ثلاث قصص قصيرة – بقلم : بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين …
(1) (في وجه الريح)
تعصفُ برأسِك المحمولُ على جسدِك المتعبُ أسئلةٌ تبدأ بمن أنت !! يدور الرأسُ حولَ علامةِ التعجبِ المغروسةِ في نخاعِكَ الشوكيّ؛ تتوترُ رسائلُ الحواسِّ وهي في طريقها إلى رأسِك المعصوفُ بزوابعٍ من الأجوبةِ المبهمة.. ستقف أمامَ نفسِك يا هذا!! كأنك لا شئ.. تعتصرُ الحيرةُ ملامحَ وجهِك المدفونُ بين تجاعيدِ الهرم وخطوطِ الزمن البليد..كأنها شبكةُ صيدٍ تموجُ مع الرياحِ في يدِ المجهول.. تبحثُ عنكَ في زحامِ الأسئلة .. تنعقد بين عينيك المنغلقتين في تقطيبةٍ لا ينبعث منها جواب.. أحلامُك نضبتْ في وجهِ الريح.. سماؤك تستبيحُها الغربانُ..صوتك يُرعِدُ في سماءٍ دون غمام.. تختبئ وراءَ تقطيبةٍ لا ينبعث منها جواب.. تنعصر بين عينيك وقد أثقلتَ بجسدك المأسور شبكةَ الصياد.. وروحك يطاردها الخوف في غياهب الفناء.. فهل تلتقيها فتخرج حياً كالعاصفة من فم الجواب!؟صر بين عينيك وقد أثقلتَ بجسدك المأسور شبكةَ الصياد.. وروحك يطاردها الخوف في غياهب الفناء.. فهل تلتقيها فتخرج حياً كالعاصفة من فم الجواب!؟
(2) (بدلة العيد)
بحثت عنه في الزقاقِ المجاورِ لبيتها الآيل للسقوط. وجدته في غمرةٍ من الفرح كأن الدنيا لا تتسع لشقاوته.. باغتته فجأة فارتعدت فرائصُه من الفزع.. ثم ارتطم بمؤخرته بشدةٍ على الأرضِ الرطبة المتسخة.. سحبته إليها مشدوهةً، صرخت في وجههِ المكفهرِ المربدِ؛ كأنه الفقرُ الذي ستسحقه بيديها، أوجعته وهي تصبُّ حامَ غضبِها عليه. كان قلبُها يتقددُّ على حالِها وصغيرُها يُجَرَّدُ من أرديةِ الفرح غيلةً؛ بينما كانت أناملها المرتجفةِ تخلعُ عنْه بدلةَ العيدِ بحذر شديد! حتى لا يمسّها ضرر: ” ماذا جنيت يا ولد، سنُطرَدُ معاً من جرّاء فعلتِكَ المشينةِ هذه! قالتْ سيدتي للبائع بأنك تتمتع بنفس حجمِ سيِّدِك الصغير فقاسَتْ عليكَ ملابسَه الجديدة! فتهربْ بها يا مقصوفَ العمرِ!؟كيف أواجه السيدةَ التي نعتاش من خيرها بعدما هربْتَ بهذه الملابس يا شقي! إخلعها”. فانتزعتها أخيراً من أشداق الفرح البريء الذي يطوق الصغير بهالة من البراءة؛ كأنه لم يفهم شيئاً مما قالت؛ وصارت بدلةُ العيدِ في كيسِها الأنيق.. ثمَّ لثمت قبلةً مهزومةً على جبين ابنها الذي بللَ وجهَهَا المكفهرِّ بدموعِهِ السخيةِ مستعطفاً قلبَها الشفوق لكن! دون جدوى، إذ لمست في بكائِهِ بحةً كأنها صرخةُ مَوْجوعِ في ليلة كئيبة. أغمضتْ عينَيْها حتى لا ترى ابنها الذي غشته نوبةُ صراخٍ وهو يُعَفِّرُ نفسَه بالتراب.. ثم سارَعَتْ بالمسير طاويةً المشهدَ بقلبها المفزوع.. لكنَّ الموقفَ عند سيدتِها تبدَّلَ فجأةً وهي تردُّ البدلةً إليها بحياء، كمن اقترف جريمةً لا تغتفر. علقت سيدتها على الموقف كمن ترد جيفةً عنها، ساخرة كأنها مجروحة الكبرياء:”سأخصم ثمنها من راتبك؛ ابني رفضها من أصلِه.. الولدُ معذورٌ إذْ لا يلبس شيئاً من وراءِ الخدمِ حتى ولو كان الأمر من قبيلِ أخذِ المقاس.. صارت البدلةُ منذ اللحظةِ لابنك! مبروك عليكما “. وشعرت بالمهانةِ تغمرها من رأسها حتى أخمص قدمها. ثم عادت تجرُّ أذيالَ الخيبة كأنها عارية تماماً، متفطرةُ القلبِ مهزومة! لتجد ابنها المُتعَبُ غافياً في الزقاق لا يأبه بوجوده أحد: “من قال أن الأطفالَ لا يشعرون بالكرامة!” حينما قلبت ابنها كي يصحو على قبلاتها؛ أخذته بالأحضان وبشرته بالبدلةِ .الجديدة! هبَّ غاضباً من جديد “مزقيها! أنا لا ألبس طقمَ ذلك الولد المدلل، أنا لا أحبه”.. ثم غفا على ذراعيها من جديد، فاستشعرت لأول مرة بأنها تمتلك الدنيا ! بل هي سيدة مثل ولية نعمتها.
(3) (الخروج من القماط)
تبدلت حياتي مع الأيام .. تسللت إلى شخصيتي ملامح أخرى ، تجاهلت أنها في نظر الآخرين تقلبات اعتادوها معي .. لأنها كانت في نظري بحار شرعت تتجول في غياهبها مراكبي ، تبحث عن مرساها ، لا تفيض على الآخرين شرا كان أو خيرا إلا من خلال ثقوب أحدثوها..
تصور !؟! هذه هي الإرهاصات التي دفعتني إلى الحياة .. كان طفلا مكبوتا في داخلي ..
رحت أتلمس الخطى مع ذلك الغرير الذي نهضت فيه الحياة .. فيشف جسدي .. يفرغه من الظلام .. فيخرج معه بعض الضوء .. تلويت معه في محاولة للتحرر من القماط .. من جسدي البالي ، والمرقع بالشائعات ، حررت يدي .. أخرجت قدماي مبعدا عنهما القماط الميت النتن.. استلبني الهذيان إلى غرغرة البداية..
وقفت منتصبا بلا يد تشد أزري سوى جموحي .. رغباتي .. كلها راحت تمرنني على المشي .. والتسلل في الخفاء .. والتوفيق ما بين الحب والرغبة في الانتقام، صراع لازم مشاعري من جديد .. ( ماذا يجري؟!!!)
حفرت الخنادق .. وأقمت متاريسي في ظلال قلبي ، صرت كالمحارب الذي يسير على هدي ما .. يقوده الآخر .. وفي مشاعره ثورة متأججة، كلمات يبثها الآخر .. فتسجلها الحشايا .. وتذوب في دمائنا .. ليكن .. ما دام هو طريق الحق مهما تجددنا .. على أن أحمل معي الربابة ،وصورة حبيبتي .. وحكايات الفرسان الذين قتلوا الغولة في فيافي الواحة المهجورة ..
ما الذي يجري.. ؟!!
(سأهجنك أيها الغرير قبل أن تشب فيك الأحقاد.. )
سرت بعيدا عن جسدي المنهك .. كرهت رائحته القديمة .. ابتعدت عن سرادق العزاء .. نحو أهازيج الشمس ، وأفراح الطبيعة .. أعب من بداية لا تحفل بالنهايات ، شيء ما تكاثف في داخلي.. الحب المنثال نميرا رقراقا في يباب قلبي الواجف ، ومثاليات الرجل الذي أبعد عن طفولتي القماط .. مع شيء آخر في الظلام ، إذ قمت أصوب بندقيتي إلى الشائعات ، جسدي ، موتي !!؟!!
وغنيت بعدها على أنغام الربابة.
حينما تحلق الصغار حولي .. يصفقون ، ويرددون ورائي ..  (أمل جميل .. حلم سعيد ) ثم راحت تبكي الربابة  فلم يحفل بها الصغار  (حلم سعيد ). وبعد !؟!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة