رَمادِيّاً عُدْتُ (إضاءة على المشهد السوري) بقلم : د. سمير محمد ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د. سمير محمد أيوب – الاردن ….
من أجمل ما قرأت ( النص التاسع والأربعين –  بتصرف)
مع نهاية يوم تموزي قائظ، قررتُ أن أعود من فضاءات الحدود السورية الاردنية، رماديا بإمتياز. قبل أن أبدأ بالتنظير هناك، على الموالين والمعارضين، وعلى جماعة إفتحوا الحدود وجماعة إغلقوا الحدود. ربما لأني لو كنتُ مكانهم، لقلتُ أكثر مما قالوا حتى الآن!!!  فأنا لست ممن يحبون توزيع الإنسانية أو الوطنية، في أكوابٍ لا أرتضيها لنفسي.
من حواف الحدود، بَدَتْ سوريانا بعيدة ومشتعلة. كقطعة من كوكب آخر. ترفض السجود لشياطين الحرب، الذين بالعبث يحاولون، أن يُبْقوها في أتون الإرهاب، بعيداً عن ملكوت السكينة، الجامع  بتناغم، لعديد القوميات والإثنيات، الطوائف والمذاهب، وكلّ من يعتقد بإلهة، مختلفة عن شياطينهم وأبالستهم.
في الرمثا وغيرها من حواف الحدود، قررت أن أحمل صخرة حقيقتي، وأن أصعد ماضي الحرب درجة درجة. فأنا ممن يعرفون كيف بدأت. وأعرف أن عمرا طويلا قد مر على أهلنا هناك، حيث الإرهاب والزمن، قد إستبدلا الياسمين  بأرامل، وثكالى، وعشاقٍ بلا عيون، وأطفالٍ بلا أرجل. وبعد أن رحَلَتِ الوعودُ والأوهام والأحلام، إكتشف الجميع ان شياطين الحرب لا توزع أملا. فالامل لا يساكن الإرهاب، ولا يتحقق إلا بالحب. هكذا بات الكل الآن، بالتنجيم السياسي، باحثين عن موطئ قدمٍ، يحاولون عبر ثقوبه، تحديدَ مستقبله الوجودي والإنساني.
سألتها: متى ستعودين إلى سوريا يا سيدتي؟
سيدة سورية تبدو في العقد الرابع من العمر، تفترش الأرض في العراء، تحت وهج شمس تموز، أجابتني بصوت مرهق وهي تحتضن طفلين: لا أعرف. أخاف العودة؟
عاودتُ سؤالها: ممن تخافين ؟
وقفت منتصبة، قبل أن تجيبني بصوت خافت، وبعد أن اكثرت من التلفت حولها: من جميع الأطراف، ألناس في سوريانا كما في كل مواطن العرب، طيبون في معظهم، لكن السفلة منهم، جاهلون، حاقدون، تملأ صفحات وجوههم الكراهية. وكلَّ ما تسمعه هنا وهناك عن البعض، هو للأسف صحيح . ففي سوريا اليوم، يختلف الجميع حول التسميات، فيما النتيجة واحدة.
وأكملت تقول: البعض يسمي ما يجري ثورة، والبعض يدعوها أزمة، حربا أهلية، حربا إقليمية، حربا ضد الإرهاب، رغبة في الإنقلاب، حرب طوائف ومذاهب، حرب السعودية وإيران، حرب أمريكا وروسيا. النتيجة واحدة يا سيدي: بلد تَدَمَّرَ بمساهمة الجميع دون إستثناء أحد.
قلتُ وأنا أنظر في وجهها : وماذا تُسَمِّيها أنتِ؟
قالت دون ان تتلفت وبصوت واثق: أنظر يا أخي، هناك أطراف كثيره، أرى  بينها، من أراد أن يقف سواسية في طوابير الحياة كل صباح، مع الفقير ومُحدَثِ النعمة، المسؤول والمعارض السياسي، الطيِّبُ والمرتشي، الكاتب والمحلل السياسي، ألمثقف والمتزلف، ألغانية والشيخ، ألمرأة والحرمة، الرجل والذكر. وهناك حاقد أراد من كل ما سبق، أن يخدم في الأساس ماضيه. وهذا الطرف فيه أطراف كثيرة أيضاً. فيه من أراد بشكل رئيس، أن يخدم حاضره الهامشي. وفيه من أراد أن يخدم مستقبل أحفادنا لأنه صاحب رسالة.
وهنا حَدَّقَتْ في وجهي وهي تسألني: وأنت يا سيدي، ماذا ترى
قلت: نعم، هناك أطراف كثيرة أرادت لسوريانا، ألتي ما رُفِعَ فيها علمٌ للعدوِّ المحتل، بالإضافة لفسطين، الكثير من الجولان السوري والأراضي اللبنانية، أن تُحدِّدَ لها سقف تطوُّرٍ، لا يسمح لها أن تتخطاه. ومتى وصلته، يعيدها المتصهينون الخونة إلى الصفرِ لأو ما يُقارِب.
تذكري يا سيدتي، أن حرب المصالح بين الدول الكبرى المعاصرة، باتت أدهى من أن تسمح بوقوعها فوق أراضيها. فاختاروا سوريا لعديد الأسباب، كمخبر لحربهم العالمية الثالثة. لخصوا الأمر في نظامٍ عجزوا بالقوة عن تكسيره، ومن ثم إختزلوه في الرئيس، ظنا منهم سهولة تهشيمه. مرد عجزهم هنا، هو سوء فهم لمؤسسة الرئاسة والحكم في سوريا، وسوء حسابات وظنون هوجاء حول آليات الولاء والتفكير والعزم السوري.
ولا تنسي يا سيدتي، أن لدى ممالك ومحميات النفط والغاز ودول الغرب، فائضُ إرهابيين وبنادقُ للتأجير، يجب توظيفهم بشكل يساعد على تآكلهم. ففتحوا لهم خزائن الفتنة من السلاح ومال السحت، ومكنوهم بمساعدة تجار الفتاوى العرعورية والقرضاوية، من إقتحام الحدود الدولية الممتدة، ليعيثوا فسادا في الموزاييك السوري الجميل.
يا سيدتي، الحرب على سوريا أعقد مما أراده طرف بذاته. أو مما يراه شخص طيب أو سيء. لتستمر الحرب لسنوات، تحتاج حطباً من قلب البلد، وشراراتِ إشعالٍ من الخارج. وما أكثر من تفنن في تصدير الشرارات. وما أكثر من تطوع في أن يكون حطبا.
تجمعت الدموع في عينيِّ سيدة الياسمين السوري والجوري الدمشقي، وهي تقول بصدق وطيبة: نحن أبناء هذه الصراعات  المتناحرة، نحاول أن ننجوَ بأحلامنا، أو على الأقل بأنفسنا. فنغادر الأوطان مؤقتا. والطيبون أمثالكم يحتضنوننا وآلامنا وأحلامنا .
ما زالت هذه السيد’ على الحدود، تتنسم أخبار بلدها، وهي تدور حول نفسها، حول خوفها، حول نسائم أمل. فيما ترى الأطفال يعانون في الشوارع، يمسحون دموعا تختلط بحبات عرق شمس تموز المحرقة ، وإستمرار المهزلة.
قلت، وأنا أودعها خجلا منها ومن نفسي: إسميها مهزلة، وستبقىي مهزلة، ما دامت فلسطين ليست هي البوصلة. أول معاقل أمنكم القومي ألإستراتيجي يبدأ من فلسطين، وغدكم لن يتشكل إلا هناك.  وإذا ما قررتم أن يكون غدُكُمْ أجمل، توقَّفوا عن البكاء، فلا وقتَ إلا للعمل.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة