سوق عكاظ في الأمم المتحدة – بقلم : تميم منصور

آراء حرة ….
تميم منصور – فلسطين المحتلة …
خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة والتي تعقد مرة كل سنة – اذا لم تكلف بالانعقاد بصورة طارئة –  خلال هذه الاجتماعات تتحول هذه المؤسسة الدولية القوية والضعيفة في آن واحد الى سوق عكاظ خطابي سياسي ، يتبارى ويتنافس عشرات الخطباء ، كل واحد منهم يمثل دولته . من هذه الخطابات ما هو استسلامي ضعيف مشبع بالنفاق ، خاصة لامريكا وغيرها من الدول ، ومن بين هذه الخطابات ما يكون متزناً قوياً رصيناً معبراً ، ينم عن التحدي للقوى العالمية المهيمنة .
كل السنة لا بد أن يكون هناك وجوهاً تقف على شفرة التحدي، مثلاً هذه السنة الخطاب الذي القاه الرئيس الايراني ، حيث تحدى فيه الغطرسة الامريكية ، وأبلغها ان ارادة الشعوب لا تكسر .
لكن بكل أسف نقول بأن غالبية القادة العرب الذين تحدثوا منذ سنوات سابقة، وهذه المرة داخل هذا السوق عكست خطاباتهم مواقفهم وشخصياتهم المتآكلة الهشة ، عبروا في كلماتهم عن طاعتهم للمحور الامريكي ، كما عبروا عن عجزهم وخداعهم لانفسهم ولشعوبهم ، أوكلوا الحكم على ما تحدثوا به لامريكا وليس لشعوبهم ، وقد أعدوا اعلامهم لاجترار ما جاء في هذه الخطابات لنفخها مع أنها خالية من كل مضمون ، نستثني من هؤلاء وزير خارجية سوريا ، احدى دول محور المقاومة ، فقد تحدث بلغة المجرب القوي الرافض للاستسلام ، المدافع عن حقه في الاستمرار بمحاربة الارهاب ، وتحرير الجولان المحتل .
أما كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس  فقد كانت المفاجأة للهشاشة والدوران في دائرة الضعف ، حتى أن بعض المواقع سارعت  الى نقل ما قاله وزير خارجية فنزويلا الذي عبر عن حزنه عندما استمع الى خطاب محمود عباس رئيس دولة فلسطين ، فهمس في اذن زميله متسائلاً : هل من جديد في خطاب عباس ، ماذا يريد ؟ كما ان الوزير الفنزويلي انتقد السيسي لأنه لم يذكر فلسطين ومأساتها في خطابه .
حقيقة ان خطاب رئيس دولة فلسطين لم يكن على مستوى الأحداث ، ولم يصل الى قاع المأساة التي يعيش بها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة  وفي الضفة المحتلة ، وفي كل مكان اجمع الكثيرون من أصدقاء الشعب الفلسطيني على ذلك  ، حتى ان صحيفة ” هآرتس ” الاسرائيلية كتبت مقالاً  في عددها الصادر يوم الجمعة تحت عنوان 28/9 ( هكذا لا يمكن بناء دولة ) وصف هذا الخطاب بأنه ضعيف هزيل بعيد عن اية روح ثورية ، لا يمثل مطالب شعب يطالب منذ خمسة عقود ونيف من الاحتلال ، مقال لا يوحي ويقر قيام هبة شعبية وانتفاضة مقبلة ، لأن المتحدث غير معني بذلك ، ونسي أو تناسى ان الحق ينتزع ولا يُعطى .
والشيء بالشيء يذكر، فخطاب محمود عباس في الأمم المتحدة ، ذكرنا بخطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، من فوق المنصة ذاتها ، في شهر تشرين الثاني عام 1974 ، لقد اعتلى ياسر عرفات منصة الأمم المتحدة قوياً شامخاً ، لأنه كان لا يزال يمسك الثوابت التي تحدد مصير الشعب ، وقف وفي يده الكثير من آليات الضغوط والقوة التي يملكها الشعب الفلسطيني  مثل قدرته على الاستمرار بإشعال فتيل الثورة  في كل مكان ، وقف ياسر عرفات  وهو يدرك بأن القضية الفلسطينية تحتل الأولويات من الاهتمام في اذهان الشعوب العربية وغير العربية .
اعتلى عرفات المنصة لإسماع صوت فلسطين لأول مرة ، ليس من داخل مغارة أو موقع عسكري بل من فوق اهم منصة دولية عالمية ، الجميع رأى به ثائراً قبل ان يكون سياسياً  يرتدي زي الثورة ، وأهم ادواتها على خاصرته . لا زالت كلماته خالدة اشتقها من قاموس جمال عبد الناصر عندما قال أمام الملأ أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنقاتل و سنقاتل ومن رمز الثورية جيفارا  والبطل كاسترو ، والجنرالات السوفيات الذين قاتلوا في مدينة ستالينغراد .
عند خطاب ياسر عرفات كانت قاعة الاجتماعات غاصة بالحضور وممثلي الاعلام ، الكل جاء يسمع رمز فلسطين لأول مرة في التاريخ ، اضطر العالم الى سماع هذا الصوت الذي يجمع ما بين القوة والسياسة .
وقف متحديا الصهيونية ومن يقف وراءها وقال موجهاً حديثه الى رئيس الجمعية : جئتكم سيدي الرئيس : أمسك بندقية الثورة في يد وأمسك في اليد الثانية غصن الزيتون رمز السلام ، ردد هذه العبارة ثلاث مرات قائلاً ( لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي يا سيادة الرئيس ) لا زالت هذه العبارة محفورة في أذهان العالم حتى اليوم .
اذا قارنا خطاب عرفات مع خطاب محمود عباس الأخير وغيرها من الخطابات ، نترحم على انفسنا وقياداتنا .
مضى على خطاب عرفات 44 عاماً ، تراجع خلالها الشعب الفلسطيني بدلاً من أن تتحسن حالته ويحصل على المزيد من الانجازات ، الشعب الفلسطيني أصبح الوحيد في العالم الواقع تحت الاحتلال ، يلعب بمصيره الدول العربية والدول الغربية وجامعة الافلاس العربي ، وقياداته المتباينة.
أجمع كل المراقبين أن خطاب عباس ما هو الا تكرار لخطاباته السابقة ، خطاب يعبر عن حالة الافلاس وفقدان البوصلة ، لأن القيادة الفلسطينية فرطت بالكثير من الثوابت الضاغطة الهامة ، تخلت عن المقاومة المسلحة بعد اوسلو ، وبعد الانتفاضة الأولى والثانية رفعت شعاراً مبهماً  الدعوة للانتفاضة الشعبية ، لكن كيف ؟ لا أحد يعارض الكفاح السلمي ، ولكن يوجد قواعد وأسس ومعايير لمثل هذا النضال ، من ينادي بها عليه ان يفتح لها الآفاق ، عليه ان لا يقمع المظاهرات المعارضة ، عليه ان لا يتعاون مع الاحتلال ، الانتفاضة الشعبية كلمة حق لكنها لا زالت مع وقف التنفيذ .
أعلن في خطابه أنه على استعداد للعودة  للمفاوضات السؤال  مع من ؟ على أن تكون تحت مظلة دولية ، هذا حلم ، انها اقتراحات سريعة الذوبان كما يذوب السكر في حليب فاسد ..لا أحد يهتم بها .
حاول ان يستل من سلة الثوابت المتبقية بين يديه ، التراجع عن الاعتراف باتفاق اوسلو ، الكل يعرف بأن هذا التهديد أجوف  وان عباس عاجز عن تنفيذه ، وان الأوصياء عليه في الجامعة العربية لم ولن يسمحوا له بذلك .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة