حمى الخيبة – قصة : بكر السباتين

القصة …..
قصة بقلم : بكر السباتين ..
“حمّى الخيبة”، هكذا كان يسميها كلما داهمت جسده الواهن.. إذْ تتحكم بخطواته المتراخية الوئيدة، وتستمطر جبينه العالي عرقاً من شدة الغليان، وقد استلب عقله اليقظ إلى حالة شديدة من الهذيان.. الخبر الصاعق أدمى روحه فتحول من وقعه إلى مرجل تتبخر في أتونه الأفكار المتوازنة..
بكل بساطة هذا الرجل المصدوم يتحول في لحظات عصيبة إلى ديك مذبوح أخذت تنتفض فيه الروح الملوعة وهي تكابد مشقة البقاء في ضمير صاحبها بينما أرض الأقصى تميد من تحته كأنه عربيد تتخاطفه متاهات الطريق وترهقة الخيارات.
هذا ما شعر به الحاج عبد الجواد الذي قضى جلّ حياته مرابطاً في الأقصى أو منتفضاً ضد جنود الاحتلال في أتون حرب ضروس لا تنتهي . وها هو يتسحب بطوله الفارع، غير آبه بالعباءة التي انحسرت عن كتفيه وتكومت من خلفه ” ماذا دهاك يا رجل” الكل كان منشغلاً عنه بالدفاع المستميت عن القدس.. لذلك تسلل عبد الجواد خارجاً دون أن يشعر به أحد.. يبحث عن خلوة تتيح له الفرصة لمراجعة إيقاعات الخبر على حياته.. كرامته.. ذاكرته المتجذرة في الأمكنة كالسنيانات المتجذرة عميقاً في باحة المسجد..تجاوز صحن المسجد حتى صار في ظل السنديانة الأقرب من المّوْضَأة حيث كان يتمترس المرابطون في باحة المسجد ضد قطعان المستوطنين المدججين بالسلاح.. دارت الأسئلة المقلقة في رأسه واستلبه الهذيان، في الوقت الذي باغتت عينيه غشاوةٌ سرعان ما أخذت تنجلي رويداً رويداً.. وما أن جلس على حافة الحوض الحجري المحيط بساق السنديانة الهائلة التي زرعها الأجداد ذات يوم، حتى تنفس بارتياح وانتظمت أنفاسه، لكن الخيبة عاودته من جديد حينما تذكر الموقف العصيب الذي داهمه قبل قليل، حتى انتفخت أوداجه واحتقن الدم في جفنيه فبدت وهي تحيط بعينية الزائغتين كأنها كدمات تسببت بها المواجهات المتعاقبة مع جنود الاحتلال في كل المواقع.. وراح يطمئن نفسه بعبارات خادعة عرجاء متعثرة كخطواته الوئيدة حينما لا يتوكأ على عصاه:
تباً لك يا عبد الجواد..
لا تصدق ما قاله الشيخ أبو الدرداء الذي نقل إليك الخبر!
تريث قليلاً قبل أن تقتلك الرهانات على عودة يوسف..
المسألة لا تتعلق بابنك الذي تخاطفته الدعايات لتحاصر عقلة وتطوح به إلى مهالك الشقاء كجيفة تأنفها الأنفس المتعففة.
وكانت العبارات تتسابق إلى طرف لسانه، فيطبق عليها أسنانه كاتماً غيظه:
أبو الدرداء جنى عليك يا يوسف..
وكأنك تتناسى بأن العدو الإسرائيلي ينتهك أرضك يا ولدي ويسفك الدماء فيها!! فتعطيها ظهرك لتقاتل ما تصفهم بالكفرة في دول الجوار.. بينما ستجد ذلك الشيخ الذي حرضك على ذلك متنعماً بالخيرات.. كأني بيده التي كانت تفرق بين حبات المسبحة أول الليل ولسانه يحرك الأدعية التي تتصاعد من قلبه لتعود إليه دون أن تخترق السماء، هي نفسها التي تعبث الآن بجسد امرأة ما من حور الأرض، يتمرغان على السرير الخشبي في غرفة النوم الفاخرة، ويشتعلان كل يوم إثنين وخميس “على نهج السنة” تاركين آيات الجهاد تحت مقص الرقباء.
ويحي عليك يا ولدي وقد غفلت عنك يا مسكين!! حتى استغل الجاني الشيخ أبو الدرداء ثقتي به ليأخذك بأفكاره إلى مهلكة البحث عن الخلافة على حساب فلسطين متذرعاً بأن “للبيت رب يحميه”..
كان يقول كلما واجهته في حواراتنا العقيمة:
– لنتعظ بابن تيمية يا عبد الجواد!! حين واجه بفكره الجهادي الغزاةً من المغول بعد أن حولوا مياه دجلة إلى اللون الأحمر..
قلت له بحدة:
– لنفعل ذلك إذن! وحي على الجهاد ضد المحتل الإسرائيلي.. فلا فرق بين المغول والصهاينة..
– الكفار أولى بدماء أبنائنا يا أبا يوسف وتذكر بأن للبيت رب يحميه!!
– هذا تأويل باطل يا أبا الدرداء!
– عقلك ملجم يا عبد الجواد..
– بل رأسك محشو بالخوف.. أنت تهرب من معركتك الحقيقية في القدس..
– في محيطنا الكفرة الطغاة يتكاثرون! ويرتكبون المجازر..
– هراء!! وماذا عن الجهاد ضد المحتل لأرضك الذي يستغل غيبوبتك ويفتك بأهلك!”.
– يوسف وجد ضالته، وهو الآن في رعاية الله.. وسيحظى بنعيم الآخرة حيث تنتظره الحور العين..
– أما حسابك يا منكس الرايات فهو عندي.. سوف ترى!
– هذا تهديد إذن!
– سمّه ما شئت!
ثم افترقنا والواحد منا يزمجر في وجه الأخر.. كأننا في غابة تحكمها شريعة الضواري.. وعيوننا تتقادح شرراً.. وكنت حينذاك الحلقة الأضعف كونك يا يوسف رهينة لديه..
آه يا ولدي..
ألم تتساءل ولو مرة وأنت في لحظات التجلي بين يدي الرحمن كيف يترك شاب مقدسي أرضه المحتلة تاركاً الأقصى يئنّ في أشداق الذئب؛ ليذهب إلى سوريا بثوبه القصير وعقله المسلوب إلى حلم اختلطت فيه الأوراق وتبعثرت النوايا وعربد في تفاصيلها شيطان الفتنة، مرتدياً كوفيته البيضاء الملفوفة على جبينه المصطلي بلهيب الموت الزؤام، ولحيته الطويلة تكنس في نظره خطاياه، والبندقية المعلقة على كتفه تحصد الضحايا وتنظف الطرقات من “الكفار”.. هؤلاء يا بني تموت في عيونهم الدهشة وتفرّ من جحيمها الأسئلة؛ ليحترقوا في أتون حرب محفوفة بالفتن والشائعات!
أتعبت التداعيات قلب عبد الجواد الواهن وهو ما يزال قابعاً مكانه تحت السنديانة العالية في باحة الأقصى وقد هجع النزال قليلاً، كأنها ساعة هدنة حانت بين الجلاد والضحية.. وها هو يتذكر ما أخبره به أبو الدرداء قبل قليل.. جاء ذلك بعد أن تفرق المصلون من وراء الإمام، بينما أخذ يرمق أبا الدرداء مستهجناً أمره متسائلاً:
” كيف يجيء هذا الأفاق إلى المسجد في أوقات المواجهات مع العدو”.. وكان الأخير كدأبه يرتدي معطفاً ثقيلاً والرياح تتناوح في الخارج، يدور حول نفسه وعيناه تتلمسان الدروب الآمنة عساه ينفذ منها إلى الخارج، وقلبه يلهج بالدعاء إلى الله كي يفرج كربه:
” إذن أبو الدرداء يرابط في الأقصى مثلنا!! عجباه!”.
فيرد عليه أبو الدرداء متوجساً:
” يا أبا يوسف للبيت رب يحميه! علينا بالخلافة أولا واليهود سيدفعون الجزية صاغرين، لا تستعجلوا موسم القطاف، من يبتغي المرابطة هنا فهذا شأنه لكنه لن يحلم بالطير الأبابيل لأنها هناك.. تحلق فوق متاريس الجهاد.. تساند يوسف في معركتنا ضد الكفار”.
ضحك الحاج عبد الجواد متأسفاً على حال الرجل، وكالقابض على الجمر متسائلاً:
– هات ما عندك يا رجل.. ففي عينيك خبر يتقافز كالسعدان!
– لا أدري بماذا أبدأ.. لا بأس يا طيب فأنت لا تحتاج إلى دعوة لحضور حفل زفاف صديق يوسف (ابني صهيب) مساء غد الجمعة.. فصهيب بمثابة ابنكم أيضا!
– هذا يسعدني ولكن لماذا لم تزفه إلى الحور العين كما وعدت يوسف المغبون!! لماذا تركت يوسف يذهب وحيداً إلى محارق سوريا!
– اتق الله يا رجل.. لا تُذْهِبَ الثواب عنك فيكفيك أنك والد يوسف.. وهو بالمناسبة لم يكن وحيداً بل كان في رعاية الله..
– ويحك يا أبا الدرداء لقد خدعتم ابني!!”
فسارع أبو الدرداء يطوي المواضيع ليزف البشرى إليه:
” ابنكم يوسف بخير، وهو قريب منا.. لا تستغربن..إذْ يرقد في مستشفى هداسا حيث أرسلته الجماعات المعارضة لتلقي العلاج على إثر أصابة تعرض لها في يده.”
فرد عليه عبد الجواد غاضباً كأنه البركان:
” قاتلكم الله.. أي خبر سيسرني وابني يتخندق مع العدو في متراس واحد.. يا للهول، العار.. كل العار..
أوشك عبد الجواد أن ينشب أظافره في عنق أبي الدرداء.. وتحاشياً لذلك استدار الأخير مرتعد الفرائص، وأغرب عن وحهه حتى صار خارج منطقة المواجهات.. ولعنات أبي يوسف تلاحقه حتى وهو يشغل محرك السيارة وينطلق بها مبتعداً عن ساحة الصراع:
“غداً مساءً سأحضر مناسبة عرس ابنك صهيب، سوف أكشف كل أوراقك على الملأ.. ويلي عليك يا يوسفُ يوم غفلت عنك.. لم أكن أعلم بأنك ما زلت مقمطاً وغرغرة الأطفال تكبر معك وتحولك إلى معجونة لينة في يد الآخرين.. حتى وأنت ترتدي الجينز وتصاحب رفاق السوء، أنا الملام وقد تركتك كالعجينة في يد هذا الأفاق.. ألا تعلم بأن هذا الطبيب الإسرائيلي في مستشفى هداسا لو كنت من المرابطين معنا لتركك تنزف حتى الموت.
ويتمتم عبد الجواد في أعماقه بينما المرابطون يعدون الحجارة ويجمعونها في أكوام صغيرة على مقربة من غابة السنديان وخلف الموضأة والحواجز الحجرية الواطئة استعداداً للمواجهة، أثناء ذلك كان بوسع غبد الجواد أن يتذكر كيف انفتحت عيناه على مشهد الخراب الذي حل بالبيت ذات يوم، فأدرك بأنه فقد ابنه إلى الأبد حين غادر يوسف البيت بعد أن حطم التلفاز وجهاز الحاسوب حتى أتت يداه على أدوات التجميل المركونة على التواليت، ولَم ترحم معظم الكتب “الدنيوية” التي كانت تحتفي بها مكتبة البيت الزاخرة بالنفيس منها.. لا بل نال غضبه من آلة العود الخاصة بشقيقه الأصغر.. وتهدد وتوعد كل من كان حاضراً حتى الجيران الذين تملص من بين أياديهم كالذئب الجائع، ومن يومها وأخبار يوسف انقطعت تماماً “ترى هل اعتقلته السلطات الإسرائيلية!” ليته كان الأمر كذلك.. فالصدمة جاءت على وقع ما شاهده عبد الجواد على شاشة إحدى المحطات الخليجية، نعم الصورة كانت لابنه يوسف.. متأبطاً رفاقه من مقاتلي داعش بعد أن أعدموا طفلاً قيل بأنه عميل للكفرة الطفاة!
وفجأة شعر الحاج عبد الجواد بتحركات التفافية مريبة للجنود الإسرائيليين.. فصرخ بأعلى الصوت:
“انتبهوا يا رجال”
شعر عبد الجواد بطاقة التحدي تتحكم بجسده الناهض. استدار متوجهاً نحو المرابطين خلف الموضأة.. في هذه الأثناء انحنى ليلتقط حجراً بقبضة يده في الوقت الذي انطلقت فيه صلية رصاص من رشاش عوزري باغتته من جانب الغابة.. ليلتقي مع الموت في لحظة انفتحت على الفردوس الأعلى، وكانت الطيور الخضر ترفرف من حوله.. والأشاوس يتصايحون..
” لدينا شهيد.. العم عبد الجواد!”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة