قرية الرمية الجليلية في فلسطين المحتلة – بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطين …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا …
لم يعد أمام الفلسطيني سوى التضحية بالنفس لحماية نفسه من التمدد المستمر للصهيونية في أحشاء الأمة العربية. إن المثال القوي الذي يقدمه سكان الخان الأحمر البدو، والتضامن الأقوى من سكان الضفة، والمؤازرين الأجانب، وتأجيل هدم هذه المستوطنة البدائية ، يثبت بكل وضوح أن المقاومة الشعبية للغزو الصهيوني قد بدأت تؤتي ثمارهاـ ومن الممكن أن تكون أكثر فعالية من ضرب السكاكين، أو إرسال السيارات الملغومة لتقتل البرئء والمذنب دون تمييز.
المثال الذي قدمته قرية الرمية البدوية في الجليل سبق مثال الخان الأحمر، ومن الممكن أن يكون قد أوحى للخان الأخمر بالتمسك بخيار المقاومة الشعبية  لهدم قريتهم. فماذا فعلت قرية الرمية، وبماذا احتجت لرفض الانتقال من مساكنهم المحاصرة، إلى مساكن أخرى أكثر تعرضا للمحاصرة، ولكنها بعيدة عن عيون المستوطن الأوروبي الذي تؤذيه مناظر البداوة التقليدية في بلادنا.
أيد أهالي الرمية المرشح لرئاسة بلدية كرمئيل أملاً في أن يكافئهم بتلبية بعض مطالبهم الملحة مثل تمديد الماء والكهرباء لقريتهم الوادعة الصغيرة، ولما حاولوا الاجتماع به بعد فوزه، وتذكيره بما وعدهم به، رفض مقابلتهم!
وصرح يوسف سواعد أنه صحيح أننا قد وعدنا بالانتقال من موقعنا الحالي، وبعد ذلك تلبى طلبات ما نحتاجه، ولكن التعويضات المعروضة ضئيلة، لا تغطي تكاليف الانتقال، وبناء  بيوت جديدة.
لجأت القرية للقضاء،  وكالعادة  لم  تستفد القرية من القضاء الإسرائيلي. وأضاف سواعد: أن جيران الرمية،  الكرمئيليون اليهود الأوروبيين الساكنين فوق أراضي الرمية،  وأراضي قرى الشاغور العربية يشتكون من وجود الماشية عند نا، مع أن الماشية أساس معيشتنا قبل وبعد استيطانهم ومصادرتهم لأراضينا.
ونشر موقع  بكرا في  14 \ 6 \ 2010:
” عقد  في  الأيام  الأخيرة اجتماعٌ  واعتصامٌ  في حي الرمية المهدد بالاقتلاع،  والواقع في قلب مدينة كرمئيل.  وزار خيمة الاعتصام لأهالي الرمية  رئيس لجنة  المتابعة العليا للجماهير العربية  محمد زيدان،  ورئيس مجلس كفر ياسيف عوني توما،  ورئيس مجلس البعنة عباس  تيتي،  ومحامي الدفاع  سليم واكيم،  ورئيس مجلس محلي البعنة السابق محمد بكري،  وسكرتير الجبهة  أيمن عودة،  وسكرتير اللجنة القطرية عبد عنبتاوي،  وآخرون.
ويأتي هذا الاجتماع بعد أن تلقى الأهالي أوامر الإخلاء،  وقد تم  تسليمها بواسطة الشرطة،  ووحدة ” اليسام. ”  وقد التمس الأهالي  من المحكمة  العليا  إلغاء أوامر الإخلاء.  وقد جاء الاجتماع هذا لمساندة  أهالي الرمية  ضد ممارسات  دائرة أراضي إسرائيل، وبلدية كرمئيل.
ذكر موقع ” بكرا ” بتاريخ 17 \ 12 \ 2013 أن عضو الكنيست عن الحركة الإسلامية مسعود غنايم،  خطب في الهيئة العامة للكنيست بما  يلي:
“من لا يعجبه معارضتنا، ووقوفنا ضد كل مشروع أو قانون،  شعاره التطوير، بينما هدفه المصادرة والتهويد، ومن يريد ترجمةً  قبيحةً لمعنى وقوانين ومشاريع عنوانها تطوير الجليل، أو تطوير النقب، وهدفها الحقيقي هو التهويد،  فليذهب إلى قرية أو حي الرمية في كرمئيل،  فهناك يسكن حوالي 150 مواطنا من عائلة سواعد،  حولتهم سياسة التهويد إلى ” عائقٍ أمام تطوير مدينة كرمئيل، “مع  أن مدينة كرمئيل قد أقيمت على أرضهم المصادرة،  ومع أنهم يُعتبرون نظريا مواطنين في كرمئيل، إلا أنهم يفتـقدون الكهرباء والماء والخدمات الأساسية،  وبهذه الطريقة تعمل دائرة أراضي إسرائيل والسلطات على محاصرتهم، وخنقهم، حتى يتخلصوا منهم. ”
أقيمت خيمة احتجاج  في  كرمئيل لسكان الرمية،  في28 \ 12 \ 2013  بمبادرة من ” مجموعة أصدقاء رمية، ” وقد خطب الشيخ  طوري  في الحضور، واستعرض المواجهة النضالية لقرية العراقيب في النقب،  التي هُدمت 64 مرة على التوالي،  ظناً من المؤسسة الحاكمة الرسمية أن سياسة الهدم ستُرهب السكان وتُحبطهم،  ولكنهم كانوا يـُعيدون بناء القرية بعد كل هدمٍ جديد.
تشكل الرمية  نموذجاً حياً  لاضطهاد  الأقلية العربية في إسرائيل. هذه الأقلية مطالبةٌ بمختلف الأساليب الملتوية  بتقليص تواجدها في البلاد،  مقابل الزحف والتمدد المستمر،  والذي لا يستكفي،  للصهيونية الحاكمة البلاد.
قرية الرمية الصغيرة تطورت من بيوت الشعر إلى ” براكيات “من  الزينكو والخشب، ومحرمٌ عليها أن تتطور إلى بيوت إسمنتية أو حجرية، وليس بالضرورة أن تكون بيوتاً عصريةً مثل جيرانها. الرمية  التي كان أجدادها واعين بحيث  طوبوا أرضهم،  ولم يقتنعوا بالمثل الدارج بين البدو: ” ما بعد الطاب إلا الخراب”.  لم يحمهم هذا الطابو  في الدولة الصهيونية.
زحفت كرمئيل للقرية،  ولم تزحف القرية إلى كرمئيل. الأهالي  مطالبون  بالانتقال إلى مكان آخر،  مقابل تزويدهم  بالماء والكهرباء،  ومنازل ضيقة لا يطيق السكنى فيها البدوي.  إن لم ينتقلوا،  فليختفوا من الوجود!  جيرانهم لا يطيقون منظرهم،  وما يعتبرونه حياةً بدائية.  لقد استوطنوا أرضا غير مشتراة،  بل مغتصبة. جلب جيرانهم الحضارة العصرية، ليس للجليل ككل، لكن  لهم هم.  بنوا مدينة عصرية،  تقيــّد التوسع الطبيعي للقرى العربية المجاورة،  شوارع المدينة فسيحة،  حدائقها جميلة،  سكانها مزدهرةٌ أمورهم،  ملاعبها خضراء،  منطقتها الصناعية نشطة،  تؤمن عملاً للعرب الكسالى المُـتبطّــلين. لا يهم سكان كرمئيل  أزمة السكن الخانقة عند جيرانهم،  والتي سببها بالأساس قدومهم.
تعثـّرت بفــقرة جميلة لِ محمد الماغوط،  الكاتب السوري الساخر،  ورغم أنها لم تكتب  لوصف حالتنا مع الغزو الصهيوني،  ولكنها تنطبق بشكل من الأشكال علينا:
” لقد أعطونا الساعات، وأخذوا الزمن؛ أعطونا الأحذية، وأخذوا الطرقات؛ أعطونا البرلمانات ،وأخذوا الحرية؛  أعطونا العطر والخواتم، وأخذوا الحب؛  أعطونا الأراجيح،  وأخذوا الأعياد؛  أعطونا الحليب المجفف، وأخذوا الطفولة؛  أعطونا السماد الكيماوي، وأخذوا الربيع؛  أعطونا الحراس والأقفال، وأخذوا الأمان؛  أعطونا الثوار، وأخذوا الثورة ! ”
في كتاب ” الجليل.. الأرض والإنسان ” اهتممت  ببحث وضع العربي في إسرائيل،  وقدرته على تكييف نفسه وحفظها  مع احتلال أرضه  في ال 48.  التقطت  صوراً،  وأمثلةً  حيةً  واقعيةً  لما يجري على الأرض وعلى السكان تحت الحكم الصهيوني.  إن سكت الفلسطيني  سُحق وضاع.  إن وجد وسيلةً  للاحتجاج، اعتبر كارهًا للسامية، عازفاً عن الترحيب  بالزحف الصهيوني نحوه.  إن نجح في لم  الشمل باحتجاجٍ على مصادرة أرضه،  حُـوُّل احتجاجه إلى ساحة حرب، غير متكافئة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة