نزعة الالتزام في مجموعة قصص ” كبرياء” القصيرة جدًا لمؤلفها سعيد مقدم أبو شروق – بقلم : سعيد اسماعيل

اصدارات ونقد ….
بقلم: سعيد إسماعيل _ الأهواز ….
الملخص
سعيد مقدم كاتب وقاص أهوازي، قد اقترن اسمه بالقصة القصيرة جدًا في أوساط المجتمع الأهوازي، له مجموعة قصصية قصیرة جدًا تحت عنوان “كبرياء” وقصص أخرى منتشرة في مجلات أدبية وعربية. الأدب الملتزم، هو أن يحمل الشاعر أو الأديب هموم الناس الإجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية وأن يقف بحزم لمواجهة ما يتطلبه هذا الأمر، ويصل إلى حد إنكار الذات في سبيل ما التزم به، ومن خصائص الأدب الملتزم الصراحة والوضوح والإخلاص والصدق والإستعداد من أجل التضحية في سبيل هذه المبادئ، وأن يتحمل تبعات ما يؤمن به وألا تغريه المغريات وألا يرهبه الترهيب. في هذا المقال یحاول الباحثان أن يدرسا و يبينا بأسلوب تحليلي نزعة الالتزام في المجموعة القصصية القصيرة جدًا “كبرياء” للكاتب القاص سعيد مقدم، هذه المجموعة القصصية تتشكل من مائة وخمسین قصة، جُل مضامين هذه القصص مضامين إنسانية نابعة من أعماق إنسان يعيش المعاناة والحرمان، ومن خلال عناوين القصص يمكن للقارئ قبل الباحث أن يستلهم الالتزام والقيم والمبادئ التي يؤمن بها الكاتب ونادرًا ما نجد في عصر الحداثة والإنغماس في الذات عزوفًا مثل هذا العزوف عن الذات وتماهياً وانصهاراً مع معاناة الإنسان المضطهد بشكل إنساني وبلغة بينة وصريحة دون أن يغازل ظل الظالم وبعيدًا عن الإنتماءات الفكرية أو اعطاء وصفات وحيانية للتخلص من هذه المشاكل، بل يُظهر المشكلة ويترك التحليل للقارئ اللبيب.
الكلمات الرئيسة : الأدب الملتزم، القصة القصيرة جدًا، كبرياء، سعيد مقدم.
المقدمة
الالتزام قد وجِد في الأدب منذ القدم، و لكن تختلف مستویات مفهومه من ثقافـة إلی أخری ومن زمن إلی زمن؛ حیث الظروف تلعب دورًا في تحدیده وتأطیر مستویاته؛ لكنه حدیثًا یُعرّفون الأدب الملتزم، بالأدب الذي یحمل هموم الناس الإجتماعیة والسیاسیة ومواقفهم الوطنیة وأن یقف بجزم لمواجهة ما یتطلبه هذا الأمر. فهناك اختلاف بین الأدب الملتزم والأدب الملزم، إذ یقول أحد الكتّاب إن«الأدب المُلزَم هو أدب محض “بایدیولوجیة”؛ أما الأدب الملتزم قد یرتبط ارتباطًا وثیقًا بالقیم الإنسانیة وقد كان مواكبًا للفكر وتاریخه عبر العصور القدیمة وكذا نابع من أعماق النفس البشریة»(العرباوي، د ت: 5). فبهذه المقولة اتضح لنا أن البون شاسع بین الأدب الملتزم والمُلزم. وهناك رأي حول الكاتب «ولیس الكاتب بكاتبٍ لأنه اختار التحدث عن بعض أشیاء، بل لأنه اختار التحدث عنها بطریقة معینة» (سارتر، د ت: 24). فأهمیة الأسلوب لا تقل من أهمیة الكتابة وقد تكون أهم علی الأرجح، بل هي المعیار لتَقییم الكتابة. ونفس هذا الكاتب له رأي آخر حول الكاتب «فإذا تكلم فإنما یصوب قذائفه، في مِكنَتهِ الصمت، ولكنه إذا اختار أن یصوب فیجب أن یكون له تصویب رجل یرمي إلی أهداف، لا تصویب طفل علی سبیل الصدفة مغمض العینین ومن دون وعي سوی السرور بسماع الدوي».
(المصدر نفسه، د ت.23-24 ). هل یصح القول كما یقول بعض الكتاب بأنهم یكتبون لأنفسهم، إذن ما الجدوی من إشراك الناس بكتاباتهم وأیضا لماذا یكتبون أموراً یمكنهم أن یعیشوها متی ما أرادوا. «إذن لیس بصحیح أن المرء یكتب لنفسه، وإلا كان ذلك أروع فشل. وإذا شرع المرء في تسجیل عواطف نفسه علی الورق، فمبلغ جهده أن یستدیم هذه العواطف في نفسه وهي واهیة ضعیفة».
(المصدر نفسه، .د ت. 49). هل الالتزام هو أن يؤید الأدیب الفكرة دون أن يسعی وراءها أو یكون ملتزمًا بالمبادئ التي یكتب عنها.«الإلتزام لیس مجرد تأیید نظري للفكرة، وإنما هو سعي إلی تحقیقها» (العرباوي، د ت: 4) هل يأتي الأدب الملتزم فی سیاق أوامر وتوجیهات أو أنه یُظهر الجوانب المرادة ویدع القارئ أن یفكر ویتخذ القرار بنفسه. أشار إلی ذلك محمد أمین العالم
بقوله: «إن الأدیب الملتزم فكرًا وتنظیمًا لا ینعكس التزامه في أدبه في شكل واجبات وأوامر وتوجیهات بل في عمق إبداعي أصیل» (كاظم، د ت: 2). إن الكثیر من الأدباء والكتاب الذین تعتریهم نزعة الالتزام، قد يكون نتاجهم يشوبه العاطفة الجیاشة فبذلك نتاجهم لا يثمر ذلك الثمر المطلوب من شجرة الالتزام «لأن العواطف القویة المشبوبة لا یمكن أن تصحب الخلق الفني، لأنها تعوق التفكیر والتأمل اللذین یستلزمهما إلی العمل الفني» (ساتر، د
ت: 49). والباحث من خلال هذا البحث يرید أن یبين نزعة الالتزام في مجموعة “كبرياء” القصصية القصيرة جدًا للكاتب سعید مقدم( أبو شروق) ومحاولة فهم رؤیته للأمور من خلال قصصه القصیرة جدًا ويدرس في تحلیل توصیفي لدراسة مجموعة مختارة من قصصه، التزامه الذي شمل الإنسان بشكل عام و مجتمعه بشكل خاص.
القصة القصیرة جدًا في الأدب العربي لا يزال الحديث عنها لم ینته ولم تحسم الآراء لتحدید ماهیتها، فهي ما بین رافضٍ ومؤيد لها ولكل من الطرفین آراؤه وهناك مَن لم يعط رأیه في هذا النوع من الجنس الأدبي الجدلي، فمن یرفض هذا الجنس الأدبي یستدل بأنها تنحدر من القصة القصیرة، ومن يؤید هذا الجنس الأدبي یقول بتمییز هذین الجنسین وأن للقصة القصیرة جدًا سمات وأركاناً تتمیز بها عن باقي الأجناس الأدبیة الأخری؛ منها: «الحكائية، الحجم القصیر جدًا، التكثیف، التنكیر، فعلیة الجملة، الدهشة، المفارقة، الحذف، الإضمار، انتقاء الأوصاف، الإقتضاب، الومضة والشذرة» (جمیل حمداوي، 2016: 23). هناك شروط لا تكون ثابتة في القصة القصیرة جدًا بل ثانویة تشترك فیها مع الأجناس الأدبیة الأخری؛ مثل: «التناص، التفاعل، انفتاح الجنس، الإستعارة، الأنسنة، التشخیص، الأسلبة، الإیحاء والإنزیاح» (المصدر نفسه، د ت: 23). ومما لاحظنا أن بعض الآراء تقول بأن هذا الجنس الأدبي لیس وافدًا جدیدًا وأن قِدمته  قِدم الإنسان نفسه؛ «لم تكن القصة القصیرة جدًا نصًا أدبیًا طارئًا لأنها وجِدت مع وجود الإنسان علی البسیطة؛ كما تجلت في النقش والمثل والحكمة والطرفة والخاطرة وغیرها».
(حسین المناصرة، 2015: 10).
التعريف بالكاتب
ولِد الكاتب القاص سعید مقدم المكنی بـ “أبو شروق في المحمرة _الأهواز عام 1971 ودرس الصف الأول الإبتدائي في مسقط رأسه ثم هاجر مع أهله بعد ما اندلعت الحرب إلی قری مدینة الجراحي ثم إلی الأهواز حیث تابع دراسته هناك. رجع إلی المحمرة بعد أن وضعت الحرب أوزارها، امتهن مهنة التدریس في دائرة التربیة والتعلیم بمادة الریاضیات. تعلم اللغة العربیة بجهود ذاتیة. كتب القصة القصیرة جدًا وأجناس أدبیة أخری. صدر له مجموعة قصص قصیرة جدًا بعنوان “كبریاء” عام 2016 وأیضًا كان حَكمًا في مسابقة فصلية للقصة القصیرة لدورة یونیو 2016 التي أقیمت في الكویت وأیضًا كان حَكمًا في مسابقة مثيلة أقیمت في مصر عام 2013. قد نُشرت له قصة في كتاب “كنوز القصة” الذي طُبع في مصر واحتوی بین دفتیه قصصًا من 115 كاتبًا من أقطار عربیة شتی عام 2015. جُل قصص سعید مقدم تحمل هموم الإنسان بشكل عام ومجتمعه بشكل خاص، و إنها مليئة بمفاهیم عمیقة. وإن كان القارئ المبتدئ قد یظن أن قصصه سهلة إلا أنه لا شك في امتناعها، وبإمکان القارئ المتمعن أن يُلاحظ أن القاص قدم المعنی علی المبنی، والمضمون علی الجمالیة اللفظية. القاص عمل جاهدًا لإیصال رسالته وتجنب إضفاء آرائه الشخصية بل تكلم في أمور لا یمكن ردها؛ بل یتفق علیها كل إنسان ذي وعي.
عن خلفية بالبحث هذا، لوحظ أنه لا توجد أي دراسة أو مقالة أو رسالة جامعية كتبت حول أدب هذا القاص؛ لكن هناك الكثیر من الدراسات والمقالات والطروحات الجامعية التي كتبت حول القصة القصيرة جدًا والأدب الملتزم والالتزام في الأدب؛ علی سبیل المثال نأتي ببعض منها: جان بول سارتر في كتابه “ما الأدب” تناول الالتزام في الأدب ویُعد هذا الكتاب من أهم الكتب التی تزق الأدب الهادف أو الأدب الملتزم. رجاء عید في كتابها “فلسفة الالتزام في النقد الأدبي بین النظریة والتطبیق” وقفت عند حدود معنی الالتزام لدی الواقعیین الاشتراكیین والوجودیین. محمد حسین هیكل في كتابه “ثورة الأدب” تطرق إلی الطغاة وحریة القلم والأدب والأدیب. رئیف خوري في كتابه “الأدب المسئول” یعتقد بأن ینبوع القوة في الحركة الأدبیة إنما هو الشعب وإلتزام الكاتب وعنایته به. ثم هاجر العرباوي في كتابها “موقف الالتزام والإلزام من الأدب” تحدثت عن الفرق بین الالتزام والإلزام.
دلالة العناوین في مجموعة  “كبرياء” القصصية القصيرة جدًا مُتتبعو القصة القصیرة جدًا یعرفون جیدًا أهمیة العناوین. اختیار العناوین للقصص القصیرة جدًا لم یأتِ اعتباطیًا وإن ظن الکاتب إن الأمر کذلک، إذ یفكر أحیانا أنه اختار العنوان عفويًا، لأن «العنوان يُعد في أي خطاب إبداعي دلالة سیمیائية محورية» (حسین المناصرة، 2015: 10). إختیار العناوین للقصص من قاموس مفردات الكاتب الذي اختزن في ذاكرته أو بالأحری الأمور التي أخذت حیزًا من فكر هذا الكاتب هي المشرحة لتكون موضوع القصة أو العنوان، لأن أول ما یتبادر إلی ذهن الكاتب هي الكلمات الرئيسة للفكرة التي یرنو إلیها أو التي شغلت ذهنه؛ أي أنه یكتب عن المُفَكر فیه ولا یتصدر قصصه إلا المُفكر فیه وإذا أمعَنّا في عناوین الكثیر من القصص لوجدنا أن بالإمكان أن نُرشح عناوین أخری أكثر انسجامًا مع النص؛ لكن تحدید هذه العناوین یرتبط إرتباطًا وثیقًا بطریقة تفكیر الكاتب واهتماماته. سنلحظ علی سبیل المثال؛ لا الحصر، هذا الأمر في أحد العناوین من مجموعة قصص “كبریاء” القصیرة جدًا.
امرأة
حاصرها الفقر من كل الجهات،
قاومته،
صرعها، صرعته، صرعها ثانية ….
كان نزالا صعبا ….. أوشك أن یسقطها؛
لكنها انتصرت علیه؛
وولّی هاربا یجر أذیال الخیبة والهزیمة.
(مقدم،  سعید، 2016، 18)
هذه القصة تصور لنا حیاة امرأة تعیش حالة صراع مع الفقر؛ صراع مع طاغیة خضعت له رقاب الكثیر. لكن هذه المرأة خاضت سجالاً مع هذا الوحش وتغلبت علیه بقوة شخصیتها وإرادتها. عنوان القصة هو “امرأة” من سیاق النص یفهم القارئ بكل سهولة أن الحديث عن امرأة. في هذا النص یمكن للكثير من العناوین أن تكون عنوانًا له؛ مثل سجال، صراع، عزیمة، انتصار، الفقر وغیرها من العناوین، بسبب سجالها في مواجهة الفقر أو صراعها الدائم معه أو عزیمتها التي جعلت العدو یجر أذیال الهزیمة. هنا لسنا بصدد مناقشة العنوان الذي ینسجم مع النص بل بصدد تبیین دلالة العنوان المختار. فعنوان “امرأة” لنص بهذا المضمون یحمل أكثر من تأویل، عندما الكثیر یقدم ما یقدم لیتخلص من الفقر، أناس یُحسب لهم. تجد امرأة تدخل الحرب معه وتهزمه. هذه المرأة علی الأرجح هي المرأة المثالية التي خلقها الكتاب في عالمه، امرأة لا تستكن للفقر ولا تشكو بل تناضل. دلالات هذا العنوان رسالة للذین باعوا أنفسهم لیتجنبوا مواجهة الفقر وما یصحبه من كوارث. فربما أراد الكاتب أن یقول هذه هي المرأة، المرأة التي يراها البعض كما ينسجم وفكرتهم لا كما يليق بها وبدورها في الأسرة و المجتمع. فقصة “امرأة” قصة هادفة تظهر التزام الكاتب في النضال من أجل الكرامة والقیم والمبادئ وأن الظروف مهما كانت صعبة لابد من الثبات والعزیمة.
حقول العناوین في مجموعة “كبرياء” تنقسم إلی عدة أقسام بین حقل الإنسان والمشاعر والممارسات والتصرفات والظواهر والأشیاء.
حقل الإنسان؛ مثل: أب، امرأة، الواعظ، أرملة، الفلاح، الكاتب، اللص، أم، حبیبتي، داعية، شاعر وغیرها.
حقل المشاعر؛ مثل: كبریاء، حسرة، العلو، الصبر، رجاء، خبث، خیال، تأثیر، عقدة، كبت، أمنية، الحرية وغيرها.
حقل الممارسات والتصرفات؛ مثل: إغواء، جریمة، صلة، براعة، تراجع، ثبات، توار، ثورة، رعاية، صفعة وغيرها.
حقل الظواهر والأشياء؛ مثل: الحبل، الراتب، القطار، العلبة، أشياء، ولیمة، القناع، حمامة، ألوان وغيرها.
في مجموعة “كبریاء” تكثر الدلالات في القصص فلا یمكن الاعتماد علی العناوین كثیرًا لفهم مضمون القصص وتحدیدها تحدیدًا كاملًا لأن الكثیر من عناوینها كنائية أو كلية بحيث تلفت انتباه الأشخاص الذين یحملون نفس اللقب الذي تحدث الكاتب عنه؛ مثل “داعية” و”شاعر”(مقدم،2016، 91،66) البعض من العناوین يلقي التهكم بفعلة شخصية القصة؛ مثل “التزام”( مقدم، 2016، 52). ومما لوحظ في المجموعة أنه لا توجد ظاهرة جلد المجتمع أو النقد القاسي في المجموعة ومما يُلحظ أن الكاتب صوَّر الكثیر من القصص لأشخاص قد قدمهم إلی المتلقي لیكونوا أسوة، فضرب لنا مثلًا في الأدب الملتزم من خلال العناوین والمضامین كما أشرنا إلیها سالفًا.
القصة الناقدة والقصة المُحَفِّزَة والقصة المأساة:
بعد قراءة متمعنة للقصص في مجموعة “كبرياء” يظهر للقارئ أن القاص نقد بعض الظواهر المذمومة التي تخالف المبادئ والقيم وأما القصص المحفزة فتظهر فیها رسالة واضحة وجلية وأن الكاتب حاول تقدیم الأسوة في هذه القصص، ولقصة المأساة حظ وفير لأن المآسي تحيط بالمجتمع الأهوازي بشكل ممنهج، سَنورِد في دراستنا مختارات من هذه التقسیمات الثلاثة بغیة تحلیلها.
القصة الناقدة:
هي القصة التي تنقد عملًا ما أو ظاهرة ما بغية إظهارها أو إصلاحها. مستوی النقد ونوعه في هذه القصة یختلف بإختلاف القناعات والثقافات والانتماءات.
نقاد القصة القصیرة جدًا صبّوا جُل اهتمامهم علی القضایا الفنیة والتجنیسیة لهذا الجنس الأدبي ولم یهتموا كثیرا بالتقسیمات المضامینية له. القصص النقدیة في مجموعة “كبریاء” تصب في دائرة الأدب الملتزم والذي یرنو إلی الإصلاح والبناء لا النقد الضيق الذي ینظر للمجتمع من ثقب الباب. نأتي بأمثلة منها:
الواعظ
تَرَجَّلَ عن سیارته الفخمة وتقدم الطابور وأمر الخباز أن یناوله خمسین خبزة.
كان صوته مبحوحًا؛ البارحة كان یخطب فینا حتی منتصف اللیل حول مراعاة حقوق الآخرين.
عندما ننظر للعنوان والنص یتبین لنا السر الكامن في هذه العَنوَنة، الصفة الأكثر رواجًا بین الوعاض هي الإزدواجية، مظهر علی المنبر وآخر في الواقع المعاش؛ «كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» (الصف/ 3). القاص لم یدخل في الصراع مع الدین أو الوعظ نفسه، بل نقد المتشدقین بهما زورًا، لأن المأمول من الواعظ أن یكون الأسبق في تطبیق ما یقوله وإن المرء سفیر عقیدته بفعله ولیس بقوله.
السمات الفنية: غلب علی القصة الأسلوب التقریري.
الكاتب
أراق دم القلم لكتابة مقال؛
اعتُقِلَ بتهمة القتل.
(مقدم، 2016، 22)
قصة ناقدة أخری تصور لنا بإیجاز بلیغ جدًا ما یتعرض له الكاتب في مجتمعه.
الكاتب والقلم والاعتقال هذه الثلاثية دائمًا مرافقة الكتَّاب الذین یلتزمون بقضایا مجتمعهم ونقاشه. سعید مقدم (ابو شروق) یقدم للقارئ حقیقة ما یكابده الكتَّاب الملتزمون الذين نذروا أنفسهم لمجتمعهم وما یعانیه، فهؤلاء الكتاب هم من بواسطة أقلامهم یتحررالمجتمع مما یعانیه. «الفنان یتصدی لمشاعر القلق والظلم والتمزق وغیره مما أصبح سمة عصرنا، وهو مع ذلك وفي كل ذلك لا یتمثل ذاته بقدر ما یتمثل ذوات الآخرین الملتصقین بلحمه وعظمه وهو یضمد جراح الانسانیة» (رجاء عید، 1988: 6).
السمات الفنیة: الاقتضاب والحذف و الإستعارة.
القصة المُحَفِّزة:
هي تلك القصة التي تحمل في طياتها مبادئ وقیم انسانية أو تروي لنا جانبًا من شخصیات ناضلوا من أجل غاية نبیلة. الجانب الإنساني في هذه القصص هي الغالبة وإذا نراجع الأدب القصصي نلاحظ أن القصة المُحَفزة شأنها شأن القصة الناقدة في قضية المفاهیم المستفاد منها في طرح القضایا؛ ربما في ثقافة ما یُحَفَّز أمر ما و لكن في ثقافة أخری لا یُستحسن هذا الأمر، إلا الأمور التي يُتفق علیها مثل القضايا الإنسانية كالصدق، العدالة، الاحترام، الحب، الحرية وغيرها، فالقصة التالية تكون منتخبًا ممتازًا
لها:
رصید
أشبعها حبًا، سُجن لفترة طویلة، لم تستطع التحرشات أن تُخضعها…
مخزون حبه یكفیها إلی أن تنتهي محكومتیه.
القصة تتحدث عن حیاة ملؤها الحب والحنان، سُجن الرجل لأسباب، عندما یكون الحدیث عن التحرشات بالنسبة لزوجة سجین فعلیك أن تتصور الكثیر من الأمور، بدءً من حضورها لرؤیة حبیبها في السجن إلی ما تتعرض له من مآسي في المجتمع، طالما تلك النظرة المشبعة بالجهل، التي تزید المرء علی ما یلاقیه من الآم موجودة، غیر مفرقین بین الأسباب التي أودت بالشخص إلی السجن، فهي رغم كل ما تلقته من مآسي متشبثة بحبها…
السمات الفنية: بداية القصة استخدم أسلوب التكثیف والنهایة كانت تقریریة.
قصور
في وسط الزحام حضنتني،
قبلتني بحرارة وشمَّتني بشهیق طویل: لِما هذه القساوة یا ابن أخي؟ منذ أعوام وأنت لم تزرني؛ لم أقل لها أنك مخطئة؛ بل أضفت إلی برنامجي الأسبوعي زیارة عمتي الجديدة.
(مقدم، 2016، 93)
قصة هادفة أخری؛ تتحدث عن موقف یحدث لشاب مع امرأة متعبة شبه علیها الأمر فظنت أنها رأت ابن أخیها؛ فراحت تقبله وتعانقه وتعاتبه. تفاعل الشاب مع العجوز في اللحظة، بل وضع زیارة هذه العجوز ضمن واجباته الأسبوعية مسميًا إیاها عمته الجديدة، ما حدث في هذه القصة حالة إنسانية بإمتیاز وأن المتلقي یشعر في صميم قلبه أن الحیاة فيها ما یستحق الأمل لتكون أجمل.
السمات الفنية: غلب علی القصة الأسلوب التقریري.
القصة المأساة:
هي القصة التي نهایتها تكون مفجعة وتكون مؤثرة جدًا في نفس المتلقي لِما تحمله من كم هائل من العاطفة التي تلامس دواخل الإنسان لأن الإنسان بشكل طبیعي یتفاعل مع القصص التي تثیرالحزن والأسی تاركة أثرها البالغ فيه.
سعید أبو شروق حاول أن یرسم لنا بعض المآسي التي یعیشها المجتمع.
جزاء
حرص أن یزوجها في مكان مریح ولعریس یستأهلها، ولهذا رفض الكثیرَ من شباب القرية الذین تقدموا لخطبتها، وأصر علی أن یزوجها في المدینة.
الیوم عندما زارها بعد طول فراق، جهمته؛ وبعد أن شیعته ببرود، حممت أطفالها، غسلت سجادها، عقمت بیتها … .
(مقدم، 2016، 57)
رجل یحاول أن یزوج ابنته في مكان فيه الرفاهية والمال، رفض العدید ممن طلبوا یدها من شباب القرية، تزوجت في المدینة كما أراد لها، ذهب لیراها عاملته ببرود، إنه جزاء ما رمی إلیه، لم یكن یرقب بمن خطبها من أبناء القرية لأنه یری أنهم لا یستحقون الزواج منها، أنه عُومِلَ بالمنطق الذي عامَل فيه الآخرین، لكن المأساة هي أن التي عامل الناس من أجلها بذلك النحو هي بدورها عاملته بنفس المنطق، قد یكون جزاء تفكیره هذا الذي تلقاه من ابنته، فهو الذي أراد لها هذه الحیاة، ربما تعریفه للمكان المریح كان خطأ.
السمات الفنية: بداية القصة كانت تقريرية إلا أن النهاية استخدم أسلوب التكثيف.
أب
خاطبت أمها وهي تضم دمیتها المتهالكة إلی صدرها بقوة:
لقد تم العزاء وقلتِها بلسانك أن أبي لن یعود ثانية فمن یشتري لي الدمية التي وعدني بها؟!
الیوم عاد أخوها ذو السبعة أعوام متأخرًا من المدرسة……یحمل حقیبته وعلبة.
سطرت هذه القصة القصیرة جدًا “أب” معاناة ومأساة شریحة غیر قلیلة في المجتمع، عائلة مُعدَمة؛ الأب یرحل تاركًا زوجته وبنتاً صغیرة وابناً في السابعة من عمره. البنت الصغیرة لم تدرك معنی رحیل والدها سوی الوعد الذي واعدها أن یشتري لها دمية جدیدة غیر دمیتها المتهالكة، الأم تعي ما ینتظرها من مَشقَّات وشدائد في تأدیة ما علیها من واجبات، أنها لا تزال مفجوعة لرحیل رفیق حیاتها، الأخ ذو السبعة أعوام یسمع حدیث أخته، الیوم الآخر یرجع متأخرًا من المدرسة حاملًا حقیبته وعلبة؛ العلبة دائمًا كانت رمز الفقر في المجتمع الأهوازي، أصبح مشهد الأطفال والنساء الذین یجمعون العلب من الضواحي مشهدًا مؤلمًا یعصر الضمیر الإنساني، یبدو أنه أخذ علی عاتقه أداء وعد أبیه. هذا هو ظاهر النص، لكن الحقیقة هي أن هذا الطفل لبس تاج الرجولة مبكرًا، أنه وقف في بداية طریق محفوف بالأذی والحرمان، أذی عمالة الأطفال والحرمان من أن یعیش طفولته كما یجب أن یعیشه أي طفل في مثل عمره.
السمات الفنية: أسلوب القصة تقريري إلا أن نهاية القصة اقتضاب واختزال شديدان.
النتیجة:
بعد دراسة مجموعة قصص “كبریاء” القصیرة جدًا، والإتیان بمنتخبات من هذه المجموعة وتحلیلها تحلیلًا وصفيًا وبالإعتماد علی خصائص الأدب الملتزم أو المسؤول أو الهادف، ومما لوحظ في هذه المجموعة القصصية أن نزعة الالتزام استغرقت كل القصص إلی أبعد مدی، سنذكر بعض الخصائص التي تثبت الالتزام في أدب سعید مقدم ( أبو شروق).
1.قصصه التي ترسم معاناة المجتمع من فقر وحرمان وفقدان للعدالة وأن الكاتب لم یكن انتقائيًا في طرح المعاناة بل كان شموليًا بعیدًا عن الذاتية.
2. لم یكن طوباوي الفكر وإن همه لم یكن كما وقع فیه الكثیر من الأدباء حول أمور وجدانية شخصية لا تغني ولا تسمن ولا تنفع إلا للفضفضة بل تحدث عن أمور مسكوت عنها وقد یجدها الكثیر غیر لائقة لتملئ أوارقهم الأدبیة لِما فیهم من نزعة الفن للفن.
3. تحدث عن قضایا مجتمعه الهوویة وما یعانيه كتاب شعبه من تهمیش وإقصاء.
4. وأما قضية العصر الشائكة التي أصبحت من مستلزمات كل من مسك القلم وكتب، هي قضية المرأة، كتب عن المرأة في كثیر من قصصه لكن برؤیة خاصة تختلف كل الاختلاف مع من كتبوا عن المرأة في الأدب العربي، لم یكن یشغل فكره قضایا المرأة المزیفة المصطنعة بل تحدث عن كرامتها، قوتها، تأثیرها، وعن نضالها، وأنها تهزم الفقر بعزیمتها، لا كما ذهب الكثیر یبرر ضعفها أو بالأحری یرسخ لهذا المفهوم المزعوم.
5. لم تقرأ قصة من هذه المجموعة إلا و فیها رسالة إما لنقد مذموم أو تحفیز مطلوب أو رسم مآسٍ لم یلاحظها إلا القلائل من ذوي النباهة.
المصادر والمراجع:
القرآن الكریم، سورة الصف، آية3.
عید، رجاء، فلسفة الالتزام في النقد الأدبي، مصر، منشأة المعارف، 1988.
جان بول، سارتر، ما الأدب، مصر، نهضة مصر، د ت.
العرباوي، هاجر، موقف الالتزام والإلزام من الأدب، جامعة أبوبكر بقايد، د ت، تلمسان الجزائر.
كاظم، حامد، الالتزام في القصیدة العربية الأندلسیة، د ت، جامعة واسط، العراق.
حمداوي، جمیل، القصة القصیرة جدًا وإشكالیات التجنیس، المغرب، 2016.
المناصرة، حسین، القصة القصیرة جدًا، (رؤی وإشكالیات)، الأولی، الأردن، عالم الكتب، 2015.
مقدم، سعيد، كبرياء،( 2016)، الأهواز، هرمونیطیقا للنشر والتوزیع، النشر جمعية الهلال الثقافية، الطبعة الأولی.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة