مختبر بروكهافن الوطني الامريكي: – تقرير بقلم : حاتم الجسمي – نيويورك

دراسات ….
تحرير – حاتم الجسمي – نيويورك
* 70 عاما من البحث العلمي و7 جوائز نوبل.
* 600 مليون دولار ميزانية و 3000 باحث.
* 4000 باحث زائر سنويا.
* هنا يوجد مصادم الايونات الثقيلة الوحيد من نوعه في الولايات المتحدة.
* مليار دولار لانشاء أحدث مصدر للضوء السينكروتروني في العالم.
* هنا يوجد أحدث مركز لدراسة تكنولوجيا النانو المتطورة.
* الدكتور نسيم عبد الرحمن خريج الازهر الذي اصبح باحثا لدى المختبر.
* لماذا لا توجد مختبرات علمية مثل بروكهافن في بلادنا العربية؟
يعتبر مختبر بروكهافن الوطني الامريكي في ولاية نيويورك, واحدا من اعرق المختبرات الوطنية الامريكية التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية التي يبلغ عددها 17 مختبرا بطول البلاد وعرضها. أنشأ المختبر في العام 1947 على ارض معسكر قديم للجيش الامريكي, وتبلغ مساحته 21 الف كيلو متر مربع او ما يعادل 5300 فدان في منطقة محفوفة بأشجار الغابات في لونج آيلند في نيويورك ويرتبط المختبر بخط سكة حديد خاص به يتم تشغيله عند الضرورة.
تبلغ ميزانية المختبر 600 مليون دولار سنويا تاتي من وزاره الطاقة و يعمل لدى المختبر 3000 باحث  في مختلف المجالات العلمية بالاضافة الى 4000 باحث وافد من مختلف دول العالم لإجراء ابحاثهم وتجاربهم داخل أروقة هذا الصرح العلمي العملاق.
زيارة المختبر:
كنت ضمن الوفد الاعلامي الذي نظمه مركز الاعلام الاجنبي التابع لوزارة الخارجية الامريكية لزيارة المختبر في 25 اكتوبرالجارى. كان عدد الوفد لا يتجاوز 15 صحفيا من مختلف دول العالم اغلبهم من أوروبا وآسيا.
كان في استقبالنا عند وصولنا الى المختبر السيدة/ كارن والش المختصة بالشؤون الاعلامية لدى المختبر و 4 من معانيها حيث إستقبلونا بترحاب وحفاوة ورافقونا طوال الزيارة التي استمرت يوما كاملا.
كان اول من التقيناه هو السيد/ روبرت تريبل نائب مدير المختبر للعلوم والتكنولوجيا حيث قدم لنا شرحا وافيا لتاريخ المختبر واسهاماته في مختلف المجالات و ميزانيته و آلية العمل فيه.
الجدير بالذكر ان السيد/ روبرت تريبل هو عالم متخصص في مجال الفيزياء التجريبية وله ابحاث رائدة في مجال الفيزياء الفلكية و النووية ويرجع اليه الفضل على نطاق واسع في تطوير تقنيات جديدة ادت الى تقدم هذا المجال.
أهمية المختبرات الوطنية بالولايات المتحدة:
اكد السيد/ تريبل على اهمية المختبرات الوطنية في خدمة البحث العلمى و العلوم المستقبلية بما تمتلك من أدوات وأجهزة بحث علمى لا تتوفر لعدد كبير من الجامعات بسبب تكاليفها الباهظة وكلفة العناية بها وكيف أن المختر يتعاون مع عدد كبير من الجامعات ومراكز البحث العلمى داخل الولايات المتحدة وخارجها للتعاون في المجالات البحثية العلمية المختلفة بما فيهم وكالة الفضاء الامريكية ناسا التي تتعاون مع علماء المختبر الآن لمعرفة تاثير الإشعاعات الكونيه على البشر لمدة طويلة استعدادا لغزو الفضاء و إرسال مهمة مأهولة بالبشر الى كوكب المريخ.
المصادم الآيوني الوحيد في الولايات المتحدة:
من اهم الاجهزة العلمية لدى المختبر هو المصادم الآيوني أو مصادم الأيونات النسبية الثقيلة الذي يعتبر الوحيد من نوعه في الولايات المتحدة و ليس له مثيل سوى مصادم هادرون الموجود بالقرب من جنيف تحت الارض على الحدود الفرنسية السويسرية و الذي يعتبر اضخم ماكينة صنعها الانسان على سطح الارض واستغرق بناؤه 10 سنوات بتمويل واشراف المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية.
ويستخدم المصادم الآيوني فريق دولي من الباحثين، وهو مصادم الجسيمات الوحيد في الولايات المتحدة باستخدام الأيونات النسبية الثقيلة لتصطدم أيونات تسير بسرعات نسبية أو بطريقة مبسطة, يقوم العلماء بإستخدام هذا الجهاز العملاق لإحداث صدام بين شعاعين من الضوء يؤدي إلى انفجار يمكن الفيزيائيون من دراسة الشكل البدائي للمادة في محاولة لمعرفة أصل وكيفية نشأة الكون.
احدث مصدر للضوء السينكروتروني في العالم:
بجانب المصادم الايوني الفريد من نوعه لدى مختبر بروكهافن الوطني الامريكي, يفخر العاملين لدى المختبر بان لديهم احدث مصدر للضوء السينكروتروني في العالم, وهو مركز للانتاج الشعاع الضوئي الأكثر بريقا في العالم. استغرق بناء مركز مصدر الضوء هذا 5 سنوات بميزانية تقترب من مليار دولار وبدء العمل فيه في 2015.
يساعد مصدر الضوء هذا العلماء على القيام بتطبيقات علمية واسعة لتطوير عقارات علاجية افضل و بناء رقائق كمبيوتر اكثر تطورا و تحليل اكثر دقة لجزيئات أجسامنا وفهما اكثر لطبيعة عملها. تبلغ مساحة مركز مصدر الضوء السينكروتوني هذا نصف ميل او أكثر بقليل من ثلاثه ارباع الكيلومتر ويستخدم الباحثين العاملين هنا الدراجات ذات الثلاث عجلات للتحرك بين أرجاء المركز.
• التقيت بالعالم الالماني يورجن ثيم في مركز مصدر الضوء و هو عالم متخصص في مجال جودة أطياف الاشعة السينيه وهو مسؤول عن تطوير وادارة برامج البحث العلمي لدى المركز.
دار حوار ممتع بيني و بين الدكتور ثيم عن امكانية ارسال مركبة مأهولة بالبشر الى كوكب المريخ حيث اكد ان هذا الأمر سوف يستغرق على الاقل عشرون عاما من الان الا اذا سألت إيلون ماسك من شركة سبيس إكس فربما قال لك في خلال عامين.
مركز المواد النانوية الوظيفية:
علم النانو هو العلم الذي يدرس الاشياء فائقة الدقة او صغيرة جدا في الحجم لدرجة ان المجاهر العادية لا يمكنها أن ترصد تلك الاشياء فائقة الصغر و التي تحتاج الى مجاهر عملاقة وأكثر تطورا لدراستها.
مركز ابحاث تكنولوجيا النانو هو مركز قائم بذاته داخل مختبر بروكهافن الوطني الأمريكي. كان في استقبالنا عند زيارة المركز الدكتور/ آرون ستاين الذي تتركز ابحاثه حول تصنيع تركيبات النانو الصعبة. قدم لنا الدكتور/ ستاين شرحا وافيا لعدد من المجاهر الكبيرة و المتطورة التي تستخدم في دراسة المواد النانوية واهمية هذا العلم في الصناعات المستقبلية الدقيقة.
باحث مصري خريج جامعة الازهر الذي المختبر:
سألت السيدة / كارن والش التي رافقتنا اثناء زیارة المختبر ان کان هناك أحد من مصر ضمن الباحثين هنا فقالت نعم لدينا باحث مصري شاب, (29 عاما) يعمل باحثا في وحدة المصادم الآیونی وقد أعلمناه بوجود مصري ضمن الوفد الاعلامی الزائر وسوف يكون بانتظارك عندما تصلوا الى مبنى المصادم.
وبالفعل عند وصولنا إلى المبنى استطعت التعرف على الدكتور نسيم عبدالرحمن حتى قبل ان يعرف نفسه، زى ما یکون الدم المصري بيحن لبعضه.
• الدکتور نسيم خریج جامعة الأزهر في مصر وهو من قرية دخميس التابعة لمركز المحلة بمحافظة الغربية وأنهى دراسة الدكتوراه في جامعة ستونی بروك العريقة في شهر اكتوبر  . تخرج الدكتور نسيم في كليه العلوم جامعة الازهر بالقاهرة في العام 2010 وحصل على الدكتوراه في جامعة ستوني بروك في نيويورك في اكتوبر الجارى 2018, وهو حاليا باحث زائر لدى مختبر بروكهافن الوطنى الأمريكي.
ويهتم الدكتور نسيم عبدالرحمن في أبحاثه بالفيزياء النووية التجريبية والظاهرية عالية الطاقة و الارتباطات طويلة وقصيرة المدى في تصادمات الأيونات الثقيلة وفصل الشحن المصاحب للتأثير المغناطيسي المائل في أيون ثقيل.
بعض اسهامات المختبر العلمية والتي يتم تطبيقها في حياتنا اليومية:
من داخل جدران هذا المختبر العملاق حصل 7 علماء قاموا باجراء ابحاثهم هنا على  جوائز نوبل لما قدمته  ابحاثهم من اسهامات في مجال البحث العلمي استفادت منها البشرية جمعاء.
منها على سبيل المثال وليس الحصر:
1) داخل جدران هذا المختبر تم تطوير تكنولوجيا متتبع التكنيتيوم m 99 وهي التقنية المسؤولة عن 80% من اجراءات التصوير الطبي النووي التي يتم تنفيذها في العالم و إحتفل المختبر بمرور 60 عاما على هذا الانجاز في شهر اكتوبر الماضي, تلك التكنولوجيا التي مكنت العلماء و الاطباء من النظر داخل قلب المريض و مشاهدة تدفق الدم و البحث عن امراض القلب و الحالات التي تهدد صحة المريض يستفيد من هذه التقنية أكثر من 40 مليون مريض سنويا واستطاع الأطباء حوال العالم إنقاذ أرواح كثير من البشر بسبب استخدامها.
2) قام المختبر بتوليف الانسولين البشري لعلاج مرض السكري.
3) تطوير تقنية L – dopa معيار الذهب لعلاج مرض باركنسون.
4) تم تطوير طلاء مانع لتآكل المعادن باستخدام الخصائص التي تم الكشف عنها حديثا للجسيمات النانوية.
باحثين صغار السن:
الشيء الذي إسترعى انتباهي اثناء زيارتي للمختبر أن عدد كبير جدا – إن لم يكن غالبية الباحثين – هم في نهاية العشرينات أو اوائل الثلاثينات من العمر و ان عدد كبير منهم يحمل شهادة الدكتوراة في تخصصه رغم صغر السن, وأن عدد كبير منهم وافدين من مختلف دول العالم وبأعداد اكبر من دول آسيوية وأوروبية, كما أن كل شيء يسير بهدوء ويسر وانسجام تام.
جزيرة صغيرة و عالمة كبيرة:
التقيت في مركز مصدر الضوء السينكروتروني بالدكتوره تيفاني فيكتور التي جاءت من الجزيرة الصغيرة سانت فينسنت احدى جزر البحر الكاريبي و هي دولة مستقلة لا يتعدى عدد سكانها 100 ألف نسمة و مساحتها 345 كيلو متر مربع.
الدكتورة تيفانى فيكتور حصلت على جائزة تشاسمان لعام 2017 وهي جائزة يمنحها مختبر بروكهافن الوطني للسيدات المتميزات في مجال البحث العلمي سنويا.
تدور ابحاث الدكتورة تيفاني حول فهم توزيع المغذيات في التربة و التفاعلات بين النباتات والفطريات المفيدة باستخدام التصوير بالاشعة تحت الحمراء وتتركز ابحاثها حول كيفية تعزيز العلاقات التكافلية بين النباتات و الميكروبات وامكانية زراعة محاصيل الطاقة الحيوية على الاراضي الفقيرة في مصادر التغذية للنباتات.
مختبرات البحث العلمي و الدول العربية:
هل توجد مختبرات للبحث العلمي مثل مختبر بروكهافن الوطني الامريكي في الدول العربية؟ اذا كانت الاجابه بلا, فلماذا؟ هل هو نقص امكانيات – مع العلم ان هناك دول عربية لديها امكانيات كبيرة لإنشاء مثل هذا المختبر – ام ان ذلك يرجع لعدم وجود كوادر علمية مدربة قادرة على إدارة مثل هذه المختبرات؟
حملت سؤالي هذا الي الباحث و المخترع المصري علاء الدين سيد رئيس مهندسي وحدة تقنية الاستشعار عن بعد لدى شركة رايثيون الامريكية العملاقة في صناعة منظومات الدفاع الصاروخي و المقيم في كاليفورنيا في الولايات المتحده فكان رده:
“الإجابة فيها جزء ثقافي وعقائدي:
1) رجل الدولة أو السياسي العادي لا يجد أي فائدة من مثل هذه المختبر فهو لا ينتج شيء يؤكل ولا مركبة تركب ولا ملبس يلبس. ورجل الشارع لا يجد له فائدة لأنه يريد أن يوفر غذاء يومه قبل غذاء الأسبوع القادم.
2) مثل تلك المختبرات تحتاج لبنية تحتية من العلماء والفنيين والإداريين ليست لدينا ولن تكون لعقود طويلة قادمة وربما قرون. ليس لأننا محرومون منهم ولكن لأننا لم ولا وربما لن نربي مثل تلك الكوادر.
3) مثل تلك المختبرات تبدأ وتنمو على تحريم توظيف الإله في أي بحث يقومون به. ليس لأنهم كفرة ولكن لأن الله إما هو موجود بالفعل وبالتالي ننسب كل شيء لإرادته ونستريح ولا داعي للأبحاث أو هو غير موجود ونريد معرفة كيف خلق الكون. تلك الفرضيتين كافيتان لعدم إنشاء مثل تلك المعامل.
4) تشغيل مثل تلك المعامل يحتاج كوادر ذات ثقافة تنظيمية وسلوكية عالية الانضباط وهي لا توجد في ثقافتنا ونحن نعتبر مصدر خطر غير مسئول مع تلك التقنيات. وهذا مع شديد الأسف.
5)  أبحاث تلك المختبرات تأخذ ما بين عشر إلى ثلاثين عاماً حتى تنتج لنا منتجاً ملموساً. وهي غالباً تعتمد على تمويل طويل المدى وأغلبه منح وتبرعات وتمويل دولة لأنها أغلب الوقت ليست استثمارات ولا تخضع للربح والخسارة هي مراكز تكليف وليست مراكز ربح.
دولة مثل الامارات أو السعودية تستطيعان أن تنشئا معامل مماثلة وتمولها للبشرية ولكنها لابد أن تستعد لتشغيلها بعلماء وفنيين من جميع أنحاء العالم وتستطيعا أن تفرضا بلدهم في حقوق الملكية لكل تلك الأبحاث وهذا في حد ذاته له ثمن استراتيجي وتاريخي خطير …. ولكن ….”
الى هنا تنتهي اجابة المهندس و الباحث المصري علاء الدين سيد عن اسباب عدم وجود مختبرات مثل مختبر بروكهافن الوطني في المنطقة العربية.
كانت زيارتي للمختبر لاتخلو من الإثارة والمتعة وسعدت خلالها بلقاء عدد كبير من كبار علماء البحث العلمى الذين ساهموا بأبحاثهم فى خدمة البشرية جمعاء.
حاتم الجمسي,
نيويورك

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة