في مجلس ابن جِنِّي: 10 – (وآفته من الفهم السقيم) بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات ….
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي- كاتب واديب وشاعر من السعودية ….
ذكر (أبو الفتح ابن جِنِّي) في مجلسه السابق مع صاحبه أنه يمكن أن تكون للرسالة اللغويَّة مستويات متعددة في الدلالة، وللناس درجات متفاوتة في الفهم. وهذا أمر يميِّز النصوص البلاغية الراقية، لكن يجب أن يكون ذلك من داخل المنظومة اللغويَّة، وممَّا تستوعب درجاته اللغة. فإذا خرج المأوِّل عن هذا الشرط، أصبح يمارس شَطْحًا، خارج اللغة والوسيلة وقوانين التراسل. وعندئذٍ يمكن أن يقول ما شاء، لكنه قولٌ لا وزن له؛ لأنه قد تنكَّب المنهاج السديد. فسأله صاحبه:
– هل من إيضاح يكشف تعطيل الوسيلة اللغوية في هذا الطرح الذي يدلي به مهندس التفسير المعاصر، مثلًا، من أن كلمة «البنين» في الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ والبَنِينَ…﴾، (آل عمران، 14)، المقصود بها: «الأبنية»، كالأهرامات ونحوها؟
– جمعه بناء على «بنين» طامَّة تعري علمه وعمله كليهما؛ لتقول لنا إنه، إذن، يُلغي اللغة التي جاء القرآن عبرها. ولسنا ندري كيف اتسق له ذلك، وعلى أي صرفٍ لغويٍّ استند؟ كما لم نعلم من قبل في أيِّ صرفٍ لغويٍّ عربيٍّ وجد أن «نسيء» يُجمع على «نِساء»؟! وإنما يبدو أنه خلط بين «النَّسَاء»، بمعنى «النَّسْء»، أي التأخير- كما في القول المنسوب إلى (علي بن أبي طالب): «من سَرَّه النَّسَاء، ولا نَسَاء، فليُباكر الغداء، وليُقِلَّ غِشيان النِّساء، وليُخفِّف الرِّداء»(1)- وبين كلمة «النِّساء». فــ«النَّساء»، بفتح النون، غير «النِّساء»، بكسرها، التي خصها القرآن بسورة كاملة من أطول سوره، وهي جمعٌ لا مفرد له من لفظه. وما كان القرآن ليطلسم معانيه على الناس، بتلك الطريقة التي يدَّعيها أستاذكم المهندس، وإنْ احتملت اللغة ذلك، فكيف وهي لا تحتمله؟! حتى لو قيل إن أصل تسمية نِساء: جمع نَسْء؛ لأن النِّساء اللائي تأخَّر حيضهن يوصفن بأنهن نِسوة نِسَاء، فالكلمة تدور حول النِّساء، جمع امرأة. أمَّا زعمه العجيب أن كلمة «نِساء» في القرآن لا تعني جمع امرأة، وإنَّما تعني: ما استجدَّ من أشياء في الحياة الإنسانية إلى قيام الساعة، أو تعني: النِّساء والرجال معًا، ممَّا أوردته في مجلسنا الثاني، فمحض تخريف!
– يا شيخ العربية، العجيب أن الرجل ينكر الترادف في النصِّ القرآني؛ لأنه يراه مضلَّه المعنى المحدَّد، في الوقت الذي يدَّعي وجود مشتركات لفظيَّة، حيث لا وجود لمشتركٍ لفظيٍّ أصلًا، كما رأينا بين «نَساء» و«نِساء»، و«بنين» و«أبنية»، وإنما هي أوهامه وتخبُّطاته اللغويَّة. ينفي الترادف من هنا ليدَّعي ألوانًا من الترادفات والمتشابهات والمشتركات، من هناك! مشبِّهًا القرآن بسجَّادة سِحريَّة شاهدها في أحد المتاحف في أوربا، يتغيَّر منظرها كلَّما نظرت إليها من زاوية. ومن هنا فهو في الوقت الذي يقول فيه بنفي الترادف في القرآن، وهو اشتراك عدد من الألفاظ في معنى واحد؛ بحُجَّة تثبيت المعنى وتحديده، يغرق في القول بالمشترك اللفظي، وهو أن يكون للفظٍ واحدٍ أكثر من معنى. والترادف شائع في العربيَّة والمشترك اللفظي كذلك. فأيُّ الظاهرتين أدعى لضياع المعنى؟ معروف أن المشترك اللفظي هو الأقرب إلى احتمال أن يكون فيه التباس المعنى، إلى درجة أن بعض الألفاظ قد تعني المعنى ونقيضه، وهي ألفاظ الأضداد. بل يتجاوز المهندس هذا إلى ربطه بين ألفاظ متباعدة، مثل: «نَساء، نِساء، بنين، وأبنية». فأي متاهات ألقى بالنصِّ في مهبَّاتها؟!
– أجل، إن المشترك اللفظي، على فرض وجوده، مضلَّة أكبر من المترادف، حينما لا يصبح للكلمة معنى مفهوم محدَّد. والغلوُّ في القول بتعدُّد المعنى على ذلك النحو المطلق، كالقول بتجميده، فيه إفسادٌ للنص، طبيعةً ووظيفة. إنَّما هي، إذن، الجرأة على العبث باسم الاجتهاد. وهي كذلك المراوغة الشاطحة في قراءة النصوص، في مقابل ضربٍ آخر مُغرِض من القراءات، متوقِّف عند ظاهر الكلمات. فهذه تجتهد في تصيُّد ما يخدم مطاعنها، وتلك تهرب من المعنى، منتجةً قراءة بعيدة عن دلالات الألفاظ وأساليب العرب، بدعوى إنتاج قراءة جديدة تتلافى ما لا يرضاه خصوم الإسلام، وإنْ بالتمحُّل، والتأوُّل. وكلتا القراءتين لا تؤتي من المعنى سِوَى الحصرم.
– وماذا عن الحشو؟ فهو يزعم أنه يفرُّ من الترادف لكي ينفي عن القرآن الحشو.
– من الواضح أن الرجل لا يفهم مفهوم الحشو، فيظنه يعني كلامًا فارغًا، غير ذي قيمة ولا وظيفة. مسألة الحشو مسألة بلاغيَّة لا يفقهها مَن لا يفقه البلاغة، على كلِّ حال، ولا تخلو من وظيفة مقصودة. لنَعرض على صاحبك آيات فيها صور من الحشو، قياسًا إلى كلامه، كما في (سورة طه، الآيات 17- 19): ﴿ومَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ، يَا مُوسَىٰ؟ قَالَ: هِيَ عَصَايَ، أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا، وأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي، ولِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ. قَالَ: أَلْقِهَا، يَا مُوسَىٰ.﴾ أفلم يكن الله يعلم ما تلك بيمين موسى؟! فلِمَ سأله؟! وهٰذا الأسلوب نجده في «التوراة»(2) أيضًا: «فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «مَا هٰذِهِ فِي يَدِكَ؟» فَقَالَ: «عَصًا». فَقَالَ: «اطْرَحْهَا إِلَى الأَرْضِ».» ثمَّ لِـمَ يظلُّ يناديه: «يا موسى».. «يا موسى»، وليس معهما ثالث؟! ولِـمَ قال في (سورة النحل، الآية 51): ﴿وقَالَ اللَّـهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَـٰهَيْنِ اثْنَيْنِ؛ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ، فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾؟ أما كان في الإمكان القول: ﴿وقَالَ اللَّـهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَـٰهَيْنِ؛ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ، فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، لولا مراعاة أسلوب من التأثير البلاغيِّ يتخطَّى في وظيفته مجرد إيصال الفكرة الذهنيَّة الباردة؟! هٰذه واحدة، لعلَّها تكفي في ما يتعلَّق بأساليب قد يظنُّها الساذج في معرفته بالأساليب حشوًا، وهي لدَى العارفين، من عرب وعجم، أساليب بلاغيَّة مقصودة. وبناء على هذا، فإن القول بالحشو، على إطلاقه، اعتبارٌ فاسد.
– مهلًا، أبا الفتح، أتقول «اعتبار»؟
– نعم.
– في زماننا كثيرًا ما نسمع ونقرأ تخطئة التعبير بـ«اعتبار»، أو «يعتبر»، في مثل هذا السياق، فيقال قل: «يُعَدُّ»، و«اعتداد»؛ لأن العرب لم تستعمل هذا التعبير إلَّا بمعنى الاتعاظ.
– القول إن مثل هذا مولَّدٌ بعد زمن الاحتجاج، وليس من كلام العرب، يغفل عن أن اللغة ما وُجدت إلَّا للتعبير عمَّا في الأذهان، وهل كان في الأذهان زمن الاحتجاج كل المعاني التي تخطر في الأذهان؟ أو ما يمكن أن تأتي به التطورات الفكرية والفلسفية في حياة الأُمَّة من معانٍ؟ إن زمن الاحتجاج لا يعدو عصر الأعراب، من البدو البسطاء، من أرباب الشاء والإبل، لو حجرنا على الناس أن لا يستعملوا إلا ما استعمل هؤلاء، لكان ذلك حكمًا على اللغة العربيَّة بالفناء، وعلى العقل العربي بالتعطل! فكلمة «اعتبرَ» تأتي فعلًا لازمًا، بمعنى: اتَّعظ، ومتعديًا بمعنى: اعتدَّ بالشيء وجعله في مقامه اللائق. واعتبر المسألة: اختبرها. وهذا من سعة العربية، فلماذا تضيقون واسعًا؟! ثمَّ إني سآتيكم من كتبكم التراثية نفسها بطائفة ممَّن استعملوا هذا التعبير، ممَّن هم غير متهمين في عربيتهم، ولا في معرفتهم بلسان العرب. جاء في معجم «المحكم والمحيط الأعظم، (جزع)»، لـ(ابن سيده)، مثلًا: «ولم يعتبر سيبويه ذلك». و(الأزهري)، في «تهذيب اللغة، (حسب)»، يقول: «والفقهاء يحتاجون إلى معرفة الحسب، لأنه مما يُعْتَبر به مهر المرأة إذا عقد النكاح». وها هو ذا صاحب «لسان العرب المحيط»، (ابن منظور)، يورد عبارة: «اعتبار كذا»، (انظر مثلًا: (دوا)، (رسس)). و(الزبيدي)، في «تاج العروس»، يورد مثل هذا مرارًا. إلى غير هذا كثير. ويستعمل (أبو حيان التوحيدي) مفردة «اعتبار» في رسائله، وكذا (عبدالقاهر الجرجاني)، في «أسرار البلاغة»، و«دلائل الإعجاز». فأين تذهبون؟! إن المعاني الفلسفية، يا بُني، أو الفكرية الدقيقة، لم تكن قط في أذهان العرب إبان عصر الاحتجاج، ممَّا يقتضي اشتقاق تعبيرات جديدة، وإلَّا ماتت اللغة، وماتت طرائق التعبير عن مستجدات الحياة من الأفكار.
– مشكلتنا أننا نردِّد هذه القشور من دون تأمُّل، ولا رجوع إلى التراث، ونتخذها مسلَّمات، كما نفعل في شؤون الدِّين، ما دام قد أفتى بها فلان من المتنطعين، ممَّن علموا شيئًا وغابت عنهم أشياء. عَودًا إلى مفسرنا المهندس.
– الرجل لا يعي وظيفة البلاغة، كما قلتُ، ولا طبيعة الأسلوب الأدبي ووظيفته، بل يسعى جاهدًا لقولبة النصِّ القرآني في بناءٍ رياضيٍّ علميٍّ صارم. وهذا جهل مركب؛ فالقرآن خطابٌ لغويٌّ أدبيٌّ، لا علميٌّ صِرْف، بل يتوخَّى التعليم والتأثير في آن، وليس كتابًا علميًّا بحتًا، يهدف إلى إيصال الفكرة الذهنيَّة الباردة فقط. ووظيفة التأثير الجمالي والوجداني لا تتأتى إلَّا بأساليب البلاغة، وبشِعريَّة الأسلوب التي يدَّعي صاحبك انتفاءها في القرآن. ومسألة (الحشو) التي أثارها، إنْ وُجِدت، ذات وظيفة أسلوبيَّة أدبيَّة معروفة، يُقدِّرها النقَّاد، وليس كلُّ حشوٍ بمعيب.(3) لكن الجهل بقوانين اللغة، والعمى بالأساليب البلاغيَّة، والنأي عن الثقافة البيئيَّة، مدعاةٌ لسوء الفهم، ومجالٌ لكلِّ عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم، كما قال صديقي الطيِّب (أبو الطيِّب المتنبي).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: الصَّغاني، الحسن بن محمَّد، العُباب الزاخر واللُّباب الفاخر، (نسأ).
(2) سِفر الخروج، 4: 2- 3.
(3) انظر مثلًا: كوهن، جان، (1986)، بنية اللغة الشِّعريَّة، ترجمة: محمَّد الولي ومحمَّد العمري (الدار البيضاء: دار توبقال)، 131-000.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة