خلاخيل ما بين الواقع واليوتوبيا للكاتبة دعاء زعبي خطيب – بقلم : رياض كامل

اصدارات ونقد ….
بقلم : رياض كامل
مقدمة
يحتوي كتاب “خلاخيل” (2017) باكورة أعمال الكاتبة دعاء زعبي خطيب على مجموعة من النصوص النثرية والشعرية. تغرف، في نثرياتها، من ذاكرتها قصصا وحكايات ونوادر تمتد على مرحلة زمنية طويلة بدءا من عهد الطفولة، موزّعة على مواقع وأمكنة متعددة في الوطن والخارج، فضلا عن الخاطرة والومضة والمقطوعات الشعرية التي تحمل رؤية الشاعرة في بعض الأمور الحياتية. في هذه النصوص حنين إلى أيام مضت وانقضت لكنها ظلت تدغدغ العاطفة وتحرك الوجدان حتى جاء موعد ولادتها لتحمل صورة عن مدينة الناصرة وعن مدن فلسطينية أخرى مثل رام الله ونابلس والقدس. كما تتوقف عند محطات هامة على الصعيد العام والخاص، فيتعرّف القارئ على عاداتنا وتقاليدنا في أفراحنا وأتراحنا، وعلى أحداث سياسية واجتماعية هامة من تاريخ المنطقة المحزن منها والمبكي، وتتوقف عند محطات لها في الذاكرة والروح مذاق العسل ولسع النحلة. في كتاباتها غصة وحنين لزمن ولّى ترى فيه مدينتها أكثر جمالا وأكثر ألفة وبراءة. أما نصوصها الشعرية فتحمل رؤية الكاتبة في أمور حياتية يومية، وهي كغيرها من النصوص ذات طابع إنساني عام وخاص تعبر عن رؤيا الكاتبة إزاء ما يحدث هنا وهناك في هذا الزمن الذي تراه قاتما.

العنوان
“خلاخيل”، عنوان نسويّ بامتياز، جمع خَلخال، وهو حلية كالسوار تلبسه المرأة في رجلها، يخرج صوتا خفيفا عند التحرك أو الرقص، ويضيف للرِّجل جمالا وجاذبية تلفت الأنظار شكلا وصوتا. لذلك من الممكن، لمن شاء، أن يلج نصوص الكتاب من هذا الجانب بالذات. أما من شاء أن يعالج الكتاب من زوايا أخرى، فإن الصوت النسويّ سيلاحقه دون فكاك.
يعتبر العنوان مفتاح النص وعتبته الأولى وهو يأتي بعد الانتهاء من عناء الفكر أثناء عملية التأليف والكتابة، فيأخذ الكاتب قسطا من الراحة، ثم يروح من جديد يجهد الفكر في البحث عن عنوان ملائم، فيتوصل إلى حل بعد أن يكون قد بدّل وغيّر عناوين مقترحة سابقة. بل هناك من الأدباء من عبّروا عن قلقهم وهم يبحثون ويسألون ويستشيرون حتى رسا قرارهم على العنوان الأخير. ولا أخفي على أحد حين أصرح أنني أنهيت كتابة المقال في مدة زمنية تكاد تعادل فترة اختياري للعنوان أعلاه بعد أن بدلته عدة مرات، رغم أني اخترت الموضوع الذي سيشغلني مسبقا. لذلك من الطبيعي أن يتساءل القارئ حول مقصد الكاتبة من هذه التسمية، فيروح يغذ الخطى للتوصل إلى اكتشاف الدافع من خلال قراءة النصوص واكتشاف دلالات العنوان ومقاصده.
يبدو أن دعاء زعبي خطيب أرادت أن تخفّف عن القارئ عناء البحث، فاستهلت كتابها بقطعة بعنوان “رقصة روح”، تبث فيها مواجهتها مع الزمن وما يفعله بالمرء بعد بضعة عقود، إذ يأخذ منه بعض عنفوانه حين كانت الأرض ترتعد تحت وقع قدميه، وحين كان كل ما في الكون يتمايل مع تمايل الجسد بغنج ودلال. دعاء، مثلها مثل كثيرين/كثيرات، أحست بعامل الزمن وهو يتحدى عنفوانها فأقرت به، ولكنها لم تسمح له أن يسرق منها ذاكرتها. اختارت “خلاخيل” ذا الوقع الموسيقي الراقص في لفظه وإيحائه للتذكير لمن نسي أو تناسى أن المرأة موجودة وبقوة في كل الساحات؛ الأدبية، الاجتماعية، الفكرية والسياسية، من ناحية ولتدق برجليها جدران الماضي حيث سارت وحيث ترسخت ذكرياتٌ لها وقع عميق في النفس.
قد يختار الكاتب أن يسم مؤلفه باسم قطعة وردت في المجموعة، أما الكاتبة فلم تقم بذلك، ولم تنسب هذا الاسم لأي قطعة من الكتاب، لكن القارئ يقع على قطعة في خفايا الكتاب بعنوان “قرار” (ص62) حيث قررت الراوية/ الكاتبة أن تتحرّر من طغيان سحر أقراطها وخواتمها وزينتها: “خلعتُها جميعها وهممت بالخروج، صرخَتْ: انتظري. صرخةً ملهوفة الصدى كانت، حزينة وبائسة هي كانت.
التفتُ صوب مرآتي: “قد نسيتِ خلعه هو الآخر، خَلخالك”.
أهديتها ابتسامة صفراء، وأنا أخلع ما تبقى من قيود كبّلتْ يومي وشمسي، ثم خرجتُ.
خرجتُ بهدوء بليد، تاركة غرفة نومي وأشيائي وظلي، يعانون الصمت والوحدة، وأعاني أنا نشوة الانتصار”. (ص63)
لن أدخل في صلب الكتابة الأنثوية أو النسوية، فهو موضوع شائك ومتعدد الجوانب، وفيه دراسات أجنبية وعربية تغني القارئ والدارس. لكن مهما حاولنا التهرب من ذلك فإن الكتاب يلاحقنا بشكله قبل نصوصه، إذ إن زركشات غلاف الكتاب تشدّك نحو العالم النسوي خاصة وأن الغلاف الخلفي فيه رسم لوجه الكاتبة إضافة إلى خلخال وحجارة كريمة تتزين بها المرأة. يتّحد الشكل بالمضمون بعد ولوج عالم النص لنرى أنها تحمل تجارب سيدة عربية تبثّ ما في داخلها من أحاسيس ومشاعر وحب للزمان والمكان والإنسان، خاصة وأن الكاتبة تعتبر كل كلمة فيه جزءا من روحها وكيانها، وقد آن الأوان أن تتحرر من كل قيد يمنعها من قول ما تشاء.
“خلاخيل” بصيغته ونصوصه يحمل رسالة مباشرة من الكاتبة، ويبدو أن أبناء جيلها، وجيل من سبقها، من الكتاب والدارسين والباحثين والمفكرين، قلقون من التغيرات على الساحات السياسية والاجتماعية والفكرية فأرادوا أن “يدقوا جدران الخزان” كي يصحو مجتمعنا من سباته، وقد امتد هذا السبات، فبات أطول من ليل امرئ القيس، فاستشرى العنف، وتبدلت البراءة، وتغيرت معالم البلاد شكلا وجوهرا، فاستبدّ بنا النعاس ونسينا وتناسينا طيب ليالينا وأعيادنا ولقاءاتنا، بل باتت أحاديثنا تبتعد يوما بعد يوم عن جمال أشجارنا وزهورنا وسفوحنا وجيرتنا، وحلت بدلها خصومات وصراعات تؤرّق كاتبتنا، فعادت إلى حروفها كي تعزف على أوتار العاطفة حكايات تعود إلى أيام مضت، من ناحية ولتشير إلى ألم يمكن تحويله إلى فرح.
وبما أن المرأة تلبس الخلاخيل برجليها فتسير في المكان ومع الزمان فإن الربط يصبح سهلا ومباشرا ما بين الزمن الماضي والزمن الحاضر، لنرى إلى الفرق بين ما كان وبين ما يحدث الآن، ولكن دون قيود أو حواجز.

ما بعد العنوان
يأتي إصدار هذا الكتاب بعد تردد طويل، كما يلمس القارئ ذلك في أكثر من موقع، وفي سن متقدمة، نسبيا، بعد أن اكتسبت الكاتبة تجربة حياتية تسعفها على خوض عملية التعبير عن الرأي بلغة سليمة مؤثثة بفكر ورؤية وهوية، فكان من الطبيعي أن تشعر بمسؤولية تتسم بالحذر، لكن الدوافع الداخلية وتزاحم الأفكار التي تشغلها وتقلقها وتؤرّقها أبت إلا أن تدفع بها نحو البوح بمكنون النفس بأسلوب أدبي فني: “تفجرت مراقص روحها، فقدت الإحساس بقدميها المرتعشتين، بدأت تهذي بجنون الكلام، وابتدأ الرقص…”. (ص7) فوجدنا كتابا فيه الكثير من الذكريات، والكثير من المشاهد المؤثرة التي تنمّ عن روح رقيقة وحساسية مفرطة، ومشاعر إنسانية تصل حد الدمعة وأكثر. وكأنها أخذت على عاتقها أن تعالج كل موبقات هذا العصر.
بدا لنا أن الكاتبة لا تبحث عن مواضيع غريبة بعيدة وموسمية كي تكتب فيها، بل على العكس تماما، فهي تصطدم بها حيثما حلّت وأينما تحركت؛ في البيت، في المدرسة حين كانت طفلة، في أماكن العمل، في الشارع، في لقاءاتها مع الأصدقاء في نشرة الأخبار، في الصور، في الرسومات والمتاحف، في كتبها وحاجاتها الشخصية اليومية. فصورة طفل أو طفلة قد تجعلها تترك كل ما يشغلها لتتفرغ لمعاينة أسباب ونتائج ما رأت. فهل “خلاخيل” بوح نفسي راقص؟ وهل ستشي الكاتبة بذكريات وصور تحمل جماليات تجربتها الحياتية الخاصة والجمعية؟
لا أرى أن الفرح هو الرسالة الأولى التي سيتلقفها قارئ الكتاب، لكن العلاقة بين الذكريات وكاتبتها فيها الكثير من الألفة بحيث لا يمكن الفصل بين أنا الكاتبة وأنا الراوي في نصوص “خلاخيل”، فتصبح هذه النصوص بروحها ومضمونها هي ذات الكاتبة، وكأنها لا تؤمن بما قاله المنظرون حول “موت المؤلف”، فلسان حالها يصرخ بهمس صارم كهمس الخلاخيل: ليذهب رولان بارت إلى عالمه وليتركني مع عالمي.

حوار بين المرسِل والمرسَل إليه
حين ينتهي المبدع من عملية التأليف والكتابة، وبعد مصارعة مع اختيار عنوان لمؤلّفه، يسلم كتابه لدار النشر منتظرا ردود الفعل وتجاوب القراء والمتلقين، لكن دعاء آثرت أن تجري حوارا مع القارئ قبل أن يتحقق اللقاء الأول بينه وبين النص. فإن كان المنظرون قد تحدثوا عن “القارئ الضمني” قي كتبهم الفلسفية، فكاتبتنا ليست بحاجة إلى هذا التنظير لأنها وضعت نصب عينيها هذا القارئ الذي سيقوم بالاطلاع على ما سوف يرد في كتابها واثقةً من أن هذا المتلقي سوف يتجاوب مع مواضيعها ونصوصها، وسيجري معها حوارا. فبدا لنا وكأنه يتوجّه إليها عبر مجموعة من التساؤلات يطلب لها ردا، فجاء هذا الرد مباشرة في المقطوعة الثانية: “عم تريدني أن أحدثك يا صديق؟
عن الحياة التي كانت، أم تلك التي لم تأت بعد؟”. (ص،8)
لقد اختارت أن تستهل لقاءها بالقارئ من خلال ضمير المتكلم والتوجه إليه مباشرة لخلق حوار بين “أنا” و”أنت” دون لف أو دوران، كي تبثّ إليه همومها ومشاغلها، أوجاعها وأفراحها، انفعالاتها وانضباطاتها، وعن عمر امتد واتسع حاملا ذكريات عن أناس أحبتهم، عن أم وأب غادرا الحياة، وعن “ورداتها الثلاث وشريك عمر هو الحب والدرب”. (ص9)
هذه المقطوعة بمثابة مقدمة لما سيأتي في الكتاب، ولكنها استبدلت الكلمة التقليدية “مقدمة” بعنوان أكثر إثارة وجاذبية” “حديث لن يبدأ بعد” (لماذا استعملت “لن” ولم تستعمل “لم” أو “لمّا”؟). ثم يأتي النص الثالث ليؤكد لي، أنا المتلقي، أنها تسعى إلى كتابة شبه منهجية تعتمد على ذاكرة خصبة تعود بها إلى عهد الطفولة الأولى يوم حاولت أن ترسم الحب على رمل البحر لكنه كان يغدر بها ويخونها فيبعثر ما بنته على حبات الرمل.
تتحاور دعاء مع القارئ لتبرّر له قرارها، في هذا العمر، نشرَ باكورة أعمالها الأولى لتثبت له أنّ ذلك لم يأت من فراغ. فهي تعشق الفن والرقص والغناء، وقبل هذا وذاك فهي صديقة الكتب التي انهارت فوق رأسها في بيت خالتها في سن السادسة عشرة، فخرجت هي وصديقاتها بعد هذا الانهيار الضخم بأضرار طفيفة، ثم تتكرّر الحادثة في العشرين من عمرها وقد أصبحت طالبة جامعية، فخرجت سالمة مرة أخرى فكان ذلك بمثابة رسالة بعثتها إليها الكتب لكي تبني معها علاقة خاصة. فهل على الكاتب، كائنا من كان، أن يبحث عن مبرر الكتابة وعن الدوافع التي جعلته يقتحم عالم الكتابة؟
سؤال قديم قدم الكتابة والإبداع، وقد تناوله المنظرون والكتاب أنفسهم على مدار عصور، منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو، مثلما تناول المفكرون قضية الكون وأسراره، مما يعني أن الكاتب يكتب بدوافع داخلية كي يحقق ذاته من خلال التواصل مع المتلقي. دعاء على ثقة تامة أنها تكتب في مواضيع حارقة تهمها جدا وتهم الآخرين، وأحسّت أن مشاركة الآخرين هي رسالة إنسانية. وكل رسالة إنسانية فيها قناعة داخلية أن ما يُكتب وما يُقال سيجد صدى لدى المتلقي وبالتالي سيأتي التغيير المنشود. فهل هي يوتوبيا الكتاب والمبدعين؟!

شبه سيرة ذاتية
لم تتقيد الكاتبة في مؤلفها بأسلوب واحد من الكتابة ولم تتقيد بجانر أدبي معين، فقد أشرنا أعلاه إلى أنها تجمع فيه بين الشعر والنثر. ولو نظرنا إلى النصوص النثرية مجتمعة لوجدنا أن القارئ سيخرج بانطباع أنها تكوّن معا شبه سيرة ذاتية. هنالك من المؤلّفات ما نطلق عليها اسم السيرة الذاتية، وهناك ما يطلق عليه السيرة الذاتية الروائية، وهناك المذكرات. وبما أن الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية باتت مخترقة ومنتهكة، وباتت تتبادل كلها الأساليب والتقْنيّات، فإني أرى أن نثريات “خلاخيل” تكوّن شبه سيرة ذاتية. فالسيرة الذاتية الروائية تحمل كل مواصفات الرواية الفنية وهذا طبعا غير متوفر في “خلاخيل”، وهو ما لم تسع إليه الكاتبة أبدا. وهناك المذكرات وهو ما سعت إليه الكاتبة برأيي أكثر من غيره لتربط بين الماضي والحاضر ولتبني عالمها الذي تتمناه في ظل تبدُّل أحوال الدنيا كلها وفي ظل تبدل الجغرافيا، وهو ما يتكرر في تعليقاتها في أكثر من موقع. وبما أن السرد يغلب عليه طابع القص والتشويق، فإن القارئ المتأنّي سيبني صورة للكاتبة في أجيال مختلفة منذ الطفولة المبكرة مرورا بالطفولة فالصبا والشباب وما بعد ذلك بقليل.
إن كتابات السيرة الذاتية تحمل رسالة هامة يسعى الكاتب إلى إيصالها للأجيال الصاعدة، منها ترسيخ صورة لمجتمع مؤطر بزمن معين، يحمل ميزاته وخصوصياته دون الاقتصار على الذات، لأنه يتعدى الخاص إلى العام. يخرج القارئ بشبه صورة لمجتمع مؤطر بزمكانية معينة، مع أنّ الكاتبة لم تتبع الكتابة الممنهجة التي تميز جانرا أدبيا دون غيره لذلك فإننا لا ندعي أن الكتاب يحمل كل مواصفات أي من هذه الأنواع الأدبية. وبرأينا أن كتاب “خلاخيل” في جزئه النثري، هو شبه صورة لمجتمعنا العربي في المدينة من خلال عيني كاتبة امرأة تعيش حياة المدينة. يرى القارئ أن هذه المدينة الفلسطينية لم تكن مدينة بالمفهوم الواسع ولا هي قرية بالمفهوم المألوف للقرية وحيثياتها وصورتها وعاداتها وتقاليدها، حتى وإن وجدنا تشابها في العادات والتقاليد، وفي المعالم الخارجية للمكان وللجغرافيا المتشابهة. ولكن الكاتبة موجودة في صلب الأحداث في كل النصوص لتكون الشخصية المركزية للأحداث.

ابنة المدينة
كل كتابة تصور بيئة معينة، فقد صور إحسان عبد القدوس، على سبيل المثال، حياة أبناء الطبقة البرجوازية، وبنى قصصه الغرامية الرومانسية بما يتناسب مع هذا المحيط لينقل في رواياته صورة بنات وأبناء هذه الطبقة، أما نجيب محفوظ فقد صور أبناء الطبقة المتوسطة، فيما صور حنا مينة في ثلاثية السيرة الذاتية أبناء العمال والفلاحين والفقراء وبيوتهم. وأما معظم قصصنا ورواياتنا الفلسطينية فإنها تدور في محيط قروي حيث الفلاحون يحرثون الأرض ويزرعونها، في ظروف سياسية يحارب فيها المرء من أجل البقاء في ظل أرض وشجر وسهل وجبل آيلة كلها للضياع. فانعكسب النكبة والنكسة والانتفاضة الأولى والثانية في الإبداع الفلسطيني شعرا ورواية وقصة ومقالة سياسية.
يصور معظم أدبنا القرية الفلسطينية والحقول والأزقة الضيقة وحياة الفلاح والفلاحة وغناء أبناء القرى في مناسباتهم الحزينة والفرحة. تفوح من قصص الفلاح والقرويّ رائحة العرق والتراب والسعي وراء لقمة العيش. أما دعاء زعبي خطيب فقد دخلت عالما جديدا هو عالم المدينة العربية الوحيدة الباقية في هذه البلاد بعد النكبة. إن مدينة دعاء هي مدينة الناصرة العريقة بعاداتها وتقاليدها، مدينة تعشقها الكاتبة بمعالمها وخصوصياتها، إنها تعشق، بالذات، أهلها في تكاتفهم وتلاحمهم ومحبتهم وجيرتهم وبراءة عيشهم، رغم اختلاف مشاربهم وانتمائهم. ومن الواضح أن ظروف الحياة الخاصة للكاتبة كان لها وقعها وتأثيرها وانعكاسها على مجمل النصوص. ففيها وصف للملابس والأقمشة وأنواعها، خاصة وأن مدينة الناصرة كانت معروفة بسوقها العريقة التي تعج بالباعة والمتسوقين من الناصرة وخارجها. وكانت فيها مدارس ثانوية ساعدت على خلق طبقة شبه برجوازية.
دعاء زعبي خطيب تأخذنا إلى عالم المدينة، وإلى أبناء الطبقة المتعلمة المثقفة المرفّهة بعض الشيء، فوجدنا الأم “تحرم” ابنتها من تناول العرقسوس من “خميس البائع المتجول” خوفا من عدم نظافة الأقداح التي قد تنقل العدوى إلى الجسد الصغير، (ص34) وتشتري لها مظلة (ص26) وتهتم بأناقة مظهرها، وتسافر الطفلة مع العائلة في السيارة، وتنام فيها متعبة وهي تقطع جبال هذه البلاد الجميلة. شوارع مدينتها أوسع، نسبيا من شوارع القرى، وفيها تاريخ عريق يعود إلى الوراء آلاف السنين، أليست مدينة الناصرة إحدى أهم المدن في بلادنا عامة؟! فيها كنائس ومساجد وعمارة تحمل عبق مئات السنين وفيها معالم تاريخية تعود آلاف السنين إلى الوراء.
لم تذهب الكاتبة باتجاه المدينة بمفهومها الغربي أو الحديث، لأنها غير موجودة أصلا، ولم تنعكس في كتاباتها الصراعات الطبقية التي تمثل المدينة في مفهومها الحديث، وذلك لأن الناصرة هي أشبه بقرية كبيرة في عاداتها وتقاليدها لولا بعض المعالم التاريخية وبعض البنى التحتية التي ميزتها عن القرية الفلسطينية. فلم نر تلك المدينة التي تعج بالسيارات والقاطرات والشوارع العريضة بواجهات محلاتها التجارية، لكن لهذه المدينة مواصفات شبه مدنية في نفس الآن، فهناك توثيق لمظاهرات عدة مثل تلك المظاهرة التي جابت أنحاء المدينة إثر مذبحة صبرا وشاتيلا على سبيل المثال وفيها قائد عربي تمكّن من أن ينافس كبار القادة على مستوى البلاد والمنطقة كافة.  وفيها طبقة من المثقفين ومن الأدباء الذين ذاع صيتهم، وفيها واجهات محلات تجارية وحركة تعكس تجمعا سكانيا واسعا نسبيا.
عكست دعاء صورة مدينتها شكلا وجوهرا من خلال عيني امرأة عاشت طفولتها وشبابها وسنين بلوغها في الناصرة فرأينا كم هي أثيرة على روحها، ورأينا مدى عشقها لكل زاوية من زواياها، ووجدنا تآخيا وترابطا وتكافلا اجتماعيا تحن إليه الكاتبة.

السرد والوصف
ما دمنا قد تحدثنا أعلاه عن شبه سيرة ذاتية فهذا يعني أن روح القص قد تغلغلت في نص كاتبتنا ولنا على ذلك أمثلة عدة ومن أهمها قطعة نوال (ص14). فالقص يحتاج إلى لغة أولا وإلى التشويق ثانيا وإلى عنصري الزمان والمكان وإلى شخصيات مركزية وثانوية حتى يتمكن الكاتب من بناء الحبكة. وبالرغم من أن الحكاية واقعية وبالرغم من أنها عبارة عن سرد يحكي قصة من الذاكرة إلا أنها تحمل كل عناصر القصة. إن كل نص قصصي يقوم على السرد والوصف، فالسرد هو الذي يحدد المبنى الزمني للحدث في تحركاته وتجلياته ومفارقاته، وهناك الوصف القادر على التشخيص لتبدو القصة مقنعة ومدهشة، وبالرغم من أن القطعة (نوال) لا تلجأ إلى المفارقات الزمنية إلا أنها تمكنت من جذب القارئ من خلال الوصف وبالتحديد وصف المشاعر الجياشة: “وعدْتُ… أسيرةَ حاضر عدتُ. عدت لأجد الدهشة تتراقص نبضا ودمعا باسما على وجوه الحاضرين، وصينيةُ شراب أصفر اللون كوجهي، وبضع كؤوس زجاجية مزخرفة تنتظرني، تحملها إلي زوجة السفير… نوال”. (ص18).
هناك عدة أدوار للوصف، وأنا أراه أشبه بالألوان التي تعطي شكلا للصورة بعد أن كانت مجردة، وهو كاللحم الذي يكسو الهيكل العظمي فيكسبه صورة وشكلا. وقد أحسن بعض المنظرين حين شبهوا الوصف بالديكور في المسرح. ومن أشهر من تحدث عن أدوار الوصف المنظر فيليب هامون الذي حددها بأربعة؛ وصف الزمن وتبدلاته، وصف الأمكنة والمشاهد، وصف الشخصيات الخارجية، ووصف كائنات متخيلة. إن القارئ يستطيع أن يرى بوضوح مركبات الوصف الثلاثة الأولى التي ذكرها هامون، وإن كانت غير مكتملة الملامح لأن الكاتبة لم تقصد، كما يبدو، أن تكتب قصة فنية بقدر ما شاءت أن تدوّن إحدى ذكرياتها المؤثرة.
برأيي أن أفضل ما في هذا الكتاب هو الوصف، والوصف، كما نعلم، يحتاج إلى لغة غنية قادرة على نقل المشاعر الجياشة، وقادرة على الاختراق من خلال اللغة المنزاحة عن أصولها، ولنا على ذلك بعض الأمثلة منها قطعة “هوليوود ودانتيلا الحلم”. (ص46) فقد وظفت الكاتبة كل عناصر القص مطعما بسرد ووصف غنيين يكمل أحدهما الآخر، وبرزت تقنيّة فتح الفجوات لجذب القارئ كي يتابع القراءة مشدودا بعنصر التشويق، ولن يتأتّى ذلك إلا إذا تسلح النص بقدرة على التصوير الدقيق للمشاعر الداخلية والصور الخارجية للأمكنة حتى تكتمل الصورة. وهذا ما كان فجاءت القطعة أقرب إلى القص الفني بكامل عناصره ومركباته، فنضجت صورة الراوية/ الشخصية المركزية. ولو شاءت دعاء لجعلت هذه القطعة قصة قصيرة جميلة مكتملة من حيث المبنى الفني. ومثلما نرى أن كتاباتها النثرية مجتمعة تكون شبه سيرة ذاتية فإن بعض المقطوعات النثرية هي شبه قصة قصيرة. وكأن الكاتبة لا تسعى إلى التقيد بجانر أدبي ما. ولذلك وجدنا نثرا وشعرا وخاطرة وومضة ونادرة وغيرها.
خلاصة
من الواضح لنا أن الكاتبة تحاول أن تمارس كتابة أكثر من جانر أدبي، فتفلح في أحدها أكثر وفي آخر أقل. لكن القارئ المتمرس يأتي لاحقا ليشير إلى نقاط القوة ومواقع الضعف منتظرا الإصدار القادم ليرى إلى تطور السرد وارتقاء النص بعد الإصدار الأول.
يقيني أننا في حضرة كاتبة قادرة على كتابة قصة قصيرة، وقصة قصيرة جدا لتسد فراغا في السرد الفلسطيني في بلادنا هنا حيث تنصبّ مجهودات المؤلفات والمؤلفين نحو الرواية والشعر. إن الخاطرة تحتاج إلى لغة مكثفة كي تتمكن من اختراق القارئ وقد وجدنا نصوصا تحمل كل مواصفات الخاطرة الناجحة، لكننا نرى أن دعاء كاتبة قصة ناجحة بالذات حين يتعلق الأمر بتجربة خاصة، فتتجلى القدرة على الإبداع أكثر من أي نوع أدبي آخر مارسته في هذا الكتاب. وسأدعوها دون مواربة إلى ترك الشعر جانبا والتركيز على القصة القصيرة التي تجيد أسرارها أكثر من الشعر. بل إن ميولها الشعرية يمكن توظيفها في كتابة لغة مكثفة خاصةً وأنها تملك لغة غنية بعيدة عن لوثة بعض “المبدعين” الذين لا يدركون أن اللغة هي آلة الإبداع الأولى.
دعاء تملك الآلة الأولية للكتابة، لديها لغة غنية وسليمة يمكنها بواسطتها أن تحلّق في دنيا الأدب الحداثي الذي يمزج بين الأنواع الأدبية، إذا شاءت ذلك، ولديها، كما ذكرنا، القدرة على كتابة القصة القصيرة بلغة شاعرية. ونضيف أن القصة القصيرة يمكنها أن تأخذ من الشعر أكثر مما يأخذ الشعر من تقنيات القصة. وأرى أن القصة القصيرة بالذات تحتاج إلى مجموعة جديدة من المؤلفين والمؤلفات كي يأخذوا القصة إلى عوالم جديدة حداثية ليتابعوا طريق الرواد الذين أوصلوا القصة إلى موقع متقدم. وعليه فإني أرى أن دعوتي هذه ليست موجهة إلى الكاتبة دعاء زعبي خطيب وحدها، بل هي دعوة للكثيرين من حملة القلم الذين أعوّل عليهم كثيرا في قدرتهم/ن على حمل راية الإبداع الفلسطيني ليصلوا به إلى أبعد مما وصل إليه، وأن ينقلوا أدبنا نحو خانة الحداثة بعيدا عن استجداء “القارئ الهاوي”.
لقد تغيّر زمن الشعر وتبدّل، وبات المتلقي يتواصل مع الإبداع قراءة لا سماعا، كما كان عليه الأمر قبل بضعة عقود، حين عمد الشعراء إلى موسيقى الشعر ووظفوه ليتمكنوا من التأثير في السامع. أما الشاعر الحداثي اليوم فهو يحتاج إلى تقنيّات أخرى وإلى وسائل أخرى تليق بالحداثة الشعرية التي تتداخل فيها الأصوات كما تتداخل فيها تقنيّات الأنواع الأدبية.
قارئ “خلاخيل” سيتعرف على مدينة عربية فلسطينية أصيلة بتاريخها وناسها، من خلال عيني كاتبة تعيش حياة المدينة العربية. وبالتالي سيتعرف القارئ على صورة المدينة وشكلها ومواصفاتها بعد أن استقر هذا العربي في هذه البلاد محاولا بكل ما أوتي من قناعة للدفاع عن هويته الفكرية والسياسية والاجتماعية. لقد كتب أدباؤنا في مواضيع هامة جدا تعكس النكبة والنكسة وأبعادهما. وهناك من يحاول أن يدخل عوالم جديدة تهم حياة المجتمع العربي في هذه البلاد فتعكس رؤية جيل جديد يعيش في زمن ما بعد النكسة وقد بات الفلسطيني هنا يصارع من أجل تثبيت أقدامه وترسيخها من خلال الفكر المتنور.
كتاب “خلاخيل” يحمل الكثير من سمات الكتابة النسوية، وقد تجلى ذلك في مواقع عدة بدءا من الغلاف ,وعنوانه، مرورا برؤية نسوية لقضايا اجتماعية تقض مضاجع الكاتبة التي تسعى لخلق مجتمع عربي سويّ فيه سمات عربية أصيلة لإنسان يجب أن يتحلى بفكر وحضارة وثقافة فنية تكون المرأة أكثر فاعلية عما هي عليه اليوم.
دعاء زعبي خطيب كاتبة قادرة على أن تخترق ما كان مألوفا للانتقال إلى عالم أدبي حديث، ولها أن تختار الأسلوب والطريقة والنوع الأدبي الذي يمكّنها من التواصل مع قارئ اليوم. وكل كتاب ستصدره بعد اليوم سيكون تحت المجهر لأنها عبرت بوابة الرقابة من خلال تناول بعض النقاد لكتابها.
خلاخيل في مجمله يجسد آمال الكاتبة وهواجسها سعيا وراء بناء عالم أفضل طمح إلى تحقيقه كتاب ومفكرون ومنظرون بدءا من أفلاطون في جمهوريته مرورا بالفارابي في المدينة الفاضلة. هو يوتوبيا كثيرين منا بعد ما تعرض له العالم من حروب وقتل وتدمير أملا بحياة تسودها المحبة والتسامح والألفة. وهو حنين إلى أيام جميلة شاعت فيها البراءة والهدوء والسكينة. ويبدو أن دعاء تأمل في خوض تجارب كتابية متنوعة في الشعر والنثر، فضلا عن الخوض في كتابة أنواع أدبية متعددة. ولكن الواقع يقول إن كل كاتب مهما بلغ من النجاح فإن هناك مجالا معينا يمكنه أن ينجح فيه أكثر من غيره.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة