المطاردون – قصة : رشاد ابو شاور

القصة …..
قصة قصيرة: رشاد أوشاور – يالاردن …
حططت على صخرة في قمة جبل أجرد تطل على فراغ أرضه متجهمة قاحلة مربدة تبعث على الانقباض.
هيئ لي أنني جئت من بعيد بعيد، وأن هناك من يطاردني منذ زمن بعيد، وأنني آخر من بقي، أو أنني تهت عن قومي بعد مطاردة وحشية فرّقت بيننا جميعا واجتاحت حياتنا بغتة ودون توقع منا.
لهاثي عال سريع متوتر، وصدري يوشك أن ينفجر..أمن خوف، أم من شدّة التعب؟!
قلت لنفسي: لا بد من مغادرة هذا المكان الموحش الذي يقبض النفس، فبدأت في تحريك جناحي ببطء، وإذ هممت أن أحلق رأيت عدة سيارات تندفع مثيرة غبارا ينطلق في الفضاء عاليا.
تقافز عدد من الأشخاص وسددوا ما في أيديهم من أسلحة صوب حافة الجبل حيث كنت أحط على الصخرة المشرفة _ كان من حسن حظي أن اخترت هذه الصخرة المرتفعة التي مكنتني من رؤية مطاردي بكل وضوح، فأقلعت واختفيت وراء الجبل، ثم اندفعت في الفضاء، ولما أرسلت نظري من علو شاهق رأيت سيارتهم صغيرة صغيرة..ولم أرهم في جوفها، أو حولها، رغم أنها مكشوفة، واندفعت مبتعدا في فضاء لا يحد، ولكن صوت رصاص كثيف ظل يلاحقني.
أكنت وحدي طيلة الوقت؟ ألم يكن لي أحد يوما؟ أأنا آخر جماعتي؟
استيقظت مفزوعا وفمي جاف، وحملقت حولي فرأيت امرأة تنام قربي في السرير فلمستها لأتأكد أنها امرأة، وأنها تخصني، وتلمست بدني فوجدت أنني بدون جناحين..فارتحت. نهضت وتأملت وجهي في المرآة التي تجلس أمامها المرأة يوميا وهي تمشط شعرها وتجمّل وجهها.
جلست على الشرفة وحدقت في الفراغ، وحمدت الله أنني لم أتحول إلى طائر مطارد من صيادين منهمكين في مطاردتي.
أضواء كثيرة تتوهج مبددة الظلام، ولكن بحر العتمة الثقيل ينيخ على الجبال البعيدة المحيطة بالمدينة.
هل مات الناس جميعهم؟!
وهل المرأة التي في الداخل ستستيقظ وتعد لي فنجان قهوة كما كانت تفعل في زمن مضى؟
وأين ..أين..أين ماذا؟!
لا أدري
شممت رائحة قهوة تهب من المطبخ، وشعرت باقتراب المرأة مني. سمعت صوتها يسبقها:
– أحلمت نفس الحلم؟
وضعت صينية القهوة وعليها فنجانان وغلاية وجهها مغطى برغوة سوداء بفقاقيع.
قالت  بحزن جملة أظنني سمعتها كثيرا في السنوات الأخيرة:
– ها نحن وحدنا…
صبت في الفنجانين، ومدت لي فنجانا فتناولته وتأملته:
سألت:
هل سنرحل من هنا؟
لم أجب على سؤالها:
-أعرف أنك مللت الرحيل، ولكن لا بد أن نغادر إلى مكان أفضل…
عادت وسألت:
-لماذا لا نهاجر، كما يفعل غيرنا من الناس؟
رشفت من فنجانها وأشاحت عن وجهي فتأملت شعرها الشائب  وتذكرت شعرها حين كان شديد السواد، وكم كنت أحبه وأمرره على فمي وأغمر فيه وجهي.
– لن يتركونا في حالنا. إنهم يغلقون حولنا كل السبل، كأنهم مكلفون بتدمير حياتنا..بخنقنا. كأن هذا دورهم، وظيفتهم، مهمتهم، شغلتهم..وكأننا نثقل عليهم!
أشارت لفنجاني:
– اشرب قبل أن تبرد قهوتك.
رفعت الفنجان وتنفست رائحته والتقت نظرتانا  فحولت نظرتي وأغمضت عيني وأعدت الفنجان إلى الصينية.
نهضت وغابت في داخل الشقة ثم عادت بصورة مبروزة  مدتها فالتقطتها ورفعتها تحت نظري.
انحنت ومررت إصبعها الشاهد:
-أترى ما أحلى زهرة ..وخالد ..يا الله ما أوسمه..و..هاني..الله عليك يا هاني. لماذا فعلوا بهم ما فعلوه؟
سقطت على المقعد ووارت وجهها بين راحتيها، فمددت يدي ومررتها على ظهرها.
-هذا المكان ليس لنا. ليس صديقا. إنه سجن..و..حلمك يفسر نواياهم تجاهنا.
نهضت فشعرت بوجع في ظهري، ولكنني تحاملت على نفسي وخطوت ببطء ولكن بثقة بأنني قادر على المشي والخروج  إلى الشارع.
ارتدت ملابسها ..وخرجنا معا، وأغلقنا الباب خلفنا، وهبطنا إلى الشارع ثم مضينا متساندين:
-من أجلهم لا يجب أن نبقى في هذا الحال..فلنغادر.
ضغطت على يدي كأنها تشجعني..أو تأتنس بأني بجوارها:
– كنت أعرف أنك عنيد وأنك لن ترضى باستمرار هذا الوضع..أبدا.
أترى: هناك ناس كثيرون يخرجون  ويمشون متساندين، وها هم يستعيدون لياقتهم ويتجهون غربا. قلت في نفسي: آن للطيور أن تعود إلى…
ومضينا صامتين متساندين. كنا كثيرين..وكان الفجر الشاحب ينشق من ليل ثقيل الظلمة.
تساءلت: أهو فجر كاذب هذا؟ أتراني ما زلت أحلم؟ من يدري؟!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة