أنا في دار الصياد – بقلم : شوقيه عروق منصور ( الصورة لمؤسس دار الصياد سعيد فريحه مع ابنته الهام )

فن وثقافة ….
بقلم : شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة …
حملت وسائل الاعلام خبراً عابراً  عن اغلاق مؤسسة  ” دار الصياد للنشر ” اللبنانية التي تأسست عام 1943 ، اذا قالوا أن ” القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ ” فإن دار الصياد كانت عبارة عن مصنع للكلمة والصورة، حيث كان يصدر عنها  يومياً واسبوعياً عشرات الصحف والمجلات مثل جريدة الأنوار التي  توقفت بعد 58 عاماً  ، ومجلات  الصياد ، الشبكة ، سمر ، فيروز ، الدفاع العربي ، الفارس ، وغيرها . ولكن لاسباب اقتصادية وغياب القراء ، أغلقت دار الصياد – وقبلها أغلقت صحيفة السفير التي كان يرأس تحريرها الصحفي والكاتب طلال سليمان بعد 42 عاماً من الصدور – ، لا مجال هنا لكي نقدم التعازي  للورق والحبر والاقلام والبحث عن انتشار الأمية وغياب القراء واهتمام المواطن العربي بالرغيف قبل اهتمامه بالمعرفة ، في الوقت الذي فيه الغرب ما زال يهتم بنشر مطبوعاته خاصة الصحف والمجلات  التي تعتبر جزءاً من عملية ضخ الرأي والتثقيف الصباحي ، اليومي ، وما زال للصحافة ذلك التأثير البريق البارز والمؤثر ، لكن خبر اغلاق دار الصياد أثار في نفسي الحزن فهناك مرحلة عشتها ” في دار الصياد “ما زالت تسري تحت الجلد وتتنفس فوق الذكريات .
من يجرؤ على اعتقال اللحظات الهاربة ، لا أحد ، لكن حين تنزف الذاكرة وتخرج الصور وتتمدد على عشب الأيام  الأخضر ،  تشهق الوجوه  بصمت ،  لقد غابت ورحلت ولم يبق منها سوى صدى يحيط بالبراويز الفضية  المعلقة .
حين انزع مسماراً من تابوت الذاكرة ، يبقى مكان المسمار حفرة ، لا بد أن يعشش فيها عصفوراً يلتقط نشوة الفرح ، ويبحث عن حرارة أنفاس عاهدت الكتاب على الرقص فوق إيقاع أوراقه .
العام 1973 في السوق القديم في الناصرة ، بناية قديمة ، حيطانها تداهم التاريخ وتقول أنا هنا  تنمو فوق حجارتي سنابل الزمن ، وقمح الحياة تطحنه الأيدي التي تصنع منه خبزاً يوزع على شكل كتاب ، في تلك البناية القديمة، كانت مكتبة ” البشارة ” مكتبة عامة لأهالي الناصرة ، تقع الى جانب كنيسة ” الروم الكاثوليك ” أو بالأحرى هي بناية تابعة لها ، استطاعت هذه المكتبة أن تحوي في داخلها المئات من الكتب التي رتبت على الرفوف حسب المواضيع وكان هناك  قاعة للقراءة مجهزة بالأضواء والطاولات والكراسي ، والى جانب القاعة هناك عقداً قديماً استطاعت إدارة المكتبة أن تستغله وتصنع من جدرانه المنحنية وسقفه العالي ديكوراً جميلاً يفتح الشهية للمطالعة . ومنذ بداية افتتاح مبنى المكتبة ، وأنا أذهب يومياً بعد العودة من المدرسة واستمرت حتى بعد انتهاء  الدراسة الثانوية ، كنت أجلس ساعت طويلة ،حتى أصبح المقعد الخاص الى جانب النافذة المطلة على بيوت الناصرة القديمة وأزقتها ذات السنوات الغارقة بالضجيج لأن المكتبة تقع في وسط السوق ، على أسمي واذا تجرأ وجلس عليه أحد القراء تأتي أمينة المكتبة الإيطالية التي تتكلم اللغة العربية المكسرة وتقول له هذا مقعد ” شوقية “، ودائماً كان المقعد ينتظرني ، وفي أحد الأيام تغير المقعد من الخشب الى الجلد ، وأصبح الجلوس عليه أكثر راحة ، لكن مع تغير المقعد تغيرت أمينة المكتبة وحل محلها أمينة مكتبة راهبة  لبنانية . عرفت خلالها أن البعثة البابوية هي التي تشتري الكتب من لبنان، وأنها كانت تسافر في عطلة الأعياد الى بيروت ، ودائماً تعود ومعها كتباً جديدة ، وأضيف للكتب المجلات الصادرة  في بيروت. عن طريق تلك الراهبة عرفت مجلات دار الصياد ومنها مجلة ” الشبكة ” التي كانت تختص بأخبار الفنانين وعالم السينما . وبدأت أقرأ زاوية ” الجعبة ” للكاتب ومؤسس دار الصياد  الكاتب “أنيس فريحة ” والتي امتدت هذه الزاوية  أكثر من أربعين عاماً ، ثم تابعت كتابات الكاتب جورج إبراهيم الخوري وزاويته الشهيرة ” كلام الليل ” ، عدا عن مذكرات المشاهير التي كانت تُنشر على حلقات ، أذكر قرأت مذكرات عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم وغيرهم –  وكانت مجلات دار الصياد قد أصبحت تصل شهرياً –  كنت اقرأها بنهم ،من الغلاف الى الغلاف .
في عام 1983 نشرت مجلة الشبكة لقاءاً مع  الفنانة المصرية نادية لطفي التي كانت في بيروت أثناء الحصار عام 1982 ،واستطاعت نادية لطفي  أن تسجل عشرات من أشرطة الفيديو وتلتقط المئات صور من داخل الحصار ، حيث عاشت مع المقاتلين والناس في تلك الفترة العصيبة  ، وأكدت خلال المقابلة أنها ستقوم باستغلال تلك الصور والأفلام للقيام بفلم وثائقي عن حصار بيروت .
قرأت المقابلة مع الفنانة نادية لطفي ، أثناء تواجدي في مكتبة ” البشارة ” وتأثرت به ، خاصة أن هناك الكثير من الفنانين كانوا أثناء حصار بيروت يعيشون حياة اللهو والبذخ واللامبالاة، عدا عن صمت العالم  العربي والغربي الذي هيمن على الأجواء السياسية والشعبية ، فلم تتحرك الشوارع العربية على القصف والجوع والقتل .
كتبت رسالة للفنانة الملتزمة بالقضية الفلسطينية  نادية لطفي  وشكرتها على تضامنها واختراقها الحصار بتلك الشجاعة النادرة ، أرسلتها على عنوان مجلة الشبكة في القاهرة ، وفوجئت بعد أسبوعين بدعوة من  الصحفي ورئيس تحرير المجلة في القاهرة  الصحفي “سليم أبو الخير ” بإرسال  دعوة لزيارة مدينة  القاهرة حيث أحل ضيافة على الفنانة نادية لطفي التي تأثرت برسالتي ، وضيفة على مجلة الشبكة ودار الصياد، والتقيت بالفنانة  نادية طفي التي تحدثت كثيراً عن الحصار وعن بيروت والبطولات التي قام بها الأهالي والمقاتلين والأشبال وأطفال الا بي جي  .
المثل الشعبي يقول  ” جبل على جبل ما بلتقي بني آدم على بني آدم يلتقي ”  سافرت   ضمن مجموعة و كانت معنا امرأة مسنة صديقة لوالدتي،  وخلال انتظاري وصول بعض الصحفيين من دار الصياد في قاعة الفندق ، دخل الصحفي سليم أبو الخير، بعد السلام والسؤال عن الأحوال ، وإذ هذه المرأة  المسنة تقف وتهرع وتحتضنه ، وتردد .. ولك سليم ..!! ولك سليم !! وما أن نطقت باسمها حتى احتضنها وتبين أنها كانت جارتهم في مدينة جنين قبل عام 1948  وأخذ يبكي وهو يردد اسمها لأنها ذكرته بوالده ووالدته .. وتركني وجلس الى جانب الجارة التي لم يتوقع رؤيتها بعد تلك السنوات الطويلة ، وفتحا معاً أبواب النكبة وكيف تشردت عائلاتهما ،  وكيف عمل صحفياً لدار الصياد  في اليمن والجزائر والسودان ثم استقر في القاهرة ، سنوات غزيرة ليس في التجربة الصحفية والسياسية ، بل غنية بالحزن والفقدان والتشرد والألم الفلسطيني المحمل بالخناجر والطعنات ، وكانت ليلة فلسطينية بامتياز ، ليلة دموع وقهر وأسماء غابت ، كتبت بعد ذلك  عن تلك الليلة تقريراً نشرته آنذاك في مجلة الشبكة . ونشرت أيضاً عشرات التقارير والأخبار والقصص والقصائد في مجلة ” الشبكة ” .
اغلاق ” دار الصياد ” قد يؤشر الى حالة عربية ثقافية بائسة ، أو وضعاً سياسياً لبنانياً غارقاً في التناقضات ، أو مرحلة عربية تنزلق الى القاع المحير والمثير للاستغراب والذهول ، أو .. أو .. لكن لا أنسى أن دار الصياد  شكلت مطبوعاتها ثقافة أجيال عربية ، أنا منهم ، قد يقول البعض أنها كانت خاضعة لإجندات حزبية و سياسية لبنانية متخبطة ، في النهاية اغلاقها أكداس من الظلمة تضاف الى أكوام الظلمات والظلم .
أنظر الى الوراء أغلقت مكتبة البشارة ، بوابتها الحديدية  صدئة والجنزير الذي يتدلى من وسطها صمت ولم تعد تسمع رنينه  ، لا أحد يتذكر أن هنا في سوق الناصرة القديم كانت منارة علمية وأدبية ، تدعى مكتبة البشارة ، ومات الصحفي سليم أبو الخير وماتت جارتنا  ، وآخر مرة التقيت فيها مع الفنانة نادية لطفي أكدت أنها لم تجد أي جهة تتبنى مشروع الفلم الوثائقي عن حصار بيروت ، والصور والاشرطة ملقاة في المخزن .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة