ثرثرة في الحب – عشوائيات فكرية للتامل – بقلم : د سمير محمد ايوب

فن وثقافة ….
د. سمير محمد ايوب – الاردن …
وسطَ مشاغلي في عيادتي الخاصة وفي المشفى، كُنتُ أدركُ أنَّ الجحيمَ هو ألا تُحِبَّ وألا تُحَبْ. و إنْ كان في الحبِّ لوزُ مرٌّ، فَإنَّ الحرمانِ منهُ لوزٌ أمَرُّ. ومع هذا، كنتُ أحسِدُ كلَّ من يملكُ وحدَهُ، قلباً يًرَوِّضُه. ويملكُ فيه وحدَهُ حقَّ الفرحِ والغضبِ والأنين.
إلتقيتُها في ردهات مشفى الأملِ في عمان، حيث عادت للعمل، بعد إنتهاء إنتدابها في اليمن. قبلَ ربعِ قرنٍ، تخرَّجْنا سويَّةً من الجامعة نفسها، إخصائيةُ أورامٍ خبيثةٍ، وأنا جرّاحُ عظام.
ما زالت كما عهدتُها ونحن طلبة، حياةً طازجةً تسري على قدمين. لسانأ دافئا طريفا. عينين وشفتين مبتسمتين بأناقة. مَحَطَّ جذبٍ نبيلٍ لإنتباهٍ وإعجابِ كلّ من يراها من الرجال.
تعدَّدَتْ خلالَ أشهرٍ ثلاث، على أرصفة الحبِّ لقاءاتُنا. خِلْتُ فيها أنها ما خُلِقَتْ إلا لتكونَ مصدرَ سعادةٍ ليَ وحدي. ذات مساءٍ، كانت تجلسُ قبالتي على حافة البحر، وفناجيل القهوة بيننا، ما أنْ أتم الأطرشُ رائعته: إنت إلِّلي كُنتِ بَدَوَّرْ عَليك، منتشيا أبعدت فناجيل القهوة جانبا. لأحتضن كفيها الأنيقين. وهمست لعينيها بكل ما إحتبسَ في دواخلي من حنان: غيَّرِت كثيرا مِن حياتي، حتى صارت أجمل. صمتَتَ مُطَوَّلاً وهي تناظِرُني وعينيها تدمع. فتزوجنا على عجل.
أفرطتُ في حبي لها ، وفي أحلامي معها. إنشغلنا بالخوفِ منَ الحسد، دون أن نعملَ الكثيرَ مِما يستحقُّ أن نُحْسَدَ عليه. فنحن بعد محاولات حثيثة طيلة عامين لم نُنْجِبْ. إمتصَّنا العمل. تفاوتت إهتماماتُنا. وتباعدت لقاءاتُنا الحميمة. ذبلت اللهفةُ وفرَغَت من كلِّ مُشترك. أشرعتِ المعاناةُ أبوابَها، لتعثُّرِ الفهم والتفهم، لنفاذِ التطنيش والصبر وضمورِ الغفران. باتَ واقعُنا يؤرِّقُ أحلامي بالظنون. فتزداد مشاعري غَفْوَةً، حتى خِلْتُها ذاتَ يومٍ ماتَتْ. لَمْ يَقتُل حبِّنا أحَدٌ أو شئٌ. ومع هذا بَتْنا نعيشُ الفراغ.
هجَرَتْ فِراشنا المشترك منذ عام. وصار ما يُقلقُ كبرياءَ عقلي إستثنائية تأنُّقِها، وتفشي الحديثُ الفاترُ بيننا. أدمنتُ إقناعَ عقليَ بما أملك من وسامةٍ، وبما حوليَ من بدائل، أنني لستُ بحاجةٍ لها. وقلبي يُقنعني بأنني مهما نأيتُ عنها بأوهامي، فإني سأدنوَ منها من جديد.
رغمَ إحتراسي من ذكرياتِنا المشتركة، لم يتوقف الوجع عن زياراته، وخاصة في تواليَ الليل، كلُّ ليلٍ تلوح لي وأنا أتفيأ ظلال بساتينها. أستسقي جداولها، وأشَنِّفُ آذاني بخريرِ مياهها. والآن، وقد هَجَرَتْ بيتَنا منذُ أشهرٍ إلى بيتِ والدها، يُلِحُّ عليَّ عقلي بأسبابٍ لأتركَها، فيُعطيني قلبي ألف سببٍ لِلإستمرار.
تابعتك يا شيخي عبر برنامجك الأسبوعي في التلفاز. بحثت عنك حتى جئتك الآن، بسؤالٍ قد يبدو سخيفاً أو غريبا. هل صحيح أنَّ أكثر من حبٍّ كاملِ الدَّسمِ، قد يتساكنانِ أو يتشاطئانِ في قلبٍ واحدٍ سليم؟ أيقبلُ القلبُ التبعيضَ والتجزأة أو ألفرز كالارض المشاع؟
كنتُ وإياه نجلس في صحن مسجد الجامعة الأردنية، حين رُفعَ أذان العصر، فقمنا نستعد لصلاة الجماعة، على أن نُكملَ الحديثَ في وقتٍ لاحق. للحديث أكثر من بقية…
 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة