“ترامب وإيران بين عقلية المقامر وطواحين الهواء” بقلم : بكر السباتين

آراء حرة …..
بقلم : بكر السباتين …
من الصعب بمكان التنبؤ بتوجهات المقاول الذي اعتاد على موازنة المصالح وفق مبدأ الربح والخسارة.. وخاصة حينما يتصف بعقلية المقامر التي تعتمد على المراوغة والذهاب بعيداً إلى الخيارات المتوارية خلف الأحداث ومعطياتها للظفر بصفقة رابحة تطل برأسها خارج حدود التوقعات.
من هنا يمكننا قراءة طريقة تفكير الرئيس الأمريكي ترامب التي لا تعير المركز (الدولة العميقة) اهتماماً مقدساً ما دام الهامش يمتلك معطيات صفقة مربحة ما..  ومن الطبيعي أن توصف مثل هذه السياسات على أنها ذات انعطافات مربكة لآليات اتخاذ القرار في الدولة العميقة التي يتشكل منها الاتحاد الفيدرالي الأمريكي بكل مؤسساته المركزية والمستقلة.
وحتى نفهم سياق المقدمة ينبغي تتبع أهم القرارات التي يقف وراءها ترامب، وانعكاسات ذلك على مجمل السياسة الأمريكية وتفاعلاتها على صعيد العالم وخاصة الشرق الأوسط المليء بالأزمات وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي حسم ترامب أمرها وفق خطوات جريئة من خلال إطلاق مقامرة صفقة القرن، ومن ثم نقله السفارة الأمريكية إلى القدس وهو القرار الذي صدر منذ عام 1995، وظل يؤجل تباعاً كل ستة أشهر إلى أن تم تنفيذه عام 2018 في عهد المقامر ترامب.
أضف إلى ذلك ما نتج عن مؤتمر هلسنكي الذي عقد بين ترامب وبوتين حيث جاءت خلافاً لكل التوقعات؛ مما عرض الرئيس الأمريكي لهجوم من قبل الدوائر السياسية والإعلامية في أمريكا، والتي قزمت من مكانة ترامب أمام خصمه الدب الروسي.. ولكن عقلية المقاول لدى ترامب وصفت معطيات مؤتمرهلسنكي بأنها كانت مربحة، لا بل وتتوافق مع تطلعاته كرئيس يبحث عن مكتسبات جديدة لأمريكا.. ومن ذلك عدم اعتراضه على وجود الرئيس السوري بشار الأسد لأطول فترة ممكنة وهو من أهم مطالب بوتين، ناهيك عن عدم الإشارة إلى ملف أزمة القرم وقضايا أخرى.
ولعل من أهم ملامح سياسة المقامرة التي يتبعها ترامب هي تعاطيه مع ملف الأزمة الكورية الشمالية.. وذلك من خلال فتح أبواب الحوار مع كيم إيل جونغ وقد قامر في ذلك بمكانة أمريكا في بحر الصين، ولكن من خلال عقلية المقاول كانت صفقته مربحة بحيث تمت تسوية النزاع بين شطري شبه الجزيرة الكورية، حتى يتفرغ للمواجهة الاقتصادية الكبرى مع العملاق الصيني.
وفي ذات السياق كان صفقة ترامب الخليجية هي الأكثر ربحاً وتجاوزاً للتقاليد الدبلوماسية المعمول بها في السياسات الخارجية التي تحكم العلاقات بين دول العالم، وفق الشرعية الدولية..  فقد داس الرئيس الأمريكي على تلك المبادئ، وظفر بمئات المليارات من احتياطي النقد السعودي والإماراتي على شكل صفقات سلاح استنزفت أموال السعودية، أيضاً دفعه الأمير محمد بن سلمان باتجاه بيع 5% من أسهم أرامكو كي يعزز الموقف المالي لخطة التمية (20- 30).. لكن صفقته السياسية التي أشرف عليها كوشنر فيما يتعلق بصفقة القرن كانت الأكثر استثماراً وفائدة لأمريكا والتي جيرت معطياتها الافتراضية الطموحة لصالح “إسرائيل”.
واليوم يغامر ترامب في كسر قاعدة التعامل مع إيران وعليه أن يواجه في أتون هذا الخيار الصعب الدولة الأمريكية العميقة.
فمنذ أسابيع لوح ترامب بفرض عصا الطاعة على الخصم التقليدي له المتمثل بإيران، مهدداً بمنع دول العالم من شراء النفط الإيراني، وقد استجابت كل من السعودية والإمارات لطلبه بزيادة انتاج النفط لتعويض النقص المحتمل، بهدف ضرب البنية الاجتماعية وإفشال مشاريع التنمية الإيرانية الشاملة بالتنسيق مع أطراف صفقة القرن وعلى رأسهم “إسرائيل”. ولكم يأتي الرد الإيراني بما لا يشتهي ترامب من خلال ذراعة الحوثي في اليمن، وذلك بقصف إحدى نافلات النفط السعودية بصاروخ أصاف هدفه عند مضيق باب المندب؛ لذلك قررت السعودية ممثلة بأرامكو وقف تصدير النفط مؤقتاً عبر المضيق.. والذي تم التراجع عنه فيما بعد.. وكانت التوقعات قد ذهبت إلى تصاعد المواقف بين الخصوم نحو حرب خليجية محتملة سماها روحاني ب”أم المعرك”؛ لكن المفاجأة أخذت المراقبين في الاتجاه المعاكس تماماً، إذْ أعلن ترامب عن رغبته الجادة بالتفاوض غير المشروط مع إيران.. ومن المعروف بأن اللقاء المنشود فيما لو تم وفق الأجندة الأمريكية، سيقوم على عدة مطالب لعل أهمها تحييد موقف إيران تجاه الكيان الإسرائيلي، وفرض مديات قصير للصواريخ الإيرانية بحيث لا تطول العمق الإسرائيلي، وخروج إيران من سوريا بالإضافة إلى إيقاف الدعم لحزب الله الذي يقلق “إسرائيل”، والحوثيين الذين افشلوا مهمة التحالف العربي في اليمن.. ومن ثم العودة إلى الاتفاق النووي.
وفي الحقيقة أن هذا التوجه الأمريكي نحو فتح حوار غير مشروط مع إيران أحرج المكانة الأمريكية لدى حلفائها في المنطقة، نظراً لأن الرد الإيراني عبر عن رفضه لهذا المطلب الأمريكي؛ لأن الدوائر السياسية في إيران تخشى التعامل مع دبلوماسية المقامرة التي تتحكم بسياسة الرئيس الأمريكي الخارجية.. من جانب آخر فاجأ هذا الطلب اللحوح أطراف صفقة القرن وأثار امتعاضهم بما فيهم “إسرائيل” والسعودية والإمارات.
وتجدر الإشارة إلى أن إيران لا تثق بنوايا الثعلب الأحمر ترامب، وتعتقد بأن توجهه إلى الحوار الغير مشروط إنما ينطوي على مطالب من شأنها لو فرضت على الطرف الإيراني سوف تزعزع أمنه واستقراره. هذا على الرغم ما يوجهه هذا المفترح من معارضة في صفوف الجمهوريين في الكونغرس الأمريكي وحلفاء أمريكيا في الشرق الأوسط، ما يوحي بوجود معارضة كامنة لسياسة ترامب إزاء إيران.. ومن هنا تتبلور معطيات مغامرة ترامب غير المحسوبة العواقب، بحيث تتضارب حولها الرهانات.
ويطرح السؤال نفسه: لماذا لم يكن الحوار مع إيران مطلباً استراتيجياً عربياَ بدلاً من محاربة طواحين الهواء! وفي نهاية المطاف ستفرض الإدارة الأمريكية على الدول العربية قراراتها.. لماذا اعتماد سياسة الجعجعة بلا طحن وطريق الحوار سالكة لمن يبتغي الأمان في منطقة أنهكتها الصراعات وتعثرت فيها التنمية.. عجبي..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة