الولادة الجديدة – بقلم :جورج سلوم

فن وثقافة …..
بقلم : جورج سلوم …
آه لو كنت أنا  غيرَ أنا .. أريد الآن اسماً غيرَ اسمي ..  و رسماً غير رسمي … أريد مهداً غير الذي وُلدت فيه ..وحليباً غير الذي رضعته .. أريد أباً غير الذي تزوّج أمي …وزوجاً غيرَ ابن عمي . أريد أن أولدَ من جديد ..وأبدأ بداية أخرى .. تعبتُ من معاندة الدهر ..ومكابدة القهر ..في زمن العُهر. لن تكفي أيامي الباقية ..ولو طالت ..إصلاحاً وترميماً وترقيعاً … بصمتي على الورق ..ذبذبات صوتي ..زمرتي الدموية ..خطوتي على الأرض ..قياس حذائي ..كلها وصمات عار عنيدة ..يتوجّب  محوها واستئصالها واستبدالها  ..وطبعات أخمصي على التراب تترك آثاري ورائحتي ومقدار ثقلي النوعي .
أريد تغيير زماني الذي أدرُجُ في أيامه .. لماذا لا تكون حياتنا كملفاتٍ حاسوبية ..أو مقالاتٍ إلكترونية ؟.. نعود إلها ..نعدّلها ..نحذف منها مالا نريد .. لماذا لايكون محيطنا من الناس كصداقاتِ الفيس بوك ؟..
نختارها ..نحظر من لا يطيب لنا رؤيته ..نحجب من لا نريد متابعته ومبايعته…وحتى عندما تغدرنا الصفحة ..نغادرها ..نحذفها عن بكرة أبيها .. لماذا لا نعيش في الزمن الافتراضي ؟..
مواقع التواصل الاجتماعي تتيح لك أن تحدّد صورتك كما تريد ..تغير جنسك وتاريخ ميلادك ..وتسمح لك بأن تكون أكثر من واحد ..تسمح لك أن تكون غير ما أنت عليه. لم يعد يطيب لي أن أظلَّ امرأة …قرأت عن الكثيرات ممّن بدّلن جنسهن ..أريد أن أتحوّل إلى رجل ..ولو لفترة محدودة .
أنا امرأة وأكره النساء جميعنّ ..وأولهنَّ جدتي حواء .. هي وتفاحتها سبب عذابي وشقائي  وضياعي..والله لو صبرتِ قليلاً يا حواء لاشتريتُ لكِ المزيد من التفاح !  أريد أن أتحوّل إلى رجل ..إلى فحل ..وأغتصب كل نساء الأرض ..بلا رحمة ولا شفقة ..لأنهن هكذا خلقن قوارير- فقط – للتعبئة والإفراغ ..للوطء..والحقن ..والطعن  والدكّ في كل ثقوبهنّ..بل والضرب على قفاهنّ شرعاً ..والطاعة لمن لا تمتثل لرغبة زوجها وإلا لعنتها الملائكة حتى الصباح. أحيانا أقول الحمد لله الذي خلقني امرأة لأنني لو كنت رجلاً سأكون مجبرة أن أحبّ امرأة !..ولا لن أحب امرأة مهما كانت ..ولو كانت فينوس الإلهة بكل جمالها وكل جلالها  الحيض الشهري يذلّني ..يدنّسني ..والكثيرات يطالبنَ بتمديده ..ياللعجب ! الحمل .آلام الولادة ..إرضاع الصغار والكبار  .. كلّها عقوبات مفروضة علينا ..وإن لم تحصل ..تركضن وراء الأنابيب والمشعوزين وو …لتحصلنَ عليها . يكذبون علينا بقولهم المرأة نصف المجتمع …وبما أن المجتمع ذكر ..فالنتيجة أن المرأة نصف الذكر !..نصف عقله ونصف دينه ونصف ميراثه..
والآن ..وباعتباري امرأة .. تجبرني مرآتي على تغيير لون شعري ولون عيوني ..وطول أنفي ..يجب أن تكون شفتيّ أكثر غلاظة ..وصدري أكثر تدويراً ..وخصري أنحف ..وردفي أكثر امتلاء ..وقدّي مياس ..ليتغنى به الناس .. و..ويجب أن أرقص بين يديه ..وأغسل وأدعك قدميه  ..وفي النهاية يضعون المرأة على السرير لكي تُباس..ومن ثمّ تُداس .. حضرت فيلماً خيالياً عن السفر عبر الزمن ..وقرأت عن الثقب الدودي حيث تُخترق المسافات والأزمنة والسنوات الضوئية .. ها أنا أمثل الآن في حضرة آلة الزمن …يكفي تحديد التاريخ ..والدخول إلى الصومعة الفولاذية …والضغط على زر التشغيل ..فتفقد الوعي وتولد من جديد ..حيث تريد . ماالزمن الذي سأختاره ؟..ماالتاريخ الذي سأحدّده ؟..سأعود إلى  الآلهة عشتار وفينوس ..وكليوباترا وزنوبيا وشجرة الدر .. مشتاقة والله لرؤية الأنثى التي تدوس الرجال ..ويخرّون على عتباتها صاغرين . لكني لا أعرف تاريخهنّ بالضبط .. كتبت على آلة الزمن أسماءهن ..لكن لا استجابة إذ  يتوجّب كتابة يوم وشهر وسنة ما …حاولتُ مراراً وفشلت . ضقت ذرعاً ..وضاق بي ..وعيل صبري ..لنرجع إلى زمن أهلي  وهو معروفٌ  ..علّني أصلح نفسي على الأقل… واستجابت الآلة ..ها أنا أعيش قبل مائة عام ..هذا أبي في ريعان الشباب تماماً كالصور العائلية التي أحتفظ بها بالأبيض والأسود.. وهذا جدي ووجوه القرية ..يسوقون بعضهم في الطريق لخطبة أمي ..
قلت لهم : -عودوا من حيث أتيتم ..فطريقكم مسدودٌ مسدود . قال جدّي :
-من أنتِ؟ ِ..سحنتكِ تشبهنا ..هل أنت ملاكٌ أو روحٌ من عائلتنا ؟..لماذا تعرقلين طريقنا وقد اتفقنا مع القوم  على إتمام هذا الزواج ؟
قلت :
-تلك المرأة التي تنوون خطبتها ..تزوّجت لرجل آخر ..وسافرت إلى وراء البحر .
قال أبي :
-لكني أحبها وسأسافر وراءها ولو أهلكتني الأمواج ..وأما الذي خطفها مني فالويل له ..
تركتهم يتشاورون ويعدّون العدة للثأر ..وذهبت إلى أمي ..كانت صبية رائعة تتزين بانتظار العريس ..قلت لها:-عريسكِ هرب منكِ يا امرأة … إلى وراء البحار .
قالت:
-لكني أحبه ..وسأتبعه ولو هلكت دون ذلك ..
استغرَبْتُ الحبّ القديم في الزمن الجميل ..وتابعتُ القصة حتى نهايتها ..تزوّجا ..وتوقفت آلة الزمن عن العمل ..وكان مطلوباً أن أعود إلى الواقع ..إذ يجب أن أولد من جديد  ..لكن وراء البحار هذه المرة  …وكلّني شوقٌ أن أعرف النتيجة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة