ميعار . الجليل : الارض والانسان .. بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطين ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ..
قد يتساءل المرء ما الفائدة من نشر هذه المقالات من كتاب ” الجليل.. الأرض والإنسان ” بعد أن نشر الكتاب نفسه في برلين.  أنقل بعض المقالات منه، بعد إعادة تحريرها لهذا الموقع المميز ” صوت العروبة “، حتى أعطي فكرة منوعة عن حياة العربي الفلسطيني تحت الحكم الصهيوني، وأعطي القارئ فكرة عن مآلات هذا الصراع الحضاري بين الفلسطيني والمستوطن الصهيوني أو غير الصهيوني.
المقال هذا عن قرية ” ميعار” الفلسطينيةٌ. هذه قرية تحملت الكثير، ورغم ذلك لا يتطرق اليأس إلى سكانها، بل يستجمعون قواهم، ويعودون ثانيةً لبناء القرية بعد أن هدمها الانتداب البريطاني في السنة 1938 لنشاطها في الثورة الفلسطينية، أو يعودون للسكنى فيها بعد أن هجّرهم منها الجيش الإسرائيلي في السنة 48. سكنوا القرية لمدة سنتين، إلى أن اكتشف الجيش الإسرائيلي وجودهم، فطردهم ثانية، وهدم بيوت القرية بالكامل.
عُرض على أحدهم أن يبدل 170 دونما في قرية ميعار بِ 56 دونمٍ في أية قريةٍ يختارها، فرفض. وقال: ما في حق بروح وراه مْطالب!
رأت فتاة ٌمن المستوطنة ” ياعد ” التي بُــنيت على أراضي القرية, رأت رجلاً صاعداً التل إلى أطلال ميعار, فصرخت عليه: لم َ تأتي من هذه الطريق؟!  فأجابها بكل رزانة: أنها الطريق التي أعرفها إلى أرضي! بُــهتت، ولم تدر ماذا تقول بعد ذلك. لم تكن تدري أن هناك قرية عربية مدمرة على رأس الجبل. لم تحاول أن تصعد هناك بالمرة.
كان عدد سكان القرية وقت النكبة 893 نسمة. طردوا، وبني على أرضها مستوطنات ” ياعد، وسيجيف، مسجاف، ومنوف “. تبعد 8 كلم. شرق عكا, و7 كلم. غرب سخنين.
احتلت 15 \ 7 \ 1948.
عدد سكانها الآن 8600 نسمة تقريباً. 1400 في المهجر, و7200 مهجرين في داخل البلاد، ولكن ليس في ميعار، بل حسب القانون ” حاضر – غايب “، بمعنى أي مكان ما عدا ميعار! أملاكهم في ميعار صودرت لمصلحة الاستيطان.  ميعار وشعب جارتها، على نفس الجبل، ميعار في القمة، وشعب في السهل.
لم يبق من القرية سوى المقبرة.  بُني متنزهٌ على قسمٍ من أراضيها.
كشفت حفريات عن أبنيةٍ قديمة ٍمن العهد البيزنطي، وآثار قلعةٍ كبيرة. معصرة زيتون، ومخازن. توجد خربةٌ على اسم ” رأس الزيتونة ” مقابل متنزه ميعار الحالي.
لا يكلّ السكان من المطالبة برجوعهم للقرية.  في 29 \ 4 \ 2009، وفي الذكري الواحد والستين للنكبة، خرج أبناْء ميعار المتواجدين في سخنين، كابول، وطمرة، وغيرها لزيارة قريتهم الحبيبة ميعار، فنظفوا المقبرة، وقرأوا الفاتحة، وأكملوا المسيرة إلى موقع القرية المهدمة.
وفي 26 \ 7 \ 2013 نُــصبت ” خيمة العودة “الرمضانية في أرض القرية، وتناولوا الإفطار هناك.
وكانت ميعار من ضمن الخمس قرى في ” مشروع العودة ” ل ِ 27 \ 8 \ 2013.
وقدم ” شادي عكري”، مشرف مجموعة ميعار، خطابا ً مفاده أن العودة أمرٌ قابلٌ للتحقيق، وليست خيالاً.
وعُرض فيلمٌ توثيقيّ، من ضمن ما فيه تصميمٌ لمعالم القرية في المستقبل، كما تصورته المجموعة، وثــُبــّت في التصميم موقع المدرسة، والمسجد، والمتنزه.
——————————-
أثناء تصفحي لموقع ” hhi. Harvard.edu  ” التابع لجامعة هارفارد في أمريكا الشمالية،  وجدت  أن ” ياعد ”  المستوطنة الصغيرة المبنية على جبل ميعار قد رفضت أن تُــبنى على رأس الجبل،  حيث القرية المهدمة،  احتراماً لآلام السكان الذين هجّروا منها. وذكر الموقع هذا أن ” يونا شامير ” كانت قد أسست ” المركز الإسرائيلي للمفاوضة والوساطة ” في جامعة حيفا، وركزت نشاط هذا المركز على مناطق الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل. ولما اشتعلت الانتفاضة الثانية في الضفة، وجدت أنه من الصعب عليها أن تعمل هناك في مثل تلك الظروف. ولما هــّبت الاحتجاجات في إسرائيل بين فلسطينيي الداخل في السنة 2000، احتجاجاً على قمع الاحتلال القاسي للضفة,، وسقط 13 متظاهراً بنيران البوليس الإسرائيلي في وادي عارة، أدركت أن إسرائيل تجلس على بركانٍ ثائرٍ فقررت أن تركّز عملها داخل إسرائيل.
كتبت عن ميعار وطرد الجيش الإسرائيلي للعشر عائلات التي عادت إلى ميعار بعد التهجير الأول في عام 1948، فطردهم الجيش في عام 1951، وهدم كل بيوت القرية، حتى لا يعطي فرصةً لأحدٍ بالرجوع. ولما استوطن سكان ” ياعد ” الجدد المنطقة لم تكن لديهم فكرةٌ واضحةٌ عن القرية ميعار، أو سكانها، ولا يعرفون بالضبط ماذا حل بهم، ولم يحاولوا الصعود إلى قمة الجبل، حيث القرية المهدمة البعيدة عن استيطانهم الجديد- مساحة عشر دقائق سيراً على الأقدام.
في السنة 2000 قررت سلطة أراضي إسرائيل زيادة سكان ياعد من 120 عائلة إلى 200 عائلة. ولما رأى سكان ياعد شدة الاضطرابات في البلاد بين العرب واليهود، قرروا الابتعاد بقريتهم، والارتفاع إلى قمة الجبل، حيث آثار بيوت القرية المهدمة.
ولكن 14 عائلة كان لها موقفٌ مختلف. إذ أن هذه العائلات كانت متعاطفةً مع سكان ميعار القدماء, ولها علاقات معهم، واجتمعوا معهم في أكثر من مناسبة. اتفق الفريقان، المتعاطفون من ياعد، وممثلون من ميعار، اتفقوا على اتخاذ موقفٍ مشترك، والتعاون. قدم الميعاريون التماساً في المحاكم، يعترضون على توسيع المستوطنة بحيث تشمل آثار القرية والمقبرة، وآثاراً أخرى. والياعديون اعترضوا لأسبابٍ جماليةٍ على 14 بناء قرب موقع القرية.
قُــبل اعتراض أهالي ميعار.
تطورت النقاشات بين الفريقين، وصعد الياعديون مع شيوخ ميعار إلى قمة الجبل حيث ميعار المهدمة، وشاهدوا بأم أعينهم قريةً كاملةً مدمرة، طرد سكانها، ولكنهم لا يزالون يحنوّن إلى موطن ولادتهم، ولم يستطع الياعديون تجاهل أحزانهم على ما تم.
ضغط الفريق الياعدي على اللجنة المسؤولة لقبول اعتراضهم على الأربعة عشر بناءٍ المقترحة. ولكن ما العمل بالمساحة الفارغة إن قُــبل اعتراضهم على الأربعة عشر بناء؟
اقترح الياعديون إقامة حديقةٍ تذكاريةٍ للفريقين. إلا أن أهل ميعار اعترضوا بشدةٍ لتجارب سابقة، في قرى مهدمةٍ أخرى، تتحول فيها الحدائق التذكارية إلى أماكن للسكنى.
موقف أهالي ميعار موحدٌ بسبب حلمهم بالعودة إلى ميعار. بينما الوضع عند الياعديين مختلف، أنهم يفكرون بشكل فردي.  كل عائلة تفكر: لا أريد لعربي أن يجاورني! هذا بيتي, ولا بيت لي غيره. أما العربي من ميعار فيفكر: ” هذا بيتي الذي طردت منه، وهذه أرضي التي ورثت عن أبائي.  فتح النقاش الأعين على مشكلةٍ حقيقيةٍ، وعـّبر أكثر من شخص من ميعاد على تأييدهم لوجهة النظر الميعارية.
الجمعية التي تنظم مثل هذه الاتصالات بين الفريقين هي:
International Centre for Reconciliation. www. Centre for reconciliation.org
في كانون الثاني 2004 عقد اجتماع ٌ بين عددٍ من سكان ميعار وعددٍ من سكان ياعد لتخفيف التوتر بين الفريقين. اتبع المشاركون قواعد المصالحة التاريخية بين الشعوب.
وجرى لقاءٌ آخر في السنة 2007، وحضر الاجتماع ميعاريون، وأفراداً من قرىً أخرى. بالإضافة إلى ذلك، أُخذ عددٌ آخر من ياعد في جولةٍ إلى ميعار المهدمة. وقد أدّت كل هذه النشاطات والاجتماعات إلى عددٍ من النجاحات المسجلة التالية:
1- اتفق المجتمعون على بناء سياج ٍيحمي المقبرة الإسلامية، وهذا أمرٌ خارجٌ عن التفكير العام في إسرائيل. تم بناء السياج في السنة 2009.
2- عقد عدة لقاءات خففت التوتر بين المجموعتين.
3- تأليف عدة لجانٍ لتنفيذ الأمور التالية:
أ‌- القيام بنشاطات اجتماعيةٍ ورياضيةٍ بين سكان المجموعتين، وإقامة علاقات عائلية, وإقامة مراكز استجمامٍ عربية – يهودية مشتركة.
ب‌- التخطيط لبناء أحياء مشتركةٍ على مساحة 350 دونماً، بين ميعار وياعد.
ت‌- تأسيس أرشيفٍ لتاريخ المجموعتين.
ث‌- تدريب مشاركين، ووسطاء لحل المشاكل، ووضع نماذج للتطبيق في مناطق أخرى.
—————————–
نشر موقع ” عرب 48. كوم ” في 20 \ 8 \ 2013 التالي:
” دعا الحراك الشعبي لميعار لتوجيه رسالة لسكان مستوطنة ” ياعد ” في 13 \ 8 هذا نصها:
” إنكم تعيشون على أنقاض ميعار !
” كما تعلمون فإنكم تسكنون على أنقاض قرية ميعار، وفي نفس الوقت يـُــمنع أهالي ميعار الأصليون من العودة إلى بيوتهم التي هُــجّروا منها خلال النكبة في السنة 1948. إن غالبية سكان ميعار، وأبناءهم، وأحفادهم يسكنون في القرى العربية المجاورة مثل كابول، سخنين، شعب، عرابة، وطمرة. جميعهم يمرون على بلدتهم ميعار، ويحافظون على تواصلٍ معها.
” إن هدف سكناكم على أرض ميعار هو منع سكانها الأصليين من العودة إليها. ولهذا فإن كل واحد منكم يتحمل المسؤولية الشخصية عن الظلم الذي ما زال يلحق بسكان ميعار. فإنكم أنتم، وليس فقط حكومتكم، مسؤولون عن هدم بيوت ميعار، وسرقة خيراتها، والاستيلاء على أرضها، ومنع سكانها الأصليين من العودة إلى بيوتهم.
إن تغييركم اسم المكان من ميعار إلى ياعد لا يُــخفي حقيقة المكان، ولا الظلم الذي تسببتم به ضد أهالي ميعار الأصليين، ولن يمنحكم أية شرعية.
” كما يعرف عدد كبير من سكان ياعد، فقد أقمنا بتاريخ 26 \ 7 \ 2013 خيمة عودةٍ رمضانيةٍ في ميعار، سار إليها حوالي الألف شخصٍ من سكان ميعار والمنطقة، وتم خلالها رفع آذان المغرب، وإقامة الصلاة، ومن ثم تناول الإفطار الرمضاني. وبعدها أقمنا أمسيةٍ ثقافيةٍ، هدفها إعادة الحياة إلى ميعار.
” نحن سنستمر في العمل حتى عودة كل الميعاريين إلى بيوتهم في ميعار، ونأمل مساعدتكم في ذلك، لإقامة حياة شراكةٍ عادلةٍ لا تستبعد أحداً من المنطقة. ”
وجدت قصيدة للميعاري ” أبو عصام ” اخترت منها بعض الأبيات:

أما عَ الأكل أشتهي رغيف زعتر         من بلادي. بِــكفي اطعموني
وزيتون وزيت وجبنة وبصل أخضر        وحليب ولبن وخبز من الطابوني
بلادي في الربيع بساط أخضر           وعنبها وتينها وشجر الــزيتوني
وسهل وجبال فيها حجر ومرمر          وطبيعة ملونة  شجر عيوني

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة