تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم ادوارد جرجس

آراء حرة …
بقلم :إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك ..
من أصعب الأسئلة التي تواجه أكبر العقول تفكيراً وليس أصحاب العقول العادية وهي الأغلبية ، كيف تُصلح الإنسان ؟؟!! ، من مقولات السيد المسيح له المجد التي يمكن أن تقف إلى جانب هذا السؤال : إذا فسد الملح فبماذا يملح ؟! ، كيف نُصلح الإنسان تعني أن الأنسان فسد ، لكن للأسف الإصلاح لا يمكن أن يتم بسهولة ، على سبيل المثال في بلدنا عندما نذهب إلى سمكري للسيارات  ، ينزل أسفل السيارة ويخرج وعلى وجهه علامات الأسف الشديد ونظرة عتاب قائلا : البارومة أكلت الحديد يا أستاذ وسرحت في كل العربية ، البارومة هي الصدأ الذي يأكل الحديد نتيجة لعدم العناية به وتركه للطين الذي يلتصق بأسفل السيارة والمحمل بالمياه والرطوبة ومع عدم تنظيفه تحدث أكسدة للحديد فيتآكل وهو ما يطلق عليه السمكري كلمة ” بارومة ” ، وما هو العلاج ؟! ، لا علاج سوى البتر . كلمات السمكري كأنها تشرح حال بلدنا ، حال مصر للأسف ، حال الإنسان المصري ، حال المجتمع ، نعم لقد سرحت البارومة فى المجتمع المصرى ، أكلت الأخلاق أولا، خربت فى الوجدان أجمل ما فيه ، وضعت الأنانية مقابل الإيثار، وضعت قصر النظر مكان السعة والرحابة والتسامح، وضعت الأموال مكان الضمير، وضعت العدو مكان الحبيب، وضعت الصراع مكان التآلف، وضعت الكراهية مكان الحب، وضعت الغيرة والحقد مكان الونس واللمة الحلوة، وضعت الجهامة مكان الابتسامة، سرحت فى الأخلاق فأتت عليها، ثم وضعت مكان المنظومة الأخلاقية منظومة أخرى هى منظومة الفساد، صار للفساد منظومة لا أخلاقية تستبيح المحرمات، وتستحب القاذورات، تبعد عن كل ما هو شريف، وتغرق فى كل ما هو وضيع. “البارومة سرحت خلاص” وعلاجها الوحيد هو البتر، بتر العناصر الفاسدة، بتر الأخلاقيات المنحطة، بتر الشخصيات العفنة، بتر القلوب الميتة، ثم والأهم من هذا كله، تفعيل جميع عناصر المراقبة والصيانة والفلترة الذاتية.. كم واحد فينا ذهب إلى مطعم أنيق فى أول أيام افتتاحه فأُعجب بالأكل والنظافة والتعامل المحترم، ثم بعد ذلك ذهب إلى ذات المطعم فوجد كل ما لا يسر، كم واحد فينا ذهب إلى مدينة جديدة فأُعجب بالنظافة والاتساع والتنظيم الجيد، ثم ذهب إلى ذات الموضع فوجد العشوائية هى المهيمنة وحدها، كم واحد منا رأى شابًا فى مقتبل العمر وهو يكد ويعمل بكل إخلاص ونشاط وإبداع، وحينما التقى به مرة أخرى فوجئ بأنه تحول إلى مسخ مثل المسوخ التى كان يسخر منها قديمًا . النتيجة واحدة، والعلاج أيضًا واحد، لكن البارومة هى التى تمنعنا من أن نرى الحقيقة واضحة . المرآة ترفض أن تظهر الشكل الحقيقي فتطمسه لأنه يحمل البشاعة ، بشاعة الشئ عندما يفقد أجمل ما فيه تماماً فيصبح كالملح الذي لا يملح فيلقى في المزبلة أو يحرق في التنور ” الفرن ” ، البتر هو العلاج الوحيد له ، عضو فاسد لانفع ولا رجاء منه . يتحدثون كثيراً ولا يفعلون أي شيء ، يتكلمون في السياسة ويطالبون بتفعيل الدستور ولا يفقهون كيف تسير الأمور أو ماذا يقول الدستور ، فقط لإثبات أن اللسان لا يزال موجودا ، لست أعلم مالذي حدث بعد زيارتي الأخيرة للوطن ، هل أنا تغيرت وفقدت ما شحنت به نفسي طوال هذا العمر الطويل ، أم أن الرؤية الحقيقية ثقبت نظري وتركتني أتلمس الطريق وأسأل الأشباح ماذا حدث ؟! .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة