غابات الاحتراب الأولى – بقلم : عبد الله الفيفي

فن وثقافة ….
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي – كاتب واديب وشاعر من السعودية ….
قلتُ في نفسي، بعد أن غادرني (أبو الفتح ابن جني) محنقًا ممَّا سَمِع عن مهندس التفسير المعاصر في مجالسه السابقة:
-ماذا لو سَمِع إذن بما يحدث حين يجتمع الجهل بقوانين اللغة مع أغراض إديولوجيَّة أو دِينيَّة لدَى طوائف أخرى من المعاصرين؟  وهؤلاء تجتمع فيهم الآفات الماحقة من: الجهل، والعداء. وإلى الجهل والعداء تجد صاحب ذلك الخطاب يمارس المغالطة والكذب العلني والتحريف والبذاء. وما على المرء سوى أن يُراجِع الكتب التي يشير إليها، مثلًا، أحد القَمامصة المشلوحين- الذين تطرقنا إلى نموذجه في مقالٍ سابق- حين يتأبطها، ويتكئ عليها، ليكتشف مقدار بتره النصوص، ومدى توظيفه إيَّاها لخدمة غَرَضه، وبأسلوبٍ غير عِلْميٍّ ولا أخلاقي، فـ«الغَرَض مَرَض»، كما قيل.  وهو بذلك يشوِّه مصداقيَّته، ويُسيء إلى دِينه، قبل أيِّ شيء وبعد كلِّ شيء.  لكن الحماقة أعيت من يُداويها.  فإذا أضيف هذا إلى غابات التاريخ- التي يتراكض فيها يمنة ويسرة- المليئة بالسباع والضباع والحشرات والببغاوات والسعادين، فليحدِّث القمُّص ولا حرج!  ذلك أن الرجل إنَّما يجد ضالَّته المحبَّبة في كتب التاريخ، والسِّيَر، والروايات، والعنعنات. ثمَّ لا يكتفي بذلك، بل هو ينتقي منها ما لذَّ له وطاب، فإنْ لم يلذَّ له شيء منها ولم يَطِب، أعمل مهاراته في إعداد مائدته الخاصَّة، وتنسيقها، وعرضها، وأضاف إلى مكوِّناتها ما يلزم من الأبازير والبهارات والأفاويه. وما التاريخ، ومنه التاريخ الإسلامي؟ إنه مادة معروفة الحال! إنْ معظم مجلَّداتها إلا «أحاديث مجالس أو محاورات أَزِقَّة»، في صحائف منثورة من «القيل والقال»، والنمائم الاجتماعيَّة. لو قرأها من رُوِيَت عنهم، لأنكروا نفوسهم قبل أن ينكروها، ولتبرؤوا من شخصيَّاتهم المرسومة فيها قبل أن يتبرؤوا منها. إنه- والحق يقال- لا يعدوا تراثًا شعبيًّا، وفوق صفته هذه، كان يُكتَب تحت حدِّ السيوف الحاكمة، وأسل الرماح المترقِّبة، وربما بالسيوف الحاكمة عينها والرِّماح، مدوَّنًا بمدادٍ من لعاب الأفاعي السياسيَّة، والعقارب المذهبيَّة، والحرابي الطائفيَّة. فأيُّ مصداقيَّة لذلك التاريخ؟! لقد جاء مسرحًا مأساويًّا ملهاويًّا من اللا معقول، واللا مقبول؛ نشأ- لدينا في السياق الإسلامي- إبَّانَ العصر الأمويِّ على ألسنة القُصَّاص، ثمَّ وريثًا بعدئذٍ لتركة أولئك القُصَّاص، وتركة أضرابهم من «الحكواتية»، وأرباب السِّيَر، منذ سيرة (ابن إسحاق)، الذي كان أوَّل المعتذرين عمَّا فيها، بأنه محض سارد لما يسمع، أو بلسان عصرنا: أنه جهاز تسجيل قديم، لا أكثر ولا أقل. تلك، إذن، «سوالف» الأولين، كلَّما حدث أنها تحوَّلت إلى صحائف مكتوبة، بعد أن كانت ثرثرات شفاهيَّة تدور بين الناس في الحوانيت، والمجالس، والمسامرات. ثمَّ جُعِلت سلاحًا إديلوجيًّا، تُعلي وتَخفض، تَدسُّ وتُشوِّه، وتقلب الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا، بحسب اتجاهات الريح وبوصلات الهوى وضغوط المؤسسات. ومَن يقرأ كتب المؤرِّخين الأوائل يُدرِك أنهم لا يَعْدون وظيفة الرواة، لا يُدرِكون معنًى للتاريخ، ولا يتعاملون مع الموضوع بوصفه عِلْمًا وتحقيقًا، من قريبٍ أو بعيد. أقصى ما يفعلون التشبُّه بأهل الحديث في ذِكر بعض الأسانيد، وإبداء بعض الملحوظات أحيانًا هنا وهناك. وهما (الذِّكر والملحوظات) لا يسمنان ولا يغنيان من عِلْم. وإذا كانا لم يمنعا الحديث النبوي- على الرغم من منهاج المحدِّثين ذي المظهر الصارم في تحرِّي الصحيح، وعلى الرغم من أن تعلُّق الأمر في الحديث هو بأخطر ما يجب فيه قول الحق، وتحري الحق- إذا كانا لم يمنعا الحديث النبوي من ورود الطوامِّ الكبرى، المنافية للعقل، والمعارِضة لنصوص القرآن، ولا من اندساس المكذوب والموضوع والغريب والعجيب، فكيف بكتب التاريخ، مع تهلهل مناهجها واكتنافها بالأغراض والمآراب؟! فإذا استثمر هذه المادَّة المختلطة المضطربة الموبوءة امرؤ أكثر منها اضطرابًا واختلاطًا، في نفسه مرض، وفي عقله لوثة جنون من تعصُّب، وهو قد وطَّن نفسه- قبل أن يفتح أيَّ كتاب- على الكيد والتشويه، وعلى الانتصار لمعتقدٍ، وفق أفكاره المسبقة، وخططه المرسومة، لا على البحث بضميرٍ ناقدٍ جادٍّ، وعقلٍ محقٍّ للحق، وَجَدَ- ولا شكَّ- بضاعةً مزجاة يشتغل عليها، ويبيع فيها ويشتري، ويملأ الفضاء ضجيجًا فارغًا، وصخبًا مُنْكَرًا. وإنْ كان في النهاية إنما يؤوب بخفَّي حُنين، لأنه انطلق من باطل، بمنهاج باطل، على طريقٍ لا تُقِلُّه، بل تُضِلُّه، وتُضِلُّ سواه، أشدَّ ظلامًا وخرابًا وعدميَّة من طريق (والت وايتمان Walt Whitman)، في قصيدته «مسيرةٌ والطريق مجهولة A March in the Ranks Hard-Prest, and the Road Unknown». ونحن هنا في التعاطي مع هذا الخطاب غير العِلْمي أمام عِدَّة عوامل، تُعرِّيه ثمَّ تُسقطه:
1- الإشكال المنهاجي السياقي. ويتمثَّل في أخذ ما وُجِد في كُتُب التراث- وما أكثر الموجود- بتسليم، دون فتح ملفِّ سياقاته، وقائليه، وأهدافه وأهدافهم. وإنَّما كأنه وثائق علميَّة رياضيَّة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فلا مندوحة لنقدها، فضلًا عن إنكارها.
2- الإشكال المنهاجي في الأمانة العِلْميَّة. وليست الأمانة العِلْميَّة بمقصورة على الإشارة إلى المرجع والجزء والصفحة، ولكنها كذلك في التعامل مع الوثيقة نفسها، من حيث أمانة النقل، وعدم الإخفاء أو الاجتزاء أو الانتقاء أو التدليس، مع نقد ملابسات النصوص.
3- الإشكال المنهاجي القرائي. ويتمثَّل في عدم أهليَّة القارئ للتعامل مع الوثيقة، لغويًّا وعِلْميًّا، وإنْ سُلِّم أنها وثيقة عِلْميَّة، لا مندوحة لنقدها، فضلًا عن إنكارها.
4- الإشكال الإديولجي. وهو إشكال يُسقِط قيمة ما يقوله صاحب هذا الخطاب جملةً وتفصيلًا، من الوجهة العِلْميَّة. ومَن يَدخل إلى طرحٍ عِلْميٍّ أو تاريخيٍّ من باب التعصُّب لدِينٍ أو إديولوجيا، فليستحِ؛ لأنه يكون عندئذٍ كاللصِّ الذي لا يمكن أن يأتي البيوت من أبوابها، بحُكم الضرورة في حرفته! بل إن اللصَّ يكون أذكى منه غالبًا وأشرف؛ لأنه لا يدَّعي شرف الأمانة، ولا ابتغاء الحقِّ والخير. وإذا ادَّعى ذلك لم يلبس مسوحَ غرضه الذي يفضحه، وإنما جاء بلبوسٍ آخَر يناسب العمل الذي هو بصدده. أمَّا أن يعتمر قُمُّصٌ سواده وعمامته وصليبه، ثمَّ يحدثنا باسم العِلْم والتاريخ ونزاهة المعلومة، عن عدم صحَّة دِينٍ منافس، وأن دِينه هو الصحيح والواجب الاتباع، فحماقةٌ استراتيجية في التأتِّي إلى غرضه، وفي اتباع منهاج يخدم غرضه. وإنَّما الحكمة كانت في أن يلعب لعبةً كلعبة بعض المستشرقين، الذين يكتمون أغراضهم الدِّينية والسياسيَّة، متظاهرين بحُبِّ العِلْم والبحث والتوثيق، ليس إلَّا. فتروج بضاعتهم بين سُوقة المثقَّفين، أو يحلو توظيفها لدَى مَن وافق شَنُّهم طَبَقَته من ذوي الأهواء.
هذا حال بعض أرباب الأديان، بصفة شخصيَّة، وحالهم بصفة عِلْميَّة. ومن هؤلاء النموذج المشلوح المشار إليه، المعروف بهذا وذاك، شلحته (=أوقفته/ جرَّدته من الرهبنة والكهنوت) الكنيسة المِصْريَّة، كما صرَّح، منذ زمن طويل، (نيافة الأنبا بشوي)، مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدَّس في مِصْر، ولكنه ما زال باقيًا في بثِّ خطابه ويتمدَّد.(1) وقد خالف بذلك ناموس دِينه أصلًا، ونعمة ربِّه، التي يدَّعيها، وناقض وصايا نبيِّه، بل إلاهه كما يدعوه؛ من حيث لم يكن لا بالوديع، ولا بالمُسالم، ولا بالطاهر القلب، ولا بالمُحبِّ أعداءه، أو المبارك لاعنيه، ولا بالمتنازل عن الدفاع عن نفسه، المعتقد بأن الربَّ يدافع عنه إنْ ظُلِم. بل هو أبدًا في هياجٍ وعدوانٍ لفظيٍّ ضارٍ على نبي الإسلام وأزواجه وكتابه وأصحابه والإسلام والمسلمين. متبعًا خطوات الانتقائيَّة، والتحوير، والبتر، والتحريف، والتفتيش عن كلِّ شاذٍّ يخدم الغرض المبيَّت في نفسه. ولذا فهو نموذجٌ تطبيقيٌّ لمن شاء الدرس الثقافي، أو التحليل من وجهة نفسيَّة أو اجتماعيَّة، لمعرفة كيف تصنع فيروسات التعصُّب بالإنسان، إذ تمسخه إلى غرابٍ أو إلى صِلٍّ أرقط. ومثل هذا الخطاب وقود الكراهية الأزلي والاحتراب الأبدي بين أتباع الديانات المختلفة، وهو مشتعلٌ اليوم، أكثر من أيِّ وقت مضى، بين أتباع جميع الأديان والطوائف والمذاهب، عبر وسائل الإعلام والتواصل المعاصرة.

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة