ضريبة الغربة – بقلم : عزيز سدري

فن وثقافة ….
بقلم : عزيز سدري – الولايات المتحده الامريكية
يَبدو أنني في زمنٍ غير بعيد كُنت كائناً حَالماً ، هائماً ، تائهاً كالدخان أَو كرماد تذروه الرياح في سماء لا سَقف لها من الأحلام ، بل خلقت عوالم خادعة لِنفسي تجاوزت بكثير تِلك العوالم التي إفترعها أفلاطون في جمهوريته الفاضلة ، أو رُبما تجاوزت بوابة Thomas more وبَنيّت لنفسي قصراً طوباوياً في مجتمع مِثالي أَقرب شَبهاً إلى Utopia ..
ففكرت في الهجرة كما تفعل اللقالق.. نحو الفردوس المفقودة..!! و وجته بوصلتي صوب الشمال.. كنت مَلهوفاً آنذاك ، مُتعطشاً كعاشق مجنون ينتظر وصال حبيبته.. أو ككافر فارٍ من نار الجحيم نحو سراب جنة إصطناعية .. !!
بعد مسيرة أكاديمية حافلة بجامعة الحسن الثاني للآداب و العلوم الإنسانية بمدينة الزهور حيث يتوارى العلم خلف أسوار معامل تكرير البترول..!! قضيت عمراً كافٍ لصوم عقرب أسود سام لمدة 3 سنوات ، حصلت من خلالها على الإجازة في الدراسات الإنجليزية تخصص و سائل الإعلام و الإتصالات و كان بحثي الجامعي في “المدونات ” أو blogging .
في تلك الفترة كنت مُصاباً ” بدودة القراءة ” كنت أقرأ كل كتاب يقع في يدي حتى إكتفيت .. سنوات حافلة بالمغامرات و الأحداث و صالح الذكريات و طالحها عاشرت من خلالها كل فتاة راقت لي بل و جربت فيها كل أنواع المخدرات و كانت كتب الفلسفة أفضل مخدر لي و أقربها إلي من حبل الوريد.. لم أكن أدرس من أجل إكتساب الوعي ، كنت أقرأ فقط لأغيب عن الوعي..!! هذا الوعي الزائف كان يُلوح لي بإيمان بحاضر فاضل و مستقبل أفضل على ركح الوطن.. و إلا فلن أتخلف عن إِداءِ (( واجبي المقدَّس )) في الهروب إلى الضفة الأخرى.. لأتنفس نسمة الحياة.. صار ركوب اربع حافلات باليوم اشبه بصلاة شيطانية بلا وضوء ، حيث الإثارة في الخطابات و الإثم في العري و التعدي فوق الكراسي و خرق القواعد.. التوتر و التمرد و المخالفة و المشاغبة تطبع حافلات البرنوصي و الهدم و الدهشة حاضرةً بطرق 17 ، لعبة سير الحافلات كانت اشبه بلعبة الموت حيث لا نوافد للإغاثة..
الهجرة وحدها كانت هي منفذ إغاثتي..!!
لذا قررت الرحيل بعيداً ..بعيداً هنالك حيث الأمل سيمحق الألم .. !! ، سأترك الشمس تتوارى خلفي لأعانق الصقيع و أشتم أوراق ” شجرة القيقب “، ودعت عائلتي ذاك المساء قبل أن تميل الشمس نحو المغيب … فغابت الإبتسامة عن أمي الحنونة و أبي الذي ذرف دمعته الأولى لفراق كبده.. و يا لهول تلك اللحظة ، خيل إلى حينها أن جبل أُحد يتهاوى علي.. و لم استطع رفع بصري لمعانقة إخوتي في لحظة وداع سُريالية رهيبة .. و ودعت أصدقائي بإنكسار شديد و بكاء صامت لا يُسمع رنينه..
تركت الوطن خلفي و في القلب غصة ألم و تركت حُباً لن ينمحي قد غرست ثماره منذ الثانوي يختمر في عضلتي اليسرى و يتربع على عرش فؤادي ، و أنا أحمل حقائبي ولسان حالي يُردد جملةً واحدة لرسول الله حينما غادر مكة حيث قال: … (( ما أطيبك من بلد و أحبك إلي.. ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك.. ))
بيد أن للغربة ضريبة باهضة الثمن..!!
ضريبتها هي ان تمر عليك الأعياد و المسرات و الأفراح و الأتراح كل سنة بلا وطن ولا أحبة.. و يطير العـُمر بين روح تحن إلى الوطن و يجسد يتهواى بين دروب و عوالم لن تألفها نفسك ولو أعجبتك فهي خداع و سراب يتراءى للعطشى ماءً … و الواقع كفيلٌ للإجابة عن كلِّ الترهّات.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة