر (المرآة المتهشمة) إلى طيف الإنسان الحقيقي، فإذا بها (ترى كلَّ شيءٍ، ويعود العالَمُ). ثم يأتي المقطع الختامي بحصاد اكتمال رحلة الرفض والتمرد، حيث فهم كيمياء الوجود، وصيد الجوهر، وامتلاك الماهيّة.
من أجواء (الأعمال الكاملة لإنسان آلي1) نقرأ هذه المقاطع المتفرقة (على لسان “الروبوت”)، وهي تمثل محاولات متكررة لإجراء بحث إلكتروني (سيرش) عن “نيرمانا”، وحصيلة البحث دائمًا “صفر”:
لَمْ أكن محتفظًا بقدْرٍ كافٍ من التركيزِ
ربما بسبب آلام الظهرِ،
التي زادت حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
في المكتب وفي المنزل
لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ
كتبتُ “Normal” بدلاً من “Nirmala”
هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo) بحنانٍ مفرطٍ
نساءُ الأرض كلهن زُرْنَنِي في تلك الليلة
طيورُ الزّينةِ كلها دَاعَبَتْ مُخِّي بلطْفٍ
كان أمرًا محرجًا حقًّا
أن أتثاءب عدة مراتٍ
بل أنام فعلاً
قبل أن أوزّعَ الحلوى على ضيوفي
مع أن الكَرَمَ من كروموزوماتي الوراثيّةِ!

*     *     *
مثلما تحضرينَ بسهولةٍ في ضميري
(الذي لا محلَّ له من الإعرابِ)
على ظهر أحدِ الأفيال الْمُسَالِمَةِ،
تتسرَّبين أيضًا بسهولةٍ في مسامِّ جِلْدِي المتشقِّقِ
تتشَّرَبُكِ ذرّاتي المترابطةُ
المتعطّشةُ إلى التحلُّلِ
في الجيرِ الحيّ
تمشطينَ شَعْرَكِ المجعّدَ بعصبيّةٍ أمامي
في حين أضغطُ بهدوءٍ على لوحة مفاتيح الكمبيوتر
أكتب حروفَ اسمكِ في مُحَرِّكِ (Yahoo)
نيرمانا Nirmana
نيرما Nirma
نيرميتا Nirmitta
نيتا Nitta
ميتا Mitta
تيتا Titta
نيرمالا Nirmala
نيرفانا Nirvana
نيرفا Nirva
نورينا Noreena
نوريتا Noritta
ناريمانا Narimana
نيرمينا Nermina
نون Noon
نونا Nona
ن N
تُجيبني الشاشةُ بابتسامةٍ كمقذوفاتِ السفن
لها جناحانِ وذيلٌ
إلا أنها غير قادرةٍ على الطيران
يُحلّقُ 16 صِفرًا فوق رأسي في الغرفة
0 0 0 0
0 0 0 0
0 0 0 0
0 0 0 0
في منقارِ كلِّ صِفْرٍ قطعةٌ من فصوصِ مُخّي
(المضبوطةِ جيّدًا بالشّكْلِ)
أصنعُ من خَجَلي المتورّمِ منطادًا
أصعد به إلى أقدمِ كوكبٍ في المجرَّة
حيث لا أحد يقلّمُ أظافِرَهُ الجميلةَ،
التي يحفرُ بها مسالكَ حياتهِ
ويحفرُ بها قَبْرَهُ
*     *     *
راقتْ لي مدفأةُ الفحمِ
ورائحةُ البخورِ القادمةُ من عند الجيرانِ
فَضَّلْتُ تأجيلَ قَلْيِ السمكِ إلى المساءِ
كي لا يحرقَ الزيتُ المتطايرُ
فراشةً هائمةً في قفصي الصدريِّ
تَوَقَّعْتُ حُلْمًا بديعًا في تلك الليلةِ
خصوصًا بعد أن قررتُ النوم بدون عشاءٍ
وبدون غطاءٍ
بالفعل
طَلَعَتْ نيرميتا من الشَّرْنقةِ
وراحتْ تُطقْطقُ عُنقَها بدلالٍ عدة مراتٍ
وأنا أُصَفِّقُ لها بحرارةٍ
*     *     *
أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطنِ
الضابطُ أخبرني
أنني أطلْتُ النظرَ إلى المرآة
صَارحْتُهُ بأنني معذورٌ في الحقيقةِ
كانت نيرمانا جالسةً في المقعدِ الخلفيِّ!
رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ
شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ
لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي
في المشاوير الاستثنائيّةِ
*      *      *
تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً
في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
– حاشا –
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها
*      *      *
يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
“صباح الخير” من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
“كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!”
“تصبح على خيْرٍ” من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ
لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا
في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟
وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!
*      *      *
لستُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ الفضاءِ
بعد أن امْتَلَكْتُ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ
في حجرة نومي
(ربما هذه الفضائياتُ هي التي امْتَلَكَتْنِي
وَأَسَرَتْ آدميَّتي بصورها المتلاحقةِ)
لا أزالُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ “نونا”
والغوصِ في أنسجتها ببذلةِ الفضاءِ
بعد فشلِ الطَّبَقِ والدّيكودر
في التعامل مع إشاراتِها القريبةِ والقويّةِ
*      *      *
أحضرُ عادةً مسابقاتِ الجمالِ
للتأكُّدِ من أن الذي أبحثُ عنه ليس موجودًا
أحضرُ عروضَ الأزياءِ
للتأكُّد من أن العُرْيَ التامَّ لا يزالُ أفضلَ
أحضرُ جولاتِ المصارعةِ
للتأكّدِ من أنني الألَمُ الذي يفوق احتمالَ البشرِ
أحضرُ المناسباتِ العائليّةَ
للتأكد من أن هناك أيامًا
بطعمِ فصولِ السّنةِ الأربعةِ
أَحْضُرُ حَفْلاتِ توقيعِ نيرما كُتُبَها الجديدةَ
للتأكّدِ من أنني كتابُها القديمُ جدًّا!
*      *      *
الجلبابُ الأخيرُ،
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ “نتيجة الحائطِ”
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العاريةِ

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة