سينما “نظيفة” بثيمات ابداعية متنوعة وغريبة: – بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة ….
بقلم : مهند النابلسي – الاردن .:..
“أكشن ومعارك وخيال علمي ومصير ساموراي وحيوانات أليفة وكوميديا سوداء”:
آخر عروض السينما اليابانية اللافتة “الغير تجارية” وذات المستوى الفني والمجاز المعبر…
شاهدت أربعة أفلام يابانية مسلية تتعلق قصصها برحلة عبر الزمن وتقصي بوليسي-صحفي شيق لأسباب احتراق قلعة قديمة غامضة في القرن السادس عشر، ولمصير “جرة شاي خزفية” أثرية قديمة، كما تبحث هذه الأفلام المنتقاة في التصرفات الطفولية البريئة لطفلة صغيرة طريفة، جامعة ما بين نمط الحياة التقليدي والنمط العصري، ثم ننتقل لمعارك دموية تاريخية طاحنة، تستعرض بطولات قادة الساموراي في بدايات القرن السادس عشر، جامعة ما بين الجدية والرصانة والانضباط العسكري مع التهريج الراقص الجذاب، وأخيرا فاننا نشاهد فيلما غريبا يستعرض خفايا الشعور والتعاطف الانساني لساموراي شجاع محبط (فقد وظيفته)! ونشاهد تعامله الحضاري مع قط أليف أبيض، كما نشاهد قصة استبداله مع كلب جميل…وبالاضافة لروعة وطرافة ومهارة وتماسك السيناريو والتمثيل والاخراج، نجد ان هذه الأفلام لا تحتوي على “المشاهد الغرامية الفاضحة” التي تعودنا على مشاهدتها بمعظم أسابيع الأفلام الاخرى التي تعرضها الهيئة الملكية للأفلام بالتعاون مع سفارات الدول المعنية.
الفيلم الأول بعنوان “قناص السبق الصحفي” (2013) يستخدم ثيمة “السفر عبر الفضاء” لارسال موظفين وتوثيق أحداث تاريخية، حيث يسافر “بوينشي” للقرن السادس عشر، راصدا الأحداث التي تمت في قلعة “أزوشي”، التي بناها “اودا نويوناغا” والتي احترقت بعد ستة أعوام في ظروف غامضة، كما يستخدم المخرج تقنيات الخيال العلمي في القرن السادس عشر، مثل اطلاق الصحفي لحشرات “روبوتية” لكشف تفاصيل مجريات الأحداث، ومثل تقنيات “التنويم المغناطيسي التخاطري” لتجميد حركات المقاتلين الجامحة والنجاة من مطاردتهم، كما يستعرض أجواء الحرب العالمية الثانية والقصف الأمريكي لليابان، ونلاحظ ضمن السياق وجود شبهة جنائية يرتكبها شخص عصري غامض سافر عبر الزمن ولم يعد!
أما الشريط الثاني فهو بعنوان “الطاولة المستديرة”(2014)، ومأخوذ من فكرة جلوس ثمانية أشخاص حول الطاولة لتناول الطعام، وهو كوميديا طريفة نتابع فيها قصة الطفلة “كوكو” التي تنتمي الى عائلة كبيرة وعاطفية متماسكة، حيث تعاني من العزلة وتعيش مع سبعة أشخاص في مدينة “اوساكا”، وهنا يتم التركيز على القيم العائلية في العائلة الممتدة، ودورها الوظيفي في الاحترام المتبادل وتعزيز محبة الأطفال وتنمية شخصيتهمالاستقلالية وخيالهم الطفولي الخصب والعلاقة الحميمة ما بين الجد والأبوين والطفلة الصغيرة، كذلك يتطرق للرفق بالحيوانات، حيث نلاحظ اهتماما وتعايشا ظريفا مع الطبيعة الساحرة وثلاثة ارانب بيضاء  ظريفة يتم التعامل معها كحيوانات اليفة…
الفيلم الثالث اسمه “القلعة العائمة”(2013)، وهو شريط طويل تاريخي متقن طويل يقارب الساعتين ونصف من اخراج “ايشين اينودو وشينجي هيغوتشي”، وقد حاز على جائزة “كيدو” لكتابة النصوص، يتحدث الفيلم عن نهايات الحرب الأهلية  الطويلة في اليابان(تبدا قصته بالعام 1590)، فبعد أن كادت البلاد أن تتوحد تحت حكم “تويو تومي هيديوشي”، يقوم هذا الأخير بارسال جيش ضخم الى الشمال لمحاربة آخر خصومه من قبيلة “هوجو” الباسلة، لكنه يعجز عن اخضاع قلعة اوشي الموجودة في ارض البوشو والتي تسمى بالقلعة العائمة، لكونها محاطة ببحيرة والتي يقودها القائد الكاريزمي العنيد المهرج “ناجاتشيكا”، حيث نلاحظ كيف يقوم خمسمائة رجل بمقاومة جيش مؤلف من حوالي الخمسة آلآف بقيادة “ايشيدا ميتسوناري”، تكمن المشاهد اللافتة بهذا الشريط التاريخي المبهر بطريقة التخطيط لاحتلال القلعة بواسطة افتعال طوفان مائي كبير، كما بمشاهد الرقص التعبيري الصاخب التفاعلي قرب نهاية الفيلم، حيث يقوم القائد المهزوم ياستعراض راقص غنائي يجذب فيه تفاعل واعجاب خصومه واعوانه على حد سواء، مما ساعده بذكاء لوضع شروط استسلام مقبولة تحفظ حياة وكبرياء فريقه.
الفيلم الرابع قط الساموراي (2014) فهو يتحدث عن توظيف الساموراي الفاشل “كيوتارو مادارامي” من قبل عصابة محبة للكلاب، وذلك للتخلص من قط جميل تملكه عصابة مناوئة ومقابل مبلغ مالي مجزي، ولكنه فور مشاهدته للقط الجميل يستولي على حواسه، فيمتنع عن قتله، ويوهم الجميع بأنه فعل ذلك ببناء قبر وهمي داخل منزله، ولكن الامور تتعقد لاحقا فتحدث مجابهات وصراعات يمتنع فيها الساموراي الشجاع عن قتل خصومه محافظا على كبريائه وزهده بالقتل، ثم يعود متسامحا لزوجته وابنته الصغيرة بصحبة القط الجميل الذي أبدع بتمثيل دوره “الحيواني” بذكاء لافت ونظرات معبرة…انها سينما شيقة فريدة ذات بصمات ابداعية لافتة ولا تعتمد على “النسخ واللصق والتحوير” مثل بعض أفلامنا العربية المكررة التي تستهتر بذائقة الجمهور العربي عموما…الغريب حقا أن اسبوع السينما اليابانية (السنوي) بعد ذلك (للعامين 2017 و18 على التوالي وربما سيستمر على هذا المنوال الجديد) قد انحدر مستواه الفني عموما، وأصبحت معظم الأفلام المنتقاة للعرض “شبابية وصاخبة وأحيانا ميلو درامية تافهة وبعضها يتماهى مع اسلوبية أفلام التحريك الطفولية الساذجة” وذات خصوصية يابانية بحتة ومملة الا ما ندر، وعندما ابديت ملاحظاتي الجدية هذه للمسؤول بالسفارة اليابانية في عمان… لم يأخذها بعين الاعتبار وتحجج بالتكاليف والبيروقراطية والملكية الفكرية الحصرية التي لا تسمح الا بهذا المستوى من العروض الاستهلاكية الطويلة العادية التي يشبه بعضها الأفلام الهندية الاستعراضية، التي وان كانت تحيط المرء “الغريب” علما بنمط الحياة والثقافة والتفاعلات والعلاقات في اليابان، الا انها أبعد ما تكون تماما عن كونها تحفا سينمائية تعكس ابداعات السينما اليابانية العتيقة والحديثة على حد سواء، وهذا بالحق مؤسف ومحبط، وربما يمثل استهتارا بالذائقة السينمائية الفنية لدول العالم العربي والثالث!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة