أبو عرب يعود الى الحياة من بعد موت – بقلم : وليد رباح

الجالية العربية ….
بقلم / وليد رباح
هذه كلمة مستحيلة … اذ تفترض ما لا يمكن ان يقع … فلم يمت احدهم وعاد الينا للتحدث بما جرى له … لكنك عزيزي القارىء تحب ان تعرف المستحيل .. فلنتخيله معا لنرى …. فماذا لو اماتك الله لاسبوع ثم بعثك حيا:
انت تسمع وترى … ولكنك لا تستطيع ان تتكلم … ممد في النعش مثل سلة مهملات فارغة … هذا عند نفسك … اما عند الاخرين فأنت العزيز الودود الرحيم الذي فقدك الاهل والاصدقاء وكلهم حزين لموتك وغروب شمسك عن هذه الحياة … تلطم النساء خدودهن ويشققن الجيوب ويصرخن نائحات: آه يا جملي … كان ظلي… كان فاردا ذراعيه على بيتنا فيبعث فيه الدفء والحياة … في وقت (ابان حياتك) لم تكن ابنة الحلال الحزينة الملفعة بالسواد تلك الودود الرحيم …. بل كانت تزن عليك قبل ان تترك البيت ان تقذف في وجهك كل طلبات الصغار واحتياجاتهم … مصاريف … نقود …. ملابس … احذية …. طعام … فان قلبت لها جيوبك بانك لا تملك المال كانت العاصفة … وكان الصراخ والزعيق بحيث لا تغادر الى عملك الا وانت تحمل على كتفك اطنانا من (النكد) المصفى.

تفكر في داخل نعشك … هذا عبد الرحمن … لقد كان يصرف جل وقته وهو يحاورني كم من النقود يمكن ان ادفع له عند نهاية الشهر ثمنا لاغراضه التي نسحبها من الدكان … فان قلت له انني لا امتلك النقود هدد وتوعد ان لا يعطيني شيئا فيجوع الصغار … انه يبدو حزينا حتى الموت … ويعلم الله في ماذا يفكر …. وتلك ام سعد … لقد كانت تضرب صغاري بالحذاء عندما يتجرأ احدهم ليقول لها صباح الخير … فتفتعل مشكلة طويلة عريضة وتلم علينا الحارة … انها تبكي وتشقق جيوبها وتلطم خدودها … انها تبدو حزينة … هل هذا تمثيل ؟؟ يا الله … وذلك ابني الكبير … لقد كان عطوفا رحيما بي ولكنه لا يذرف دمعة واحدة … لقد سمعته قبل ثوان يسأل امه عن النقود والاموال التي تركتها … انه غبي … لقد كنت خاوي الوفاض لا امتلك شيئا … والصغير الذي يليه … انه يبدو حزينا … ولكنه يضحك لنكتة حكاها له صديق .. والجنازة لم تخرج من البيت بعد … هل هو حزين حقا؟؟ ام انه يتظاهر بالحزن؟ وفي الغرفة المجاورة … سمعت الاولاد يتقاتلون على من يستطيع اخذ السيارة العتيقة التي خلفتها .. هل هي من نصيب الكبير ام من نصيب احد الذين يلونه في السن .. انهم جملة من الاوغاد ما أن تسجيت في النعش حتى بدأ الصراع لتقسيم التركة … والتركة سيارة قديمة لا تساوي شيئا في عملة هذا الزمان.

يحملونني على اكتافهم … والكل يجري للتناوب في حملي .. ايظنون انني ميت .. سوف انبعث لهم من القبر فأرى لماذا صنعوا بي كل هذا العذاب ؟ وابنة الحلال قد تركتها في الاربعينات من العمر … فهل تختار شابا اكثر فتوة مني لتعلن في وقت لاحق انها وافقت على الزواج لكي تربي الصغار الذين كانوا من صلبي … انها تبدو حزينة فعلا …  انها تصرخ وتولول فهل تصرخ لانها كانت تحبني ام لانها لن تجد من (تنكد) عليه في الصباح عندما يذهب الى عمله .. الله اعلم.
انهم يضعونني في سيارة سوداء لم اركب مثلها في حياتي … وها انا احقق حلمي في ركوب سيارة جديدة بعد العمر الطويل الذي عشته طولا وعرضا في هذه الدنيا…
انهم يضعونني في الطابق الارضي من المسجد … وها هم يضعونني امام الشيخ الذي اخذ يتلو آيات من القرآن الكريم ويهدي المصلين الى وجوب الصلاة علي بأربع تكبيرات … يعطيهم التعليمات حتى لا يخطئوا … فالكثير من المصلين لا يعرفون صلاة الجنازة الا عندما يلقنها لهم الشيخ.

انهم يضعونني في ذات السيارة التي نقلتني من البيت … انها كالعروس يوم زفافها .. سوداء ولكنها جميلة …. تسير خلفي عشرات من السيارات وفي الطريق يعلم الله بماذا يتحدثون … حتما انهم يحكون عن الموت وكيف اخذني وهو في الطريق الى اخذ بعضهم … كلهم يتحسر على هذه الدنيا … واعتقد ان الحسرة لن تدوم الا دقائق عندما يوسدونني التراب ثم يعود كل الى بيته او عمله بعد وجبة الغداء عن روحي … ومن ثم ينسون كل شيء عن الموت… يعودون كما كانوا … يركضون في هذه الدنيا لجمع المال وينسون الموت الا عندما يموت احد من الناس فيتذكرون .
نصل الى المقبرة … يا الهي … انها بستان جميل فيه الزهور اكثر مما في بستان جارنا الغني … ترى هل يخرج الاموات في ليالي الصيف المقمرة لكي يتسامروا ويسهروا وينظرون الى العالم الذي حولهم بشيء من السخرية وشيء من الاستحفاف.
يوسدونني التراب … اشعر بالرفش وهو يضع التراب فوق جسدي المتعب … احاول النهوض … ولكني لا استطيع … فقد تسمرت قدماي الى الارض وثقلت حتى خلتها قد شلت … يتحدث الشيخ ببعض آيات ويؤمن الجميع … ثم ينسحبون واحدا اثر الاخر.
شعرت بالوحشة … احاول النهوض … ولكن ثقل التراب يمنعني من ذلك … لا اعرف كم من الوقت امضيت وهذا التراب يثقل كاهلي … واخيرا اعطاني الله القوة اللازمة لكي اخترق كل شيء واصعد الى فوهة القبرة.
الدنيا ظلام .. انهم يلبسونني ثوبا ابيض اللون … اذا ما سرت في الطريق فإنهم سيظنون انني مجنون هربت من المستشفى … ما لنا … لقد نفضت الغبار عن نفسي وتجوهت الى سور المقبرة … ثم الى البوابة … وهناك اشرت لاول تاكسي لكي يأخذني الى بيتي … لم يستغرب السائق ما البس فقد قلت له انني كنت في حفلة تنكرية … وانني في طريقي الى البيت .. وضحك السائق وقال لي: اعرف هذا … فالكثير من الموتى مثلك يأتون الي ويقولون نفس الكلام …. فأوصلهم الى بيوتهم … تفضل يا سيدي .. هذا هو العنوان الذي اشرت علي به.
انزل باب البيت .. اطرق الباب … يخرج ابني الكبير … وما ان يراني على حالي حتى يغمى عليه …. تتبعه زوجتي التي اخذت تصرخ من الرعب … يفيق الصغار من النوم وكلهم اخذ يصيح والرعب على وجهه …. وقد ميزت صوت اصغرهم وهو يقول: انه شبح ابي .. انه ابي يا جماعة …. صدقوني ..
جلست فهدأوا قليلا … وجدت ان التركة قد وزعت … وان الاولاد قد ادموا وجوه بعضهم عليها … الكبير اخذ الكنبة الكبيرة التي كنت انام عليها وخصها لنفسه … الصغير استولى على ملابسي اذ انني مسلوت الجسد ويمكن ان يستخدم ملابسي بسهولة … المرأة ذهبت الى الولفير في ذلك اليوم وهي حتما لا تصرخ من الرعب بل انها تصرخ لان الولفير سوف يضيع عليها عندما يعلمون انني عدت للحياة …. الدنيا تغيرت في اسبوع واحد … يا الله …. اشعر كأنني نمت ثلاثمائة سنين وازددت تسعا.
اعود الى حالتي من الوساوس .. .هذا حال لا يمكن السكوت عليه … اعتقد ان عودتي الى القبر افضل من كل ذلك … وقبل ان اعود مررت على بيوت اصدقائي … كانو يسهرون وهم (ينتفون ريشي) اخلص اصدقائي قال لهم: لقد كان فاسقا … صدقوني … الاخر قال : لقد كان مفلسا … الثالث: حمد لله اننا تخلصنا منه … الرابع: هذه سنة الحياة يا جماعة … هم السابقون ونحن اللاحقون…وفي غضون كل ذلك … انسللت الى اول تكسي يمكن ان يوصلني الى المقبرة فوجدت نفس السائق بانتظاري … قال لي: اعرف انك ستعود .. فبطن الارض في هذه الايام خير من ظهرها … تفضل اركب … سأعود بك الى المقبرة.
ذهبت الى المقبرة .. اوصلني السائق ثم غاب عن ناظري كأنه طيف تمزق اربا .. فلم اعثر له على اثر .. تململت في فراشي كأني ذاهب الى حفلة عرس .. صرخت ثم صرخت .. فتحت عيناي فاذا بامرأتي تقول لي .. يا رجل .. بماذا تهذي .. لقد ظننا انك مريض تعاني من الم ما .. قلت لها .. هل انا حي يا امرأة .. قالت .. وهل كنت تظن انك ميت .. قلت .. حتما لقد كنت احلم .. قالت .. ليت الحلم ينقلب الى حقيقة ..ن
وفي الصباح ذهبت الى عملي وانا اكرر ما قلته فيما سبق .. هذه الدنيا كطيف يمر مر السحاب ..وعندما عدت من عملي بعد الظهيرة .. رأيت الصغير من ابنائي يقول لي .. متى تموت يا ابي .. قلت له : الله اعلم .. نحن في هذه الدنيا سحابة .. فاما ان نمطر واما ان يحل القحط على بيتنا .. قال .. تأكد يا ابي ان الاخرة خير من الدنيا في هذه الحياة .. قم يا ابي لنصلي وندعو الله انن نكون على صلة به سبحانه .. وهكذا كان ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة