المخضّر – قصة : شهربان معدي – فلسطين المحتلة ..

القصة …..
بقلم: شهربان معدي – فلسطين المحتلة …
أطلَّ صباحً أخضر؛ كروح أبي سلمان الخضراء التي قررت أن لا تنحنيَ لشهر كانون الأول الأجرد الذي فاجأ الجميع  بشتوة غزيرة، استمرت ثلاثة أيام وجعلت عافية الأرض تفيض بالخير، وهي ما زالت طفلة تحبو، وتراءت في قميص أشجار السريس والسنديان والبطم.
إرتفع العشب يانعا نديًا، واستيقظت الخبيزة والعلت والزعتر من سباتها باكرة، وأيقظت في روح أبي سلمان الحنين لتلك الأيام الخوالي، التي كان يعمل فيها “مُخَضِرًا” على الأراضي الشاسعة، التي كانت  تَكاد تُغطي عين الشّمس، وكانت مُلكًا لأهل قرّيته، ولكن صودر غالبيتها لدائرة أملاك الدولة وتحوّلت إلى غابات محمية أو مراعي للمستوطنات والموشبيم المجاورة.
وأكثر ما كان يؤلمه فقدانه للبُقعة الصغيرة التي كان يمّلكها والتي لا تتعدى الدونمين ولكنها صودرت، كأملاك الكثيرين من هؤلاء القرويين، الذين جرفتهم المدنية الحديثة وانشغلوا بالوظائف الحكومية، وحياة الترف والرفاهية الجديدة، التي ألقت ظلالها عليهم الدولة العلمانية الحديثة!! بعد أن كان غالبيتهم فلاّحون ورعاة، ونسوا أو بالأحرى تناسوا أرضهم الطيبة، التي كان الأجدر بهم أن يحافظوا على كلّ ذرة  تراب عليها..
لم يتبق لِأبي سلمان من علاقته الحميمة مع أرّضهِ ومهنته القديمة كمُخَضّر، غير ذكريات خصبة ما زالت عالقة  في ذهنه الفتي، ومنها تجواله الطويل أثناء ساعات النهار حيث كان يُراقب مجموعات الرُعاة الذين كانوا يزيغون بماشيتهم عن الأراضي البور والمراعي ليقتحموا الحقول المزروعة بالقمح والشعير والكرسنة، وكروم الزيتون والعنب، أو يُطارد مجموعات الّنَوَرْ (الغجر) الذين عُرِفوا بخفة اليد حيث كانوا ينامون في العراء ليلا، ويتجولون في ساعات النهار، يبيعون الكحل الأسمر وقلائد الخرز ومناديل الحرير والزيوت الطبية، لأهالي القُرى النائية.
ولطالما أعاد أبي سلّمان سائمة تائهة لأصحابها أو فرخ عُصّفور لِعُشّهِ أو هدى ضالاً إلى سبيله.. وبالرغم من الأجرة الزهيدة التي كان يتلقاها من مُختار القرية. كان راضِيا بقسمُته، كان حُبَّه لأرضه التي كفته عن كل شيء.. يغنيه عن كلّ الدنيا..
علّق مدّيته الصغيرة بحِزامه الجلديّ المُهلهِل، وأمسك عَصاه الصلبة التي كان قد اقتطعها من شجرة سنديان يافعة وانطلق في رحلته الأخيرة إلى أرضه الطيّبة..
لقد كان أبي سلّمان عاقد العزم، أن يجمع كل ما يجدّه من خيراتها، بعد أن عافت نفسه، الأطعمة المُعَلَبة والمُدخّنة التي كان يتناولها طيلة أيام السنة، واشتهت نفسه “كنبوش علت” أخضر يلفه برغيف خبز صاج، ويُعطّره بمِقدار سَخيّ من زيت الزيتون الصافي..
انتعل مداسه العتيق، وانطلق كالسهم مُتجاهِلا زحف السنون على جسده المُنهك الذي ازداد نِحولا بعد وفاة زوجُتِهِ فاطمة التي أحبّها حُبّا دونهُ كُلَّ شيء إلاّ أرضه الطيبة؛ الوحيدة التي بقيت مُخًلصة له بعد رحيلها، والتي رَفَضَ الاقتران بغيرها رغم العروض المُغرية التي عَرَضها عليه أصدقاؤه، في بيت المُسن.
ولكن إخّلاصه لزوجته جعله يرضى بالعيش في برودة الشيخوخة لوحده بعد أن زوّج كلَّ بناته وأوّلاده، وكان عزاؤه هذه الساعات الطويلة التي كان يتجول فيها في تلك البراري، التي لم يفقه سر علاقته بها أحدهم، عدا فطيم التي كانت روحها كبيرة، وقلبها خالصًا مُفّعما بالخير والعطاء كتلك الأرض نفسها، فلماذا رحلت وتركتّه وحيدًا..؟
انطلق الشيخ الذي صادق الأشجار والطيور والصخور وألِفَ كل شيء في هذه البرّية، مُتَحَدِيًا الرُبعان والسناسل والأسلاك الشائكة.. كان يسير على سجيَتِهِ جَذِلا نشوانا، العَصافير تتسابق لتنقر الحبَّ من كفّيّهِ، النسيم المُعطّر بالفيجن والميرمية يتراقص حوّله، الغُدران تتسارع إليهِ، كل شيء يرنو لِملمَسِهِ!
شَعَرَ أبو سلّمان بنفحة من نَفَحات السعادة ترّتَعِش في صدرِهِ عندما وَصَلَ إلى بيدَرِهِ الغالي، الذي كان يُفلّحَهُ بالعدس والحمص والفول..
تَذَكَرَ مِحراثِهِ الخشبيّ وبقرَتَه نجمة، ولكن سُرّعان ما تَبَدّل حاله، عندما اكتشف أن )البكليك الروميّ) الذي كان يسّتظل  بظلاله هو وزوجته فطيم وأطّفاله، قد اختفى ونبتت مكانه شجرة خروب مُزهرة! البكليك الذي تحدى سنة الجَراد، وسنة الثلجة وحروبا كثيرة، قد هرِمَ وهوى وأصبحت رفاته وقودا لعابري السبيل.
ساح نظره في البرية الخضراء، وجلس بأسى تحت الخروبة المُزهرة التي تطل على المرجة، وتخيّل فطيم مُقبِلة نحّوه وجهُها كالقمر، وأطفالها بوجناتهم المحمرة  كالزعرور، يتقفزون حولها كالحملان الوديعة، تارةً يلاحقون رفوف الحجل والسُمّان التي كانت تدرِج في البيدر الخضل، باحثة عن حبوب تأكلها، وطورا يتعاركون مع  الجديان الثلاثة.. “الأبرش والأكحل والأعطر”..
لن ينسى قط وجه فاطمة الصبوح، الذي كان يتضرج بحمرة البرقوق عند كل بيت عتابا كان يعتِّبَهً لها، على رأس كل ثلم.
رحلت فُطيم وتزوج الأولاد وخسر هذه اللحظات الميمونة في بذخِها.
سقطت إحدى بتلات شجرة الخروب على كفه المُجعد.. حملها بخُشوع، وأخذ يبكي بصمت.. من يظن أن طول العمر يُقيد الأشواق؟ حتمًا لا! طول العمر لا يُقيد العواطف، وقلبه..؟ ما زال  ينبُض بحب فاطمة رغم دالية عُمره التي يبـِست.
أخرج الشيخ مديَته الصغيرة، وأخذ يقتلع كلَّ ما يَجّده أمامه من خيرات أرضَهُ الطيبة، الخبيزة والعلت والزعتر الغض، الذي كان يتفيأ بظل الصخور البيضاء.
نسيّ الزمان والمكان، ونسي نفسه.. وكان يضع كل ما يجمعه من أعشاب بصُرّة قديمة طالما جَمع بها خيرات جمّة من هذه البرية ليعود بها إلى فطيم التي كانت ابتسامتها بحجم تلك الصُرّة! لم يؤب إليها صِفر اليدين.. هذه الأرض الطيبة، أعطته كفايته من كل شيء، من حطب المشاحر حتى حفنة الحلبنّة وكبوش العُليّق..
هذه الأرض خيرها دافق عليه، وهو لم يُفرط بها كما لم يُفرط بفاطمة التي ما زال يلفحه هواء رَحيلها.
ولكن سُرعان ما مزّق سكينة سماء هذا الشيخ وبعثر نرجس أحلامه، نُباح كلب ضخم أقبل إليه لاهثا برفقة شاب في مقتبل عُمره، كان يبدو عليه أنه من بقايا رجال طبقة الأرستقراطيين من القرون الوُسطى، بهندامه الأنيق ونظراته المُتعالية التي كانت تخترق نظارتيه السميكتين!
نظر إلى الشيخ نظرة قاسية شرزاء، عندما لاحظ طلوق الزعتر اليانعة تتراقص بين أصابعه المُلطخة بالتُراب.. خاطبه بلكنة قاسية ممزوجة بالتهديد والوعيد:
–  أظنك أجهزت على كل الزعتر في البرية يا سيّد!! من أوعز لك أن تخترق الأسلاك الشائكة وتخترق أرض الموشاب، وتقطف نبتة الزعتر التي تُعتبر نبتة محمية؟
نَظَرَ إليّه أبو سلّمان بعينين كليلتين وخاطبه بصوتٍ أجشّ وبكلمات حانقة:
– هذه الأرض أرضي ومن خيّراتها تربيّت وربيّت أولادي ألا تفهم! هذه أرضي وأنا أحق من ماشيتكم التي ترعى الأخضر واليابس!
ثم رفع الشيخ عصاه القوية وأشار إلى البيدر الزاهي والمرجة الخضراء وردد بصوتٍ غلبه البُكاء:
– هذه أرضي! أرضي..
–  كانت يوما أرضك! يا سيد..! أجابه الشاب الغريب، كان فعل ماضي ألا تفهم! أو رُبّما نسيّت أنها أصبحت مُلكا للدولة، منذ سنوات عديدة، أعجبكَ أم لم يعجبك! وأردف قائلا بسخرية جارحة:
–  تباً لكم.. عربيم  برمطيبم! تأكُلون كل شيء حتى الحشيش!
وبحركة استفزازية انقضّ على الصُرّة البالية ليفرغ مُحتوياتها ويبعثرها على الأرض الطيبة.
امتقع وجه الشيخ الجليل وشعر أن هذا الشاب الجلف، قد أفرغ له رفات ذكرياته الحلوة مع هذه الصُرّة الغالية على قلّبه الذي استأسدَ فجّأةً وُكاد يقفز من صدره، الذي كان يصُد الريح إذ تعوي!
قبض على عصاه، وانقض على الشاب الغريب بكل ما منحه الله من طاقة وقوة وإيمان.. مسكين أبو سلمان نسيّ أن عظامه أصبحت هشة، ونسي أن برفقة هذا الرجل كلب ضخم، يستطيع أن يُقطّع أوصاله بأسنانه الحادة، إربًا.. إربًا..
بعد معركة ضارية دارت بين أبي سلمان وبين الشاب وكلبه الشرس، وجدَ الشيخ نفسه ملقى على التربة، يتضرج بدمائه بعد أن فارقه الأخير، وكلبه الضخم يتقفز أمامه مُلَوِحا بذيلِه السمين، وكان يرغي ويزبد ويهدد بأنه في المرة القادمة سيُكلفه جمع الزعتر واقتحام أرض الموشاب، آلاف الشواقل!
انخرط الشيخ في بكاء أخّرس مُحاولاً مُواساة كِبرِيائه المجروحة، عندما شعر بوخزٍ شَديد في صدّرهِ، أجبره أن يستلقيّ على التُراب الغالي،  بلا حولٍ ولا قِوة ساعات طويلة.
– رحمتك يا رباه! لماذا تخوننا قوانا وتخذلنا عندما نكون في أشد الحاجة إليها!
ليت هذا الشاب أحبَّ هذه البقعة من الأرض مثّله وخشِيَ عَلَيها! ليته أدرك أن قطف طُلّقين من الزعتر لن يُقفِرا هذه الأرض الطيّبة، ولن يؤذياها! بل سيُحفِزَها بأن تبرعم وتثمر مع كُل موسم جَديد.
وهو حتمًا لم يدرك سر هذه الأرض الطيّبة! لم تلمس روحه روحَها! أو ينهل من اجّرانها وسواقيها! ولم يستفكه بعنّبها وصبّارها.. أو..؟ يتطبب بجُعّساسها وفيّجنها! ولم يتَعطّر بقندولها وريحانها! ويقتات بِخيّراتها ويتدفأ بحطبها! هذه الأرض خيرها دافق عَليه..؟ وهذا الشاب كسائر أولاد اليوم الذين لم يستسيغوا إلاّ حرارة المدافئ وغُرف التبريد مما جَعَلَ قلوبهُم جافه بارِده تَماما كطَعامهم  المُصَنّع البارد.
مَرَّ وقتٌ طويل والشيخ أبو سلمان مُستلقٍ على الأرض الطيّبة.. وكل مُحاولاته في النهوض، ذهبت أدراج الرِياح بعد أن اشتد الوخز في صدره الواهن، ونزيف الدماء من أطرافه، التي أحدثها الكلب المفترس..
ضِّبَ الرَّمْسُ وغمر الضباب الجبال والأودية الخاشعة، التي كانت تصلي مع لحظات الغروب الدامي، عندما اقتربت مِنهُ،  كانت هادئة كالنسيم في فم المساء، ويهتز طيفها مع طيفه الهابط من المرجة و.. عادت فطيم.
مرَّ وقتٌ طَويل ولكنها أخيرًا سمعت نداء قلبه واستجابت لظمأ روحه، و.. عادت لتأخذه إليها.
انبثق نور الفجر وانعقد ضباب خفيف فوق الربوة والوادي السَحيق والمراعي المُسيّجة، رَطّب الزهر ونَدّى الشجر، والشيخ ما زالَ مُستَلقِيا على التُراب الذي كان عالِقا على مَداسِهِ العتيق، وكفيّه المُجعدتين وبين أصابعه الخشنة وتحت أظافره.
في ذلك اليوم، التحم جَسَد أبي سَلمان بأرضه الطيّبة، أرضَهُ التي كان قلبه، ينبض بِها لا من أجلها.
إضاءات:
المخضّر: ناطور الأرض
برمطيبي: بدائي
العلت: نبتة الهندباء

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة