يوسف إدريس الأستاذ في القلب والعقل – بقلم : ابراهيم خليل ابراهيم

فن وثقافة ….
، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم – مصر …
عطاء الإنسان لايحسب بسني عمره في الحياة بل بقيمة ماقدمه إلى بني وطنه وأمته من عطاءات تسهم في البناء لا الهدم ويعد الدكتور المبدع يوسف أدريس من النماذج التي شاركت بجهد فاعل في بناء الإنسان المصري من خلال قلمه الحر وموهبته الأصيلة وعندما حدثت النكسة في الخامس من شهر يونيو عام 1967 وأحتلت إسرائيل سيناء بعد هزيمة لمصر لاتستحقها ونصر لإسرائيل ىتستحقه لأن الجندي المصري لم يدخل المعركة .. رفض الدكتور المبدع يوسف إدريس تلك النكسة مثلما رفضها كل الشعب المصري .
كنت أتابع كتابات وإبداعات وكتب الدكتور يوسف إدريس بحب وشغف للقراءة ولذا عندما كنت أجهز كتابي ” قال التاريخ ” الذي يعد وثيقة تاريخية كما أطلق عليه النقاد حرصت كل الحرص على رصد وتسجبل ماسجلته يوميات شهر النصر .. أكتوبر 1973 من بيانات عسكرية وأحداث جبهة القتال وماجادت به أقلام نخبة من مبدعى وكتاب مصر ومنهم الدكتور يوسف أدريس حيث كتب في يوم الجمعة 12 أكتوبر 1973 م / 16 رمضان 1393 هـ في جريدة الأهرام : ( بضربة واحدة تمت المعجزة ، تحولنا من كائنات لا كرامة لها .. كائنات كالسائمة إلى بشر ذوى كرامة ، بضربة إرادة واحدة ردت إلينا كرامتنا وعادت إنسانيتنا ، لم أكن قبلاً أؤمن كثيراً بدور الفرد فى التاريخ ، لم أكن أعلم أن الفرد باستطاعته حين يجمع إرادته أن يحتوى فيها إرادة أمة وتاريخ شعب وقدرة حضارة ، ولكن البطل أنور السادات غير من مفهومى بسحق الهزيمة الكامنة فى كل منا حين قرر العبور ، فبقراره لم يعبر جيشنا القناة فقط ولكن شعبنا عبر معه فيافى الذل والمسكنة .. عبر الصغائر والحقارات .. عبر الآلام التى لا يطيقها بشر .. آلام العجز ، كان العبور هو الخلاص .. يا لسعادتى وأنا أسمع إسرائيل تتحدث عن العدوان المصرى ، يا لوقع الكلمة الحبيبة فى أذنى إننا أخيراً أصبحنا معتدين ، نحن أصحاب حق ولا يستعيد الحق إلا أصحاب معتدون .. أكاد لا أصدق كل ما يحدث .. أحقا أصبحنا نقاتل لاستخلاص أرضنا وكرامتنا .. حقاً ثبت لنا أننا لا عيب فينا وإنما العيب دائما فى الظروف .. أحقاً عبرنا القناة ونحرر سيناء ونحطم المدرعات ونسقط الطائرات ونأسر منهم مئات .. أحقاً يحدث هذا كله بأيدى مصريين مثلى ومثلك ؟‍‍ ‍‍‍‍، ألم أقل إنها المعجزة .. معجزة إرادة الأمة حين تحتويها إرادة بطل فهذا وبهذا وحده تتحقق المعجزات )
لم تكن علاقاتي بالدكتور يوسف إدريس علاقة متلقي لكتاباته وإبداعاته بل تواصلت معه في مبنى مؤسسة الأهرام من خلال تواجدى مع أساتذتي الصحفيين بالمؤسسة وجلست معه كثيرا وتحدثت معه وذات يوم عرضت عليه بعض كتاباتي وأذكر منها ومضتي القصصية التي تحمل عنوان ” دم الحبيب ” :
( تعارفا … التقيا … تحابا …
ذات يوم صدمتها سيارة مسرعة …
نقلوها إلى المستشفى …
طلبوا دماً إليها …
لم تتوافق فصيلة مع فصيلتها … فقط فصيلته التي توافقت معها …
أعطاها دمه … م ا ت ) ! .
أيضا ما كتبته تحت عنوان ” العالم كله ” :
( ذهبت مع زملاء الدراسة في رحلة نظمتها الكلية ..انطلق الأتوبيس .. انغمست في مشاهد الطريق ومعالمه .. هجمت أحداث الماضي واحتلت ذاكرتي .. لم ينقذني منها إلا صوت زميلي هاشم .. إبراهيم …. !! : وصلنا العلمين … تجولت مع الرفاق بين مقابر الجنود الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية … استوقفتني مقبرة نقشت عليها كلمات : ( أنت بالنسبة للعالم مجرد جندي أما بالنسبة لي فأنت العالم كله ) ..
تسآءلت : من كتب العبارة ؟
زوجة محبة ..
والدة فقدت ابنها ..
إحدى البنات التي يتمتها هذه الحرب المسعورة ؟
انفجر نهر الدموع بعيني ) .
هنا قال الدكتور يوسف أدريس : ياإبراهيم أنت تعد من أصحاب الأدب الإنساني وهو مايعرف بأنسنة الأدب كما تعد من أصحاب الأدب الشمولي فأكتب ماتشعر به كعهدك دوما ولا تقيد نفسك في نطاق معين برغم مانعرفه من تخصص وخلافه فأنت كما البستان تقدم أجمل وأرق الإبداع .
جاءت هذه الكلمات من أستاذي الكبير الدكتور يوسف إدريس إلى مسمعي لتؤكد إيماني بكل كلمة يسطرها قلمي من مداد صدقي ونبض قلبي .
واصلت الدرب ولم أهتم بالمشاهد والوقائع المؤلمة التي تزخر بها الحياة بصفة عامة والأدبية والثقافية بصفة خاصة حيث تجار الأدب وآكلة السحت وعشاق النصب وإبتزاز المواهب وهاأنذا قدمت للمكتبة العربية حتى كتابة تلك السطور 50 كتاب منها 35 في أدب الحرب وقصص شهداء وأبطال مصر الذين سطروا بطولاتهم بالفخر والشرف والكرامة في سجلات الوطن والعطاء الأسمى .. و ” 3 ” دواوين شعرية .
بقى أن تعرف صديقي القارىء أن الدكتور يوسف إدريس من مواليد قرية البيروم التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية في 19 مايو عام 1927 وحصل على بكالوريوس الطب من جامعة القاهرة عام 1951 وتخصص في الطب النفسي .
عمل الدكتور يوسف إدريس بالصحافة وسافر إلى العديد من الدول العربية والأوروبية وحصل على عدة أوسمة وتقديرات منها وسام الجزائر عام 1961 والجمهورية عام 1963 ثم 1967 والعلوم والفنون من الطبقة الأولى 1980 م .
في عام 1950 بدأ الدكتور يوسف إدريس في نشر قصصه القصيرة كما كتب الرواية والمسرحية بجانب مقالاته الصحفية ومن قصصه التي قدمها للمكتبة العربية نذكر : أرخص ليالي وجمهورية فرحات والبطل وحادثة شرف وأليس كذلك ؟ وآخر الدنيا والعسكري الأسود وقاع المدينة والعتب على النظر والقاهرة ومن رواياته : الحرام والعيب ورجال وثيران والبيضاء والسيدة فيينا ونيويورك 80 ومن مسرحياته نذكر : ملك القطن وجمهورية فرحات واللحظة الحرجة والفرافير والمهزلة الأرضية والمخططين والجنس الثالث والبهلوان ومن مقالاته : بصراحة غير مطلقة ومفكرة يوسف إدريس واكتشاف قارة والإرادة وعن عمد اسمع تسمع وشاهد عصره وجبرتي والبحث عن السادات وأهمية أن نتثقف وياناس القاهرة وفقر الفكر وفكر الفقر وخلو البال وانطباعيات مستفزة والأب الغائب وعزف منفرد والإسلام بلا ضفاف ومدينة الملائكة والإيدز العربي وعلى فوهة بركان وذكريات يوسف إدريس .
في الأول من شهر أغسطس عام 1991 أعلنت عقارب الساعة رحيل ابن محافظة الشرقية ومصر الدكتور المبدع يوسف إدريس إلى الدار الأخرة وهكذا رحل الدكتور المبدع يوسف إدريس ولكنه مازال في قلبي وعقلي .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة