الأقنعةُ في المسكوت عنه : نصوص (أسماء غريب) إنموذجاً..! بقلم : د . وليد جاسم الزبيدي

اصدارات ونقد …..
د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق…..
-المقدمة/
تصمتُ الدلالاتُ والاشاراتُ عند ثيمات في النّص العربي، وتوضعُ لها قيوداً وحواجز، أو خطوطاً حمر، عبر عصورٍ مختلفة، فتتيبس وتتحجرُ الصور ، وتنصاعُ المعاني في بوتقة الانجماد والجمود، مما يفُقدُ المُنتج بهاءهُ ورونقهُ ولمعانهُ الشكلي والمضموني. وقد أخذت في الآونةِ الأخيرة أقلامٌ ورؤىً تفرضُ حضورها لتذيبَ جبال الجمود والتحجر، وتكسرُ خطوطَ وحدودَ ما سكتتْ عنهُ آلهة التقديس .
في ظاهرةٍ حداثويةٍ ، استهوتْ المتابعين والقلقين على مسارات الحرف، والشعر العربي، بدأت ورش وفعاليات التجريب والبحث في قصيدة القناع، وقد ظهرتْ –عندنا- في العراق في بواكير ستينات القرن الماضي(العشرين) ، وقد أدلى النّقادُ بدلوهم في الكتابة والجدل والنقاش والتحاور، في قراءات مختلفةٍ وآراءٍ متباينة للشعر الستيني العراقي، وتعتبرُ –وقتها- تكادُ مغامرةً خطيرةً لتأسيس ظاهرةٍ أدبيةٍ نقديةٍ في (قصيدة القناع).
-القناع ودلالته:
القناعُ والمقنعةُ ، من بين الأغطيةِ التي اتخذتها المرأةُ للرأس والوجهِ معاً، والقناعُ ما تقنّعث المرأةُ من ثوبِ يغطّي رأسها ومحاسنها، ويبدو أن الرجالَ شاركوا النساء في لبس القناعِ ، حيثُ اعتبرَ بالنسبةِ لبعض طبقاتِ المجتمع العباسي من الألبسة المهمّة لطبقة الشّطار(لسان العرب: 1/ 175).
وارتبطَ القناعُ لفترةٍ طويلةٍ من الزمن ومنذ فجر التاريخ بالطقوسِ الدينية التي كانت تقامُ في المعابد في الدرجةِ الأولى، حيثُ كانتِ الأقنعةُ تستعملُ في الطقوس الدينية، وتُعتبرُ النشأة الأولى لفجر المسرح.
ثم كان الاشتغالُ بالأقنعةِ عاملاً مساعداً في التأثيرِ المسرحي بين الشعوبِ البدائيةِ، وكان القناعُ في المسرحِ اليوناني تقليداً ورمزاً يصاحبُ الشخصية المسرحية، وكذلك الحال في العرض الإغريقي في وظيفتهِ المزدوجة التزيينية والرمزية (تاريخ المسرح، فيتو باندولفي، ترجمة: الأب ياس زحلاوي:98).
وقد اشتغل في مضمار (قصيدة القناع) من أستاذتنا وزملائنا النّقاد منهم على سبيل المثال لا الحصر، (فاضل ثامر-مدارات نقدية، وسعيد الغانمي- أقنعة النّص، جلال الخياط- الأصول الدرامية في الشعر العربي…وغيرهم الكثير). وكان الاشتغال في شعر (عبد الوهاب البياتي) و(صلاح عبد الصبور) ومنها دراستي المطبوعة( قصيدة القناع في شعر صلاح عبد الصبور-سنة 2012م/ كتاب أوراق ورأي سنة 2015م-دار كنوز المعرفة/ الأردن).
-نصوص الشاعرة (د. اسماء غريب):
لقد طلبتُ منها اختيارَ خمسة نصوصٍ، فأرسلتْ ( موسى يستيقظ، ثلاثةُ مطارات، لا أحدَ في الحانة، في غرفةِ الإنعاش، ماءٌ وريشٌ وشجرة). وأنتَ تقرأُ النصوص ستتابعُ تدفقاً لغوياً، مصحوباً بهارموني متناسق من انثيالات وانشطار معانٍ، بل أن للحرف والجملة، بنوعيها (الخبرية، والإنشائية) التي جاءت وفق صيغ من الالتفات البلاغي لم تخرجْ من البناءِ الهندسيّ للموضوع وفق مقاييس لمْ يخرجْ في ظلالها الترهل أو الحشو، بل جاءتْ المقاطع متّزنةً متوازنةً، تمثّلُ حالاتِ القرار والجوابَ الموسيقي، وهي بمجملها تولدُ من عباءة التصوّف حيث نفحات وشطحات (الحلّاج) وفصص حكم (ابن عربي)، وسكرات (الشيرازي). ونأتي على دراسة النصوص:
1/ نص ( موسى يستيقظ):
حين نبدأ بعنوان النّص (موسى يستيقظُ)، فمعنى (موسى) بالعبرية، هو المنقذ، فإذن نحن أمام أطروحةٍ جديدةٍ وفلسفةٍ تتحدثُ وتُبنى خارج النّص القرآني، بتأويلٍ وبناءٍ تأريخي جديد، يحتك ويحتكم للجدل والصراع الفكري بين ما كان موجوداً ومحكّماً، وبين المتخيل الذي يرادُ منهُ أن يكون. ومن خلال إحصاء اسم (موسى) فقد تردّدَ (21) مرّةً في سور مختلفة في القرآن الكريم. كما وردت إشارات عن قصة سيدنا موسى(عليه السلام) في سور( البقرة، المائدة، الأنعام،الأعراف، الأنفال، يونس، ابراهيم، الإسراء، طه، الفرقان، القصص، العنكبوت، غافر، الزخرف، الدخان).
إذن تنطلقُ الشاعرةُ بعباءةِ وبروح التّصوف، في بناءٍ هندسيّ عرفاني حديث ل ـ(موسى) جديد، طفلٌ أحمر، وليس طفلاً فرعونياً، ( إنّك يا موسى لستَ ذاك الطّفل العبرانيّ)، ولماذا (الطفلُ الأحمر)، لأن دلالته: يدل اللون الأحمر على الطاقة والحرب والقوة والعزم، والطفلُ الأحمر دلالةُ الطفل القوي والحيوي، الدافىء والاجتماعي، وهو أيضاً يعني الطاقة والقوة والعزم؛ كما أن له علاقة كبيرة بالعاطفة لدى الإنسان مثل الحب والرغبة الشديدة بشيء ما، يجذب اللون الأحمر الانتباه أكثر من أي لون آخر، ولذلك يتم استخدامه في بعض الأحيان للدلالة على وجود خطر. ويستمرُ النّصُ لينتجَ تاريخا جديداً، (والعصا البيضاءُ في يدي /وما انتبهتُ إليْها يوماً / ولا أنا هششتُ بها على غنمي)، البناء المغاير للنص القرآني في المعنى والانزياح، العصا التي تخرج بيضاء، بانعكاس الدلالة القرآنية التي ينضوي فيها، أن لها مآرب أخرى، واليد التي تخرج بيضاء، فانزياح البنية في توليد صورةٍ تحملُ منحىً في ثيمةٍ جديدة، تنمّ عن فكرٍ يفكك ثم يعيد صياغة الصورة نحو مجرىً يحيط النّص ويُعلي من مقدرته في تشظي سيرورة الصورة، ثمّ تغلي مراجل الذات، فما يكون(موسى) إلا القلب، الذي ينبض، وما قصر فرعون الإ البدن، و(رمسيس) العقل، و(هامان) النّفس، أنهُ كائن جديدٌ مركّبٌ، مؤتلفٌ مختلفٌ. ثم تنتجُ عن هذا الكائن الجديد لغاتٍ لابدّ أن تكونَ معادلةً في ضوء التكوين وتفعيل اللغو واللسان والخطو، تنتجُ عنهُ لغاتٌ لا لغة واحدة، إنها خمسُ لغات!، وكأنّ النّص ومنْ يديرُ أدواتهِ يعلن لنا بضوء الابهار، أن هذا المخلوق/ الكائن، هو كل اللغات، يتقن ايصال رسالته الكونية لجميع المخلوقات، فهاهي : لغةُ العلم، فلغةُ المعرفة، لغةُ الكشف، فلغةُ الحبل والزئبق، ثم لسان الغراب والحيّة والعقرب. أمرٌ عجيبٌ وفي غاية التحدّي والجنون، أن تسير بين هذا الجمع، وكيف جمعَ النّص بين لغات تقرب وتبعد، ثم لماذا كل هذه اللغات؟؟ ولماذا اللغات وبعدئذٍ يضع لسان الغراب والحية والعقرب، في خاتمة اللغات ولا يشير إليها النّص كونها لغة؟؟ اللسان لا يكون من غير صوت ونطق وكلام، أما اللغة فقد تكون بلا صوت ولا نطق ولا كلام!
ورسالةٌ أخرى في النّص تنبّه المتلقي أن (رمسيس) لم يغرقْ، قد يكون قد غرقَ جسداً، لكنهُ حيّ فكراً، في نفوس وحياة كل جسد، لعلّهُ يصلُ الى الأسباب!!؟؛ ((وقالَ فرعون يا هامان آبنِ لي صرحاً لعلّي أبلغُ الأسباب)) سورة غافر: الآية 36.         نعم أن (رمسيس) و(رع) والسحرة والثعابين، ما زالوا في أبداننا وعقولنا، يعيثون فيها فساداً، لكنّ لي عصاي التي تفرّق هذا البحر المتلاطم من الخيانات والإسقاطات، وحُكّام الصدفة، والمارقين، هذه العصا التي ادّخرتْ هي الخلاص، نحو ولادة مخلّص أو منقذ سيستقيظُ فينا..!
هذا هو صوت القناع، (قناع موسى)، الذي جعلت صوتهُ يعلو على صوت الشاعر، ليكون هو الراوي، وهو منْ يحاور ويدير كل الدوائر، يهدم، ويبني، يصحو، ليتم مشوار الخطوة، القناع الذي جعل النّص، في بناءٍ تصاعدي، يؤسسُ لحكايةٍ مغايرة لما عهدنا، تمس الفكر، وتجعله أمام علاماتِ استفهامٍ تتطلبُ إشارات وإيحاءات ورموز، تومىءُ لرسالةٍ مفادها نحنُ… نحنُ ما علينا وكيفَ نكون؟؟ وأين نمضي..؟ وما علينا فعله لتهيأة أسباب ولادة ، أو، استيقاظ لموسى..؟!!
2/ نص (ثلاثةُ مطارات):
نص يعطي للوهلة الأولى في عين وحس المتلقي كأنهُ يتنقل في مطارات العالم، (بين طائرةٍ تقلعُ/ وأخرى تنزلُ/ وبين قطارٍ ينوحُ/ وآخرَ يضحك/ وبين قافلةٍ تعودُ/ وأخرى ترحلُ/..) التنوّع التراسلي، والتداولي، في منصات الترحال والسفر، وبوسائط مختلفة ومتنوّعة، تجعلها صوراً متسارعة، بسرعة الصوت والضوء، تمر شريطاً سينمياً، ليقتفي الخطو، والحقائب، والحنين، والاغتراب.. ولكن كيف؟؟ والى أين..؟ ومع منْ؟…إنها همسةٌ تقولُ (أيقنتُ أنني ما أحببتُكَ وحدي/ وإنما أحببتُكَ وحدك..) زادُها في رحلتها الحرف، وزادها ما أوحى إليها عقلها وقلبها، ثم تنكشف السماء لتتوضح الصورة ، فتغدو المطارات، فإذا بها ثلاثةٌ: (مطارٌ فيهِ وُلدتُ/ وآخرَ فيهِ عشتُ/ وثالثٌ رأيتُ فيهِ الخلاّن/ وهم يواروني التراب)..!؟
تجعلنا الشاعرةُ نعيشُ جدليةَ رحلةٍ، وتعني الرّحلةُ هنا نظاماً ثقافياً ودينياً، بتنوّع الرموز والعلاقات التي ولّدها النّص، وما انطوتْ عليهِ من تمظهرات في تنوّع الرّحلة بين ما هو دنيوي وديني.
ما لروعةِ هذا السبك، وما لجمال هذه التورية، حيث تحيل المطارات والقطارات والقوافل، كلها تؤدي الى مراحل حياتها الثلاث، الولادة فالعيش، ثم الموت، أنها رحلة الانسان عبر حدود هذه الدنيا، وهو يستخدم أدواته وامكاناته حسب كل فترة عمرية يمر بها، ليصل الى النهاية..؟ ثمّ تتوسّل بحس صوفي جليل مهيب ليتدفق الحنين (ونورٌ هو أنتَ / يا منْ لا أحدَ سواهُ / دلّني على الطريق / والمطار والطائرة) هكذا تنهي النّص بالاستشراق العرفاني، النوراني، للخلاص من التيه والوصول الى الطريق/ الحقيقة، بواسطة مطار وطائرة، أي بعمل ينقل الروح في مصاف الهائمين ولهاً بالعشق الإلهي.
أنهُ سفرُ الروحِ في البحثِ ، لا عن سر الخلودِ، أو عُشبةِ (جلجامش)، أو في رحلةِ آدابا نحو الإله آنو في السماء، أو هي رحلة الآلهة أنانا/ عشتار الى أريدو،   بل البحث عن طريق الهّدي والهداية ، والنجاة ، وهو الطريقُ إلى الله..!
فهنا كان القناعُ يشي بأدوات وسُبل معرفية، اتخذت من الجانب الحياتي المعروف المتداول لدى المتلقي، لترتقي به شيئا فشيئاً نحو رقصةٍ مولوية، تدورُ به فيرتفع رويدا رويدا نحو عوالم الروح التي تنفض عنها أدران الأرض لتسمو وتحلّق.
أنها صورةُ (بورتريه) يحتكمُ بها النّصّ وفق منظور تأمل الأشياء في تحوّل وتحويل هذا الفراغ الهائل، والكمّ من وسائل وتقنيات ليبثّهُ في منظورٍ فكري وعقلي يساهمُ في محاكاة ومحاورة النشأة الأولى ثم المصير، وهكذا نلحظُ هنا قد كشفتْ الشاعرةُ عن قناعها الذي اختارتْهُ للترميز وفق نمطٍ فلسفي جدلي، ليعلو صوتها هي، لا صوتَ القناع في مسألة( الحيا-موت).
3/ نص (لا أحدَ في الحانة):
يشتغلُ في هذا النّص عنصرُ (الفُجأة، المفاجأة)، صورٌ وأحداثٌ تغتلي تتغيّرُ دونَ سابق إنذار، الحانةُ؟ نون الحانة، (نون والقلم ومايسطرون)، والنون، نحن في نقطة النون .. النقطة هي الأصل والبقية من الدوائر والأكوان التي تدور حولها صور وظلال .. كل ما يحيط بالنقطة ظلال لها     .
فهذا الحرف مكوَّن من النصف السفلي لدائرة، ومن نقطة هي مركز هذه الدائرة نفسها. وهكذا فإن نصف الدائرة السفلي هو أيضًا على هيئة الفُلْك الطافية على المياه، والنقطة في باطنه تمثِّل جرثومة الحياة المحتواة في الفُلْك أو المغلَّفة بها؛ وموقع هذه النقطة المركزي يبيِّن، إلى ذلك، أن المقصودة في الواقع هي “جرثومة الخلود” أو “النواة” التي لا تهلك، فتنجو من التحلُّلات الخارجية كافة. والنون هي رمز (الحوت)، التي وردت في (القرآن) في قصة سيّدنا يونس (عليه السلام). النون هنا لغةٌ زئبقية، وضعتها الشاعرةُ لتجعلنا نغيّر تشكيل المفردة واللفظ والصوت، كما في العاب الميكانو، وما يجدرُ أن تكون ؟، النونُ هنا بما تحملهُ من دلالات في حروف الهجاء ، فهي تمثل الحرف (الرابع عشر) في كلتا الأبجديتين العربية والعبرية، وشكلها أي رسم نصف القوس من الأسفل تحوي، كفُلْك نوح على حدٍّ سواء، جميع العناصر التي ستفيد في إعادة بناء العالم بعد الطوفان.
الحانةُ، هي الحياة، النون والياء، وما يعنيان؟؟، (الياء) حرفُ النداء، ودعاء(يا الله)، وهو حرفٌ أساس في آية الكرسي(الحي، القيّوم، يعلم، كرسيه،العلي، العظيم).
المرآة، هي الروح التي تعكس كل صور المشاعر والاحاسيس، بعدما كانت ترى( المطربون، الشعر، الغناء، الأب، الصحبة، ملوك آشور وسومر، وملوك مصر العليا). ثم ( ولا أرى أحداً..!)، هذا الكم الجمعي المؤتلف المختلف ولا أحد؟، ( لا أبغي سواك)، (الفناءُ فيك)، (البقاءُ بك)، (لستُ سواك)، كي تكون (أنا)، هكذا حالُ تصوّفها الذي اختطّ درباً ومنهجاً وسلوكاً لم يُطرقْ من قبل –على الأقل لم أطّلعْ بتجربتي المتواضعة منْ سلكَ هذا السبيل-.  وهي قد طلّقتِ(الحانةَ) بالثلاث، فقد رفضت ما عرضوا عليها (العِلم) لأنهُ يغلفهُ السحرُ وتزيّنهُ الطلاسم، ترفضُ (المُلك)، لأنّهُ زائل، فأين ملوك آشور وسومر ومصر العليا؟، ورفضتْ (الحُكم)، لأن لا حكمَ إلا حكم الله، وقد بُليتْ وامتُحنتْ (اختباراً منكَ في العشق..) فتقول: ( إنّني لستُ سواك)، (وإن كثُرتْ حقائبي الصّوفية / وتعدّدتْ ألواني/ أو اختلفتْ تجلياتي).
القناعُ كان المكان، الناطق بكل وسائل اللهو والطرب، ومغريات الحياة، التي يعلو صوتها وما تعتملُ فيه من شخوص وحيوات، ليعلو صوت الشاعرة (ولا أرى أحداً) و( أنني لستُ سواك).
4/ نص (في غرفة الانعاش):
النصّ موتٌ سريري، حالةٌ من الغثيان واللاشعور بافكار ومعتقدات في حال مغشى عليها، ترى كلّ شيء دونَ أن تنبت ببنت شفة، تتشكّلُ المسمياتُ والفضاءاتُ تدورُ بأجنحةٍ وريش، إذن هي رحلةٌ لروحٍ محلّقةٍ في الأرجاء، فهي ترى الأحباب والاصدقاء وتعرف ما يدورُ حولها، ثم تتعدّد الأجنحة وتتعدّدُ فعالياتها ، الأجنحةُ الاستبرقية، أجنحة حمر، الأجنحة الزرق، ولكلّ دلالته، (وأرى تلك العيونَ السّبعَ فوقَ ريشك..)، وما هي إلا نفَسٌ وروح، (ثمّ نسيتُ كلّ شيء/ نسيتُ ما النّفسُ/ ونسيتُ ما الروحُ…)، وينتهي النّص لتخبرنا (ولا أتذكرُ شيئاً/ سوى أنني كنتُ ذاتَ يومٍ مثلكم/ بأجنحةٍ وريش.).
5/ نص (ماءٌ وريشٌ وشجرة):
الماءُ هو ثيمة النّص، وهو القناع الذي يتحرّك، ويروي ويسطر الاحداث، الماء بقدسيته في مختلف الأديان، (الماء الحي)، (رأيتُ الماءَ/ عرشاً من نور)، (رأيتُ الماءَ الحيّ/ جيوشاً مدجّجة)، (رأيتُ الماءَ الحي/ يدوّي كالرّعد)، (رأيتُ الماءَ الحيَ/ وجهاً يبكي) ، هذه صور الماء، التي تتقلّبُ، وتتفاعل، وتعطي حكاية تتصاعد هرمونياً، ( أنّني كنتُ أنا هذا الماء/ وذانيكَ الرّيش والزّيت/ وتلك الشجرة/ وكذا الصّبيةُ الفاتنة).
كانت بكل هذه الأقنعة تتحرك، وتتحدث، وتفعل ، فالماء مقدّس، والزيت، والشجرة لا شرقية ولا غربية، وهي النور، والريش.. كل ما هو مقدس في المأثور تطرقهُ كي تؤسسَ قاموساً، وفلسفةً، وبنيةً تختلفُ عن الآخر، باسلوبٍ تقول هذه (أسماء غريب)، التي جعلتنا نحلّقُ مع حروفها وصورها،نصوصٌ جعلتْ مفرداتها وألفاظها تدورُ في صوفيّات دلالات( الماء، النور، الريش، الزئبق).
ولا ندري إن كنّا قدْ فهمنا ورسمنا بعضَ الصورة أو اللوحة التي رسمتها، أم أنّنا وضعنا خربشات، قد يأتي منْ يفكُّ طلاسمَها، ولكنْ إنْ أصبْنا فنحمد الله ونحمدُ الشاعرة التي جعلتنا نمسكُ خيوطَ نسجها، أو أخطأنا، فنحنُ انتفعنا من هذه القراءة واستمتعنا على قدْرِ عقولنا ومعرفتنا.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة