سحر كرة القدم “تحليل وبسمات” – بقلم : خالد جوده احمد

منوعات ….
بقلم : خالد جوده أحمد
في فيلم (مرجان احمد مرجان) عندما سدد (عادل إمام “مرجان”) الكرة علي مرمي الخصم –وكانت المباراة مباعة لصالحه- ارتطمت  بعارضة المرمي، فوجه العتاب لتابعه (محمد شومان “حسن”)، فصرح له أنه يستحيل تقديم الرشوة للعارضة بحيث لا تقف مانعًا لدخول الكرة لشباك المرمي، لعل هذا يفسر سيكولوجية هذه اللعبة، فيقدم المشهد الإجابة حول السؤال: لماذا يحبون كرة القدم؟، وما سر الشعف الهائل بها في العالم أجمع، ببساطة لأنها تمثل العدالة والمساواة بين الأنداد، حيث الشفافية، وحيث الجميع يري، فلا هيمنة سوي للتكتيك والمهارة الفنية واللياقة البدنية العالية، ولا نجاح سوي بالبذل والعطاء، كما ان بها دراما مبهجة ومحزنة في آن، ومفارقات وأرزاق، فهي تقدم نموذجًا لمرآة الإدارة الناجزة البعيدة عن المجاملات فلا يحقق فريق كروي مهما كان شانه النجاح في ظل الفساد الذي ياخذ بخناق التشكيل الصائب.
وقد ظهرت للأسف أغلب المنتخبات العربية بمستوي متواضع بين الفرق المتنافسة القوية بكأس العالم روسيا 2018، خاصة الفريق المصري الذى حصد الهزائم الثلاث مجتمعة في مبارياته جميعًا، فظهر بمستوي كان استكمال مسيرة الإختباء عن كأس العالم خير منه، وكنت قد أخذت عهد علي نفسي، وما زلت وفيا له، وهو ألا أشاهد مبارة كرة قدم يكون الفريق المصري العزيز مشاركا فيه أمام الفرق من بلاد أخري، وبذلك أكون قد ربحت أعصابي، إذ ما معني أن تحترق أعصابي في انتظار فوزغير مؤكد، ومتابعة فرقنا القومية وأدائها متذبذب ويخضع للصدفة وقوانين الطفرات الإستثنائية. المصري يعشق كرة القدم ويتمني أن تحصد له فرقته القومية البطولات وحلمنا كان أن نؤدي الأداء القريب من المشرف علي الأقل مثيل 1990، وهو الأمر الذي حتى لم نطوله، حتي السعودية الشقيقة  ُهزمنا منها، وليس عيبًا أن ُنهزم من الشقيقة فهي علي الأقل العربية، وقد هزمنا شرقًا (روسيا) وغربًا (اوراجواي)، ولكن المفارقة أن مصر كانت لها المكانة الأولي، والآن للبسمة الثانية في المقال نموذجًا لهذا التفوق الذاهب، كان فريق النادي الأهلي في الأربعينيات يقضي عدة أسابيع من فترة الصيف في ربوع سوريا –فرج الله كربها- وكان من المفروض أن يلعب ثلاث مباريات فقط، ولكن عشق الشعب السوري لمصر وفريق الكرة بالأهلي يؤدي بالضغط علي المنظم للمباريات أن يلعب الأهلي أكثر من سبع مباريات، في مدن سورية مختلفة، وكان الخصم فريقًا واحدًا لا يتغير وهو فريق منتخب سوريا، وكانت النتائج لهذه المباريات معروفة، لا تتغير وهي الفوز المبين، فكان الأهلي يفوز في أي مبارة باكثر من 11 هدفًا، مما يسبب حرجًا بالغًا لإداري ومدربي فريق الأهلي في ظل المحبة العربية والإحتفاء السوري، فنجد مشهدًا نادرًا وطريفًا لا يمكن أن يتكرر في تاريخ الساحرة المستديرة، أنه عندما يحرز الأهلي هدفه العاشر، يبدأ أداريوا الأهلي في النزول إلي الأرض، واللف حول خطوط الملعب ويصيحون في اللاعبين: (اختشي منك له .. كفاية كدة!!).
ثم لماذا المدرب الأجنبي!!، وأفضل مدربين حققا نتائج مصرية كانا مصريين (الجوهري وشحاتة)، وأقدم بسمة لطيفة حول (محمود الجوهري) اللاعب، لكنها مرتبطة بزميله بجناح مصر الأيمن سنة 1959 حينها  الكابين عصام بهيج، حيث أنه في بطولة الأمم الإفريقية الثانية لعبت مصر ضد أثيوبيا وفازت عليها 4- صفر، ورغم هذا الفوز الرائع (بمقاييس أيامنا هذه) كان عصام في غير مستواه بالمرة وكان عالة علي الفريق، وأضاع اهدافًا أكيدة، وكادت تحدث كارثة بسببه، لذلك استلمه رسام الكاريكاتير (مصطفي حسين) وكان في بداية حياته الصحفية يرسم صفحة الرياضة بالمساء، ورسم مجموعة رسومات ساخرة لعصام بهيج، مثلًا عصام يقبل زميلًا له والكورة في الجون، فيقول له زميله (بتقبلني علي أيه؟ .. ده الجون فينا؟؟؟!)، طبعًا هذا يذكركم بالهدف الرابع المصري في بطولات كأس العالم مجتمعة منذ قرن من الزمان (هدف أحمد فتحي)، وكانت المبارة النهائية للبطولة الإفريقية الثانية في مصر بين فريقي مصر والسودان، والفائز بها يفوز بالبطولة الثانية، ومصر فازت علي أثيوبيا كما سبق، والسودان فازت أيضًا علي أثيوبيا 3 – صفر، وكان رئيس السودان حينها اللواء إبراهيم عبود قد اتصل بسفير السودان في القاهرة هاتفيًا والذي أبلغ لاعبيه أن الرئيس عبود اتصل هاتفيًا ويبلغهم رسالة أنه كما فازت مصر باول بطولة للأمم الإفريقية سنة 1957 بالخرطوم وعادوا من السودان حاملين الكأس، فعليكم ان تردوا لهم الجميل وتفوزوا عليهم في أرضهم وبين جماهيرهم أيضًا وتعودوا من القاهرة بنفس الكأس، فلابد أن تردوا الصاع بالصاع. ووصل الكلام إلى المشير عبد الحكيم عامر رئيس اتحاد كرة القدم المصري حينها، وغضب من الكلام، وفي اليوم التالي يوم المباراة ذهب المشير إلي معسكر الفريق المصري وقال للاعبين: (إما أن تفوزوا أو تموتوا في الملعب)، فرد عصام بهيج بأن مجرد التعادل يكفي مصر لأننا أعلي من السودان بهدف في نتجية مباراة البلدين مع أثيوبيا، فقال له المشير: (أنت بالذات تسكت خالص … ما تفتحش بقك)، وفهم عصام الرسالة، فلعب مباراة العمر، ومن كرة أرسلها له (محمود الجوهري) علي حافة خط الـ 18 أودع عصام بطريقة لولبية اشتهر بها الكرة المرمي مسجلًا الهدف الأول، ثم يتعادل السودان بقدم لاعبه الكبير (صديق منزول) وكان يقال له (بوشكاش إفريقيا)، وقبل نهاية المباراة باربع دقائق وفي الوقت القاتل يمرق الفذ (محمود الجوهري) صانع السعادة من جهة اليسار ويرفع كرة عالية بعرض الملعب وجدها (عصام بهيج) ستسقط خلف ظهره، فاستدار بسرعة بضربة مزدوجة خلفية “دبل باك ورد”، فلم يرها حارس مرمي السودان محرزًا الهدف القاتل في الوقت القاتل، وتفوز مصر بالكأس الإفريقية الثانية، ويعتذر (مصطفي حسين) ل (عصام بهيج) ويرسم بطول صفحة المساء كاريكاتيرًا له وهو ينحني معتذرًا امام بهيج الذي وضعه فوق العرش ويقول له (معذرة يا مولاي).
والآن للأسف لا نفوز إلا بضربة حظ، هذا أمر، أما الأمر الآخر فهو حالة التفاعل المبالغ فيه، والحماسة الزائدة بلا مبرر، أن هذا التعلق الغريب بكرة القدم يحتاج أن يقع تحت مظلة الفحص العلمي، فهو طريقة نفسية وبحث عن معني الجدارة، وآسف إذا قلت أن الفرحة الهستيرية والمبالغة في التعبير عن السعادة بالانتصارات في كرة القدم لدي البعض هي فرحة يجب أن تخضع للدراسة والتفسير، وأأمل ألا تكون بالفعل ظاهرة مرضية، تعبرعن حالة اختناق شديد، وتعبر عن ملكات للشعب مبتورة، لا تستطيع أن تظهر ذاتها القومية عبر مشروع قومي أو فريق عمل يتناسى مصالحة الفردية الضيقة، أو يقهر نوازع التكالب العنيف التي استشرت في مجتمعنا اليوم، إنني أؤمن أن المصريين مثلهم مثل الشعوب الأخرى لديهم طاقات هائلة، فالمصري ثروة قومية لا تقدر بثمن متي عرف ما لديه ومتي اتبع أساليبا علمية ومتي تخلي عن الفردية المقيتة.
اذكر أن من شواهد عصرنا الصفري الكروي الذي نحياه أن صحيفة حكومية مصرية نشرت نصا غريبا بل ويدخل في باب الطرائف من أوسع باب، وذلك في باب المفاضلة بين مصر وجنوب إفريقيا لدي التسابق لتنظيم كأس العالم منذ سنوات –ورغم قدم الشاهد إلا أنه ما زال معبرا- قالت الصحيفة حينها إن التاريخ بجوار مصر لعراقتها وأصالتها التاريخية (لئن فخرت بآباء ذوي حسب / صدقت ولكن بئس من ولدوا) وأن جنوب أفريقيا لا تتفوق علينا إلا فقط (لاحظ مفردة فقط) في البنية الأساسية من مطارات ومنشأت رياضية وطرق …. إلخ !!!، ومن عادتي أنه لدي أرشيفا من القصاصات الصحفية التي تشدني، ولم أندم فيما يتصل بهذا الأرشيف أكثر من ندمي عن عدم احتفاظي بهذا النص الطريف حتي أنقله لحضراتكم  حرفيا، ولا أعرف حتي الآن كيف حدث هذا؟، العجيب أنني قرأت استعداد مصر للترشح لتنظيم كأس العالم 2030 من جديد!!
إن طريق الانتصار في أي مجال ومن ضمنه المجال الكروي يحتاج إلي منظومة متكاملة من المناخ المجتمعي المحفز، ومن البرامج والقواعد والتفعيل العلمي الدقيق، وأيضا البذل الكبير والإخلاص والروح المعنوية التي يتم بثها أيضا بأسلوب علمي ومن خلال تجذير الإنتماء لبلدنا الحبيب والغالي علينا جدا خارج إطار مقولة: (لا توجد بلدا خير من بلد خير البلاد ما حملك)، والتي تترسم فكرة أن خير البلاد ما وجدت فيه إنسانيتك، كما قال الشاعر أحمد مطر: (أبي الوطن / أمي الوطن / رائدنا حب الوطن / نموت كي يحيا الوطن / يا سيدي انفلقت حتى لم يعد / للفلق في رأسي وطن / … / إن لم يكن بنا الوطن حرا آمنا / فلا عشنا ولا عاش الوطن)، ورغم ما يبدو من جمال فني ومنطق تعبيري في القصيدة، ومن قبلها من حكمة في المقولة، فإني لا أقول بهذا بل أقول (خير البلاد أوطاني)، و ليس هذا رطانة تحمل رداءة الدعاية السخيفة تتمسح بالوطنية والكلام الرنان بل هو معني ما زلت أمسك بطرفه عله ينقذني
وختاما أتوجه لحضراتكم بقصيدة طريفة للشاعر هاشم الرفاعي  تلتقي مع صيحتي (لا تشاهدوا مباريات كرة القدم لفريقنا القومي المصري العزيز)، علها تلقي البسمة علي أفواه شعبنا عاشق كرة القدم، وعاشق أوطانه من أعماق قلبه:
كانت الهزائم تتوالى على الفرق الرياضية بمعهد الزقازيق الديني؛ فقد انهزم فريق كرة السلة، وانهزم فريق كرة القدم، فنظم الشاعر هذه القصيدة بعنوان “هزيمة”:
(“تعالى” يا فريقُ هنا «تعـــالى» فذمُّكَ بيْننا أضْــــحى حلالا
لمنْ أُهْدي القصيدةَ؟ لستُ أدري*** أأُهديها حبيباً أمْ هـــــلالا؟
كلا البطليْنِ فرقتُهُ تبَــــارتْ *** فما ساوتْ لدى اللعْبِ العيــالا
لنا في «الباسكتِ» اختاروا فريـقاً*** يُحاكي في ضخامتِهِ البغَــــالا
وفي «الفوتبولِ» أفرادٌ تبَـــدَّوْا *** عِراضاً في ملاعبِها طِــــوالا
إذا ما صوّبوا كـــــرةً يميناً *** لخيبةِ أمرهمْ طلعتْ شِمـــالا
وليْـس لهمْ بها علمٌ ولكِــــنْ *** خَدوها بالتلامةِ والــــرّذالا
أيصلحُ للــــرياضةِ فيـلُ قومٍ *** إذا ما سارَ تحسبُهُ الــــجبالا
يُجركُ جسمهُ المكتظَّ لحمـــاً *** ويحسبُ نفسَهُ فينا غَــــزالا
إلى المحراثِ شدوهُـــمْ وإني *** سأفتلُ كيْ نجرَّهمُ الحِبَـــالا

ومن قصائده الساخرة أيضاً قصيدة “الخيبة الكبرى”  حين هزم فريق معهده في مباراة كرة قدم:
(يا خيْـــبةً قدّروها بالقناطيرِ جاءتْ لنَـا في نهارٍ كالدّياجيرِ
إني ذهبْتُ إلـى النّادي فطالعَني *** مقطِّبَ الوجْــهِ مُغْبَرَّ الأساريرِ
يبكي ويندبُ مَـن خابوا بملْعبِهِ *** وفي المُباراةِ صاروا “كالطراطيرِ”
من كلِّ «شحْطٍ» أطالَ اللهُ قامتَهُ *** يكادُ يصلُحُ في جَـرِّ “الحناطِيرِ”
ما كانَ مُنتظَراً هذا المُصَابُ لكمْ *** يا فرقةً كوّنوها مـن “خناشِيرِ”
ما للغبيِّ و«للفوتبـول» يلعبُها *** يا ليْتهمْ علَّقوكمْ في الــطّنابيرِ
أخزاكمُ اللهُ قدْ جئتُم لمعهِـدنا *** بالعارِ يا فتيةً مثلَ “المواجِــيرِ”
في «الماتْشِ» لمْ تلْعبوا لكنْ رأيتكمو *** في البُرتقالِ نزلْتُمْ كالمناشـــيرِ
لو كنتُ أعلمُ أنَّ الخيبةَ انْقَسَمتْ *** منْ حظِّكمْ في سِجلاّت المقاديـرِ
لكنتُ جئتُ بطبّالٍ يزفكمــو *** ورحتُ أتلو على لحْن المزاميــرِ
“لا بأْسَ بالقوْمِ منْ طولٍ ومنْ غِلَظٍ *** جِسْمُ البِغالِ وأحْلامُ العصافيــرِ)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة