الفيلم السوفيتي “هامليت”*(1964)/1:بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة …..
بقلم : مهند النابلسي – الاردن …
فيلم يحدث قشعريرة أسفل عمودك الفقري: يكون او لا يكون!
*يعود امير الدنمرك “هامليت” ليجد أباه قد قتل بواسطة عمه “كلاوديوس”، ويعلم بأنه قد انتزع عرش مملكة الدنمرك، وبأنه قد تزوج امه الأرملة ايضا، لذا يغضب هامليت ويستاء، ويقع في العذاب والهواجس، ويصبح قلقا غير مستقرا على نحو متزايد….ثم تستعر الحرب، تم اعادة هذه الدراما مرة اخرى في العام 1996، وقام بالأدوار الرئيسية كل من “كينيث براناة وجولي كريستس وديريك جاكوبي”، وسوف اتحدث في هذه المقالة عن النسخة السوفيتية من اخراج “جريجوري كوزينتسيف”، وكتابة وليام شكسبير والمخرج نفسه استنادا لترجمة بوريس باسترناك، وقد مثلها ببراعة كل من “سموكتونفسكي، ويخائيل نازفانوف وأناستاسيا فيرتينسكايا”، وبموسيقى “ديمتري شوستاكوفيتش، وتصوير جوناس جريتسيوس”.
*يقوم المخرج السوفيتي “جريجوري كوزينتسيف” بانجاز هذا العمل السينمائي الآخاذ، ويتفوق باخراج عمل هو الأكثر تماسكا من بين الخمسة افلام التي انتجت حول نفس الثيمة (حسب رأي معظم النقاد)، ويؤكد بنمط اخراجه الفريد على البنية الأخلاقية للتراجيديا الشكسبيرية، وليس من خلال الصور المرئية فقط، وانما بواسطة الاطر الحوارية الغنية بالمجاز والمعنى والتي يرسخ صداها في مخيلة المرء حتى بعد ان يغادر قاعة العرض، مثل قصص مجد الاكسندر المكدوني ونهاية الموت التي تنتظر البشر على اختلاف مستوياتهم، كما الدود الذي يحول الأجسام لهياكل عظمية وينخر الجماجم، ومثل اتخاذ القرار الوجودي المصيري “أكون او لا اكون”! بعض النقاد “الغربيين” المتحذلقين كالعادة أفادوا بان هذا الفيلم لا يرقى لمستوى أفلام كتاركوفسكي لأندريه روبليف، ولا لتحفة ايفان الرهيب لأيزنشتاين، بل وأمعنوا بالتشويه فوصفوا “الماكياج والتصوير” بأنه من عمل الهواة وطبعا أنا لا وافقهم ابدا على زعمهم المغلوط المشوه!
*بطل الرواية هو الأمير هاملت من الدنمرك، ابن الملك المتوفي مؤخرا، وابن اخ الملك الجديد كلوديوس، شقيق والده وخلفه على العرش. ولقد تبين انه قد تزوج على عجل ارملة الملك هامليت “جيرترود” (والدة هاملت) منذ اربعة شهور، واستولى على العرش. فيما تواجه الدنمرك نزاعا طويلا “مصيريا”  مع النرويج المجاورة، حيث هزم الملك الراحل هاملت الملك النرويجي “فورتينبراس” في معركة فاصلة جرت منذ سنين، وعلى الرغم من هذه الهزيمة، وانتقال العرش النرويجي لشقيق الملك “فورتينبراس” العسكري المخضرم، فما زالت الدنمرك تخشى تعرضها لغزو وشيك من قبل ابن الملك المتوفي الأمير فورتينبراس (الابن)…
*وفي ليلة باردة وبمحاذاة اسوار القلعة الدنمركية الملكية “السينور”، يواجه الحراس “برناردو وماسيلوس” وصديق الأمير هاملت الحميم “هوراشيو” شبحا يشبه الملك الراحل هاملت، ثم يتعهدون باخبار الأمير هاملت بما شاهدوه، قبل أن تجتمع المحكمة في اليوم التالي. وفي حين ينغمس الملك كلاوديوس والملكة جيرترود بمناقشة شؤون الدولة مع مستشارهم المسن “الدساس-المتواطىء ووالد حبيبة هامليت اوفيليا الجميلة “بولونيوس”، ثم بعد انعقاد المحكمة، يقرر الأمير هاملت التحقق بنفسه من الشكوك التي تراوده بشأن وفاة والده وتسرع امه بالزواج، وخاصة عندما يعلم عن قصة “الشبح” من صديقه “هوارشيو”.
*ثم يستعد ابن بولونيوس “ليارتيس” للمغادرة الى فرنسا، حيث يبلغه بولونيوس حكمة  متناقضة ساخرة مفادها: “أن يسعى المرء لأن يكون ذاته “، وتعترف حينئذ ابنة بولونيوس “اوفيليا” باهتمامها الخاص بهاملت الأمير وبحبه العارم لها، ولكن كلاهما “بولونيوس وليارتيس” (الأب والشقيق) يحذرانها من الاستمرار بلفت انتباهه واهتمامه، لأنه ليس جديا وانما يلهو بها. وفي تلك الليلة وعند اسوار القلعة، يظهر شبح الملك هاملت ثانية (بثيابه العسكرية وفي لقطة سينمائية مبهرة)، ويعترف للأمير بأنه قد قتل من قبل كلوديوس ولم يمت بسم أفاعي الحديقة كما تم الادعاء كذبا ، ويطلب منه التعهد بالثأر والانتقام، فيوافق هاملت ويختفي الشبح!
*عندئذ يصرح الأمير  لصديقه هوراشيو والحراس بأنه من الآن فصاعدا سيحضر نفسه لتصرف “مضاد غامض ومفاجىء”، وأنه سيتصرف كما لو انه اصبح “مجنونا”، ويطلب منهم التعهد لابقاء خططه الانتقامية سرية، ولكن تبقى الشكوك تراوده في سره من مصداقية كلام وظهور الشبح واعترافه، وبذكاء مدروس بعناية فقد تم الايعاز لممثلي المسرحية التي ستعرض على الملأ قريبا (بحضور الملك والحاشية) لاعادة تمثيل أحداث الجريمة المتمثلة بسكب السم داخل اذني الملك وهو نائم في البرية، ومن ثم الزواج مباشرة من الأرملة المتواطئة، وقد  فهم كلاوديوس المغزى فورا وصفق في البدء ثم فض المسرحية غاضبا ومتوعدا “هامليت”!
*حقق المخرج والمصور مشاهد شعرية لافتة ذات طابع مسرحي، طارحين معاناة تراجيديا رجل بائس لم يستطع ان يقرر ما يفعل وكيف؟ لا يستعرض هاملت خطابه ونواياه الانتقامية بل يسربها ببطء وحذر وخوف وبشكل استعراضي-مسرحي احيانا، بالمقابل يظهر ليارتيس اكثر جموحا وتصميما ورغبة بالانتقام لمقتل ابيه ملوحا بالسيف بلا وجل، وكان هاملت قد قتل أبيه بطعنة في بطنه عندما وجده يتلصلص على حديثة مع والدته من وراء ستار الغرفة الملكية، ولكن دون أن يتحقق من شخصيته…
*وضعنا هذا المخرج العبقري مع مصوره الفذ منذ البداية في الأجواء التراجيدية الغامضة: فمنذ البداية ندرك أن الدنمرك هي سجن كبير، فنرى الصخور الهشة وظلال القلعة والممرات الطويلة المظلمة ونسمع الموسيقى البائسة المعبرة، ثم نشاهد تقلبات الجسر الضخمة وأمواج المياه المتلاطمة والحراس المسلحين القلقين والمتوقعين حدوث الأشياء، وأصحاب الابتسامات الزائفة المنافقين، وكل هذه المكونات تخلق اجواء من الانقباض والاضطهاد والتوقع والقلق مما هو آت، في ايماءة ذكية واضحة ربما مع الواقع السوفيتي المهيمن حينئذ.
*بعض اكثر المشاهد تأثيرا تشير لاوفيليا وهي تجهز ملابسها لحضور جنازة ابيها المغدور “بولونيوس”، ونراها مربوطة في مشد الحديد القاسي كما لو انه سجن حديدي داخلي، كما نراها في البدء وهي  تتلقى اوفيليا دروسا في الرقص من عجوز مسنة باردة كالجثة المتحركة، يحدث كل ذلك بتناغم مصاحب لموسيقى “شوستاكوفيتش” كما لو انه “وخز جميل” وتحضير ايمائي للمصائب القادمة…ونراها في غمرة جنونها ترقص بانسجام مع هذه الألحان، ثم نرى مشهد جسدها العائم وهو يطفو وكأننا نقرا قصيدة روسية خالدة، كما نتأمل باندهاش مشاهد دفن الجثمان وتعهد الأخ الحزين بالانتقام.
*ثم نتأمل التركيز الزائد على طيران النورس بعد موت اوفيليا مع دلالات رمزية “تشيكوفية” واضحة. لقد نجح “كوزينتسيف” بدمج صور “البحر والسماء” بنمط شعري تعبيري خلاب مما اطلق لدى المشاهد طاقة ابداعية للتأمل والاستمتاع، من هنا فقد ظهرت هذه النسخة ربما كأفضل اقتباس فريد، وغزت قلوب المشاهدين بجمالها الداخلي الروحاني وانسانيتها وقوتها الأخلاقية، وظهرت بمثابة صدى ابداعي للروح العصرية الانسانية وكدفاع عن القيم الانسانية الرفيعة، ونبذ للكراهية والحقد والتآمر والباطنية في السلوك والنوايا، كما انها بثت دعوة خفية للمسؤولية والالتزام الأخلاقي والعفة والبراءة وتنقية النوايا تجاه ما يحدث في عالمنا المضطرب-المرعب والبائس، الذي يعج بكافة انواع المآسي والمشاكل والنزاعات العتيقة والحديثة، وبدت هذه التحفة السينمائية القديمة وكأنها تحمل رسالة متجددة خالدة.
مهند النابلسي/كاتب وباحث سينمائي/
*عرضه نادي شومان السينمائي في 28/11/2017

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة