حالة تشرد – بقلم : عزيز سدري

أراء حرة ….
بقلم : عزيز سدري… امريكا ..
في زاوية من زوايا شارع ” محمد الخامس ” بمدينة الدار البيضاء التي اسودت دروبها بكثرة ذُنوب بعض مسؤوليها ، كُنت أرتشف قهوتي السوداء على تُؤْدةٍ، وعيناي تَرقبانِ سَكنات مُتشرِّد في الجانب الآخر من رصيف الوطن البارد بشمسه الجميلة ..
هُناك،  قرب باب حانة خمر باسمةٍ، كان المُتشرِّد يَفترش أكياس طَحين فارغة كأمعاءهِ، ومُمزقةٍ كثيابهِ الرثَّةِ.
كان المسكين يَستند حِذاءه السَمِل ويَغُطُّ في نوم عميق غير آبه بأقدام المارة، ولا بِتُرَّهَاتِهم الفارغة، ولا بحياتهم الطَّافحة بالآكاذيب، ولا بصيحاتهم المُجلجلة، أو حتى بِسكناتِهم على نُدْرَتها، بيد أن آُذناهُ الباطنية ترصد معاني الأحاديث وضجيج الصَيحات، و هدوء السكنات، وحتى دبيب النمل، وشهيق الصراصير  وزفيرها.
فالنوم بالنسبة للمتشردين أمثاله هو تجميد الساعات والدقائق والثواني في ثلاجة  الأزمنة البائسة، عِوضاً من تمديد فُصول الآلام والأوجاع، وتدويم أعوام المُعاناة والمُقاساةِ ..
يَنام المُتشرِّد نومة هانِئةً، خاليةً من شيطان الأرق، لأنه ركل عالم الماديات مُكرهاً بكلتا قَدميه، ومعهُما نَعْليهِ، ينام بلا مُسّكنات ولا مُهدئات أًعصاب.. كيف لا وهو لا يُفكر في سداد دين، أو دفع إجار أو شراء سيارة فخمة .. أو إطعام أطفال جياع بوجبةٍ دسمة.
يمر Tramway  من أمامي مرور الكرام ، فيقطع حبل أفكاري،  أغتنم الفرصة لأرتشف جُغمة آخرى من قهوتي السوداء بمرارة المشهد،  أرتشفها صامتاً صمت المقابر رغم الأصوات المّتنافرة من حولي.
وبعد مرور عربة الترام واي التي تُشبه ” دودة القز “، واصلت النظر إلى ذلك المُتشرِّد الذي استيقظ من سُباته فجأة على  وقع  نباح كلب مربوط بقيد صاحبه ..
تركت المقهى، واتجهت صوبه، اقتربتُ منه قليلاً وفي عيناي بريق دمعٍ، فطلب مني لفافة تبغ وكأنه كان يَنتظر قدومي، نسيت طلبه فسافرت عبر عينيه الجامدتين، الجاحدتين لأقرأ شيئاً ما من أحلامه وآماله وأمياله..
كُنت أخترق النظر إليه مسافات، وكان يَتخلَّلُ النظر إليَّ أميال، لم أكن أدري كيف كان يراني، بيد أنني كنت آرى روحيَّ مُتشرِّداً في مآقي عينيه الجَامِدَتيْنِ، الجِاحِدَتيْنِ

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة