فيلم العداءآت (هوستايلز 2017): ويسترن جديد اكثر وحشية ولكنه ليس الافضل – بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة …..
بقلم : مهند النابلسي – الاردن …
ويسترن جديد أكثر وحشية ولكنه ليس الأفضل:
جماليات مشهدية مفعمة بالوحشية المتبادلة والرومانسية الشاعرية…
من بطولة كل من: كريستيان بيل بدور كابتن جوزيف بلوكر، وروساموند بليك بدور روسالي كواد، وويس ستودي بدور الهندي  “شيف يالو هاوك”، وجيسي بليمونس، آدم بيش، ورودي كوشرين. ومن اخراج وكتابة سكوت كوبر، صاحب فيلم “القداس الأسود” المافيوزي: هذا الفيلم هو “ويسترن” ومزيج من الأكشن والمغامرة والدارما:
*يروي الفيلم قصة الكابتن الاسطوري “كريستيان بايل” في العام 1892، الذي يوافق على مضض، بعد اصرار وعناد يوافق مجبرا (بعد التهديد بايقاف راتبه التقاعدي) على مرافقة زعيم هندي مقاتل يحتضر”ويس ستودي”، بصحبة عائلته (المكونة منه وابنته وزوجها وحفيدته) الى أرضه القبلية ومسقط رأسه، وهو يقوم بهذه الرحلة الخطرة ابتداء من منطقة “فورت بيرينغر” وهو مركز عسكري معزول وناء يقع في “نيو مكسيكو”، ويستمر خط الرحلة المروعة الى مراعي “مونتانا”،حيث يواجه هذا المتمرد العنيف “روساموند بايك” الأرملة التي قتلت كامل اسرتها من قبل الهنود في السهول، وحيث يتوجب عليهما الانضمام لباقي المجموعة ومواجهة التضاريس القاسية وقبيلة “الكومانش العدائية المتوحشة”وكذلك باقي الخارجين عن القانون البيض الشرسين (من صائدي جوائز وملاك الأراضي) اللذين لا يأبهون بالقانون والسلم، طوال الرحلة الحافلة بالمخاطر والقتل…
*انه التجسيد الأخير الكبير الصادم للغرب الأمريكي الضاري، يتعمق في المكونات الشيقة لصناعة الاسطورة، تبرز خصوصية هذا الشريط اللافت “عداءآت” بكونه نموذجا سينمائيا جديدا للتنميط الثنائي المعهود “الهندي-الأمريكي” الذي يسترجع القصص الاحادية ما بين “المتوحشين القساة” و”الحكماء الصوفيين”، حيث لا شيء بينهما، فهو يستعيد بحماس الاسس الأخلاقية للويسترن الغربي، كما يسلط الأضواء على الغرب المتوحش الحزين القوي المتوحد في عالم ملتبس من “الجمال والدموع والدماء”، لكن الفيلم بالحق يشيطن الأشرار من كلا الطرفين، ويبجل هؤلاء اللذين خرجوا من التجارب المريرة المرعبة وعادوا لطبيعتهم الانسانية الطيبة، بعد ان شعروا بالذنب والندم… يقدم لنا “بيل” طوال الشريط  أداء استثنائيا تقمصيا مذهلا (حيث يقال انه تقمص الدور طوال فترة التصوير ولم يتمكن من مغادرته الا بعد انتهاء التصوير)، ومع التصوير السينمائي الطبيعي الآخاذ الذي يلتقط جماليات التضاريس والمناخات في الغرب الوحشي البري، ينطلق هذا الفيلم ليحدث زلزالا مشهديا، تتخلله لقطات حافلة بالبطولة والجماليات والتعثر المتقطع وخفايا السلوك البشري “الشريرة والطيبة” على حد سواء، وهو يحفل كذلك بالبعد التأملي العميق والديني (اهمية الايمان لتقبل الواقع المرعب مع أن الله قد غض النظر عن الممارسات الاجرامية في تلك الدروب البرية والمتاهات التضاريسية كما يقول ابطال الفيلم)، وكذلك الرؤيا الاجتماعية الانسانية والتعاطف البشري التلقائي، والتي يشع بريقها من خلال نوبات العنف والتوحش والعزلة وحتى الملل احيانا.

*وتبرز خصوصية هذا الويسترن الجديد بقدرته على الخلط الابداعي ما بين “الشاعرية والشراسة”، كما التسلية والتفكير العميق، ويملك خاصية سيكلوجية بقدرته على سبر أغوار طبيعة العنف المتأصلة في الغرب الأمريكي الذي بدأ بالتحول تدريجيا لسلطة مدنية نظامية حضارية، وحيث يعرض قصص العنف في الويسترن الكلاسيكي كما لم يتم طرحها هكذا من قبل، حيث روايات العنف البالغة الشراسة كما يرويها الأبطال تتغلب على مشاهد العنف والقتل ذاتها (الا بلقطتين او ثلاثة تقريبا): “لا تحسد الأشرار الملاعين بل احسد الموت اليقيني”! قوة الفيلم تكمن باستخدامه القوة المطلقة للجنس الأبيض المسيطر وصولا للذروة الشاملة، ويسعى لطرح وجهة نظر شمولية معتمدا على وسائل “رجعية وتقليدية”، وينتهي الأمر باظهار ابطال مزيفين يتجملون بالنوايا “الطيبة” التي لا تنعكس ابدا على اعمالهم، لقد عرض هذا لفيلم في افتتاحية “تيلورايد”، وكذلك في مهرجان تورنتو العالمي.

“ان الناس تنذهل بشخصية القاتل اكثر مما ينذهلون بشخصية القديس″!
*يبدأ الفيلم بشخص يطلق النار على مولود جديد، وهذا ليس مجرد انذار، فنحن في العام 1892، بل مقدمة لمجزرة  شاملة، فهناك مستوطنة تدعى “روزالي كيد”(الممثلة روزاموند بايك) تكون منشغلة بتعليم ابناءها “قوة المجاز اللغوي”، عندما تداهم نيومكسيكو ومنزلها من قبل مجموعة من متمردي “الكومانش”، ثم يباشرون بقتل زوجها، ويطلقون النار على فتاتيها، وتذهب رصاصة مباشرة لرضيعها في لفته، وتنجح بالهروب للغابة المجاورة كاتمة أنفاسها  ثم تبقي روزالي “لفة الرضيع الميت الملطخة بالدماء” لعدة ايام بين ذراعيها قبل أن يهرع العقيد الشجاع “جوزيف بلوكر” ورجاله بمساعدتها لدفنها مع جثث زوجها وابنتيها في نفس السهل التي تتمنى هي ايضا ان تدفن يوما فيه كما وصت جوزيف، يبدع كوبر باخراج هذا الفيلم، ويذكرنا هنا بمشاهد مؤثرة من فيلمه الشهير “القداس الأسود”(2015): حيث يبدأ هذا الشريط بمشهد لافت عنيف  يتمثل بضرب مبرح لحارس الملهى الليلي الذي يملكه “بولغار” لأنه تجرأ ومنع ثلاثة “زعران” من دخول الملهى لقرفه من سلوكياتهم ووقاحتهم…حيث يدخلنا “سكوت كوبر” من أول اللقطات باجواء العنف والاجرام، ويدلنا على مرجعية القيم الكاثوليكية للايرلنديين المغتربين وعنصريتهم البغيضة، كما يشطح بنا بتفاصيل اجرام المدعو “بولجر” بالسبعينات والثمانينات من القرن الفائت، أما المغزى الفلسفي لثيمة الفيلم، فتتطرق لكيفية “عدم اختفاء اشياء، حيث أنها تصبح غير مرئية فقط”، ويشرح ذلك بتباهي  لابنه الصغير ذي الثمان سنوات على مائدة الفطور قبل ذهابه للمدرسة قائلا:”المهم أن لا يراك أحدعندما تسدد قبضتك بوجه زميلك…ولا تشعر بالسؤ ان ضربت احدا، بل احرص على أن لا يراك أحد”!:
يؤكد هذا الشريط الشيق كما بفيلمنا هذا مقولة ادونيس: “ان الناس تنذهل بشخصية القاتل اكثر مما ينذهلون بشخصية القديس″…كما ان  الربط المجازي  المعبر بين الاجرام والجرأة القتالية والغدر والفساد والقداسة كان معبرا!

*هناك في الجنوب، يغلي الكابتن الفارس المقدام جوزيف بلوكر (كريستيان بيل) غضبا، ونراه يعامل سجناء “الشايان” على نفس الدرجة من الوحشية، الأمر الذي يبدو مكررا طوال مشاهد الفيلم في ال130 دقيقة القادمة، حيث تصبح لغة الكراهية والممارسات الوحشية هي الدارجة بين الجميع، وحيث يتحمل الرجل الأبيض مسؤولية هذه الدورة المرعبة من القتل والمجازر، لأنه بادر بالاعتداء والسرقة والقصاص والحقد منذ أن غزا الأرض التي ليست ملكه ونكل بالسكان الأصليين (لنتذكر دولة الاحتلال اسرائيل التي مازالت تمارس القهر والاذلال والاجرام من طرف واحد دون حسيب او رقيب)!  لذا فهو بالحق الذي يتحمل وحده مسؤولية انهاء هذه الدورة الدموية.
*ويبدو للغرابة ان المخرج “كوبر” قد تقمص شخصية هذا الرجل الأبيض العدوانية، وانه يحاول في أفلامه تقديم اوهام ترتبط بالحلول العبثية لفورات العنف الدموية هذه، وهو يكرر مبدعا ما سبق وقدمه في معظم أفلامه ولكن بعمق أكبر، مستندا لمخطوطة كتبها “دونالد ستيوارت”( مطاردة اكتوبر الأحمر)، وحقق عملا مفعما بالسادية الوحشية، وقد اعاد الحياة لهذا الطراز النادر من “الويسترن” الغربي.

“أنا أعرف من انت”؟
*يبدأ الفيلم جديا عندما كلف جوزيف بالافراج عن أسيره الأكثر شهرة “الصقر الأصفر”(رئيس الشايان ويس ستودي) مع زوج ابنته الشاب “الصقر الأسود” وابنته وحفيدته، بغرض مرافقته والعودة معه الى وادي الدببة لكي يدفن هناك في مسقط رأسه، ونظرا لأن جوزيف قد حارب الشايان طوال حياته، فقد أصبحت تجاربه معهم تضج بالكراهية العمياء “أنا أعرف من انت”؟، مدعيا انه يتوق للافراج عن “الصقر الأصفر” من زنزانته، ولحسن الحظ فهما ليسا وحدهما، فالأول ترافقه مجموعة من الجنود المختارين بعناية، وللأخير ابنته “اوريانكا كليشر” (مع زوجها المخلص وابنتها الصغيرة) والتي تسعى جاهدة للم الشمل بعد كل هذه السنوات والمواجهات الدموية، ولكن تداعيات الذكريات لا تأتي الا في اليوم التالي عندما تواجه المجموعة “قشورا وجثثا ورمادا محترقا”، حيث عاشت هناك “روسالي” يوما ما، وما زالت ترتجف من هذه الذكرى، كما انها تعرج وترتجف وتصرخ مذعورة  بتأثير الصدمة والتداعيات الأليمة لمقتل عائلتها كاملة ووليدها (في بداية الشريط)، وهذا ما يستدعي تعاطف جوزيف “الغير اعتيادي” مع هذه المراة المكسورة المصدومة المرعوبة، مقررا ان يصحبها الى بر الآمان…ويبقى هذا الفريق مصرا على اجتياز الحدود ومواجهة الغزوات الوحشية المتتابعة من الشايان المتوحشين والبيض المارقين، مستعرضا قوته وذكورته وصمته المعبر كوسيلة “رومانسية” وحيدة يتقنها للايحاء بسلوك جنسي محبب وصامت ومجازي، حيث يتم كل هذا وسط صمت الجنود المريب و”مسابقات تناول الطعام وتحمل المطر الشديد والغناء والنوم ” حيث كل نظرة مجانية عدوانية قابلة لاشعال فتيل من المجابهات القاتلة…ولكن “جوزيف” يتمالك أعصابه وسط هذه الأجواء المتوترة، فيحتفظ بالصقر الأصفر وكأنه يحميه مع عائلته، كما يزود “روسالي” ببطانية للتدفئة ويطمئنها دوما بحرص ومحبة، ثم نراه يتأثر بحرقة كبيرة حابسا دموعه لمقتل رفاقه الثلاثة الفرنسي الشاب الصغير والأسمر المرافق الحارس المخلص العتيق والثالث العنيف الذي استفاق ضميره, ورغب بتطهير ضميره المثقل بخطايا القتل والاجرام، والذي ينجح بمطاردة القاتل المعتقل الهارب “بن فوستر” وقتله قبل أن يتلقى بدوره رصاصات قاتلة من هذا الأخير.
* لكن المخرج “كوبر” يبقى مصرا على استعراض هذه الممارسات الهمجية بحذافيرها، مستغلا العنف لايماءآت رومانسية-انسانية مؤثرة (غير مقبولة ومستفزة)، فبالرغم من قساوة مشاهد “القتل والتقطيع والشنق والاغتصاب” التي تستمر طوال الشريط الطويل، تتجلى “الكوميديا السوداء” بمشاهد الاقتتال من على ظهور الخيل عن قرب، حيث يبدو الطرفان (وحدة جوزيف وهنود الكومانش) وكأنهما يلعبان لعبة “البولو” الشهيرة!
لم يظهر “الغرب المتوحش” أكثر جمالا من قبل كما بدا بهذا الشريط الساحر!
*لم يظهر “الغرب المتوحش” أكثر جمالا من قبل كما بدا بهذا الشريط الساحر، وقد ألقى الفيلم أضواء “مبهجة” نوعا ما على رواية “كورماك ماكارثي” القاتمة والمتشائمة، ولقد نجح “كوبر” بحسن اختياره للشخصيات، التي بدت احيانا وكأنها تقمصت ادوارها وأصبحت تتحدث لبعضها البعض، في أجواء يسودها انعدام الرحمة وغياب القانون في بيئة صحراوية عدائية، ونرى الشخصيات تتحدث احيانا مع ذاتها، وحيث توجد فرص اجبارية للتغيير ومراجعة الذات وصولا لاستعراض درامي مؤثر وفريد: ففي منتصف الفيلم يواجه جوزيف شخصية تدعى “قاتل الفأس” (المجرم المعتقل بن فوستر) بغرض توصيله لحصن قريب ليتم شنقه، وهنا تجد القصة لها محركا سرديا جديدا شيقا ابتداء من تلك الحكاية…
*ثم نعلم حينئذ أن لجوزيف تاريخا قديما مع تهمته الجديدة ولكن كمقاتل عسكري نظامي، وتبدو الطريقة التي عالج بها كوبر العلاقة بين الرجلين…تبدو “صادقة ومؤثرة وشاعرية” وربما للتعويض عن نقاط الخلاف الخفية بينهما: مثل طريقة مواجهتهما معا لغارة الكومانش المفاجئة. ولكن بالحق فهناك ثلاثة مشاهد لم تكن مقنعة تماما وهي مشاهد الاغتصاب بآخر الشريط، وطريقة قتل المغتصبين داخل خيمتهم ثم اخيرا موت العجوز الهندي وسرعة دفنه في ارض الدببة!
*لقد ساعد كوبر الممثل القدير “جيف بريدجيس” قبل حوالي الثمان سنوات للحصول على الاوسكار لدوره المميز في فيلم “كريزي هارت”، في حين ترشح “جوني ديب” لنقابة ممثلي السينما عن دوره اللافت في فيلم ” القداس الأسود، ولقد قدم الممثل “كريستيان بيل” ربما هنا أعظم ادواره على الاطلاق، كما تفوقت الممثلة “روساموند بايك” على ذاتها بتقمصها لدور المرأة المسكينة القوية الارادة التي واجهت خسارة فادحة في مشاهد الاستهلال، وبدا وويس ستودي بدور الهندي  “شيف يالو هاوك” وكأنه احياء واستعادة “شبحية” للشخصية القديمة، اما تصوير “ماسانوبو تاكاياناجي” للمناظر الطبيعية والاضاءة الداخلية فقد كان بالحق آخاذا ومعبرا وساحرا، وقد استخدم المخرج مهارات التصوير الفذة هذه كسلاح سري، فيما ابدع “ماكس ريشتر” باضافة قيمة “عاطفية- رومانسية” للمشاهد بموسيقاه التصويرية المؤثرة التي علقت بذهن المشاهد طوال الفيلم وأبعدت عنه الملل…تبقى المفارقة ذات الدلالة في نهاية الشريط حيث يقتل الجميع بالمواجهات ولا يبقى الا جوزيف وروسالي والحفيدة الهندية الصغيرة، ونلاحظ اشعاع الحب في نظراتهما قبل مغادرتهما بالقطار، ويغادر جوزيف تائها المحطة ثم يعود متسللا للقطار في اللحظات الأخيرة…
“لقد فعلتها بنزاهة”!
*في الختام فقد قال كوبر جملة معبرة: “لقد فعلتها بنزاهة”…انها الخبرة والتجربة الأكثر أهمية بالنسبة لي، فأنا اؤمن بهذا الفيلم، مهما سيكون الأمر”! وهذا بالفعل ما يفتقده الكثير من صناع السينما في العالم قاطبة، الذين يهرعون ويسرعون أحيانا بعرض افلام تجارية او حتى نخبوية حسب ما يعتقدون (وثائقية او روائية)، ذات حبكة ضعيفة احيانا، وربما يكون موضوعها عصري وجدلي ومثير للاهتمام، ولكنها تفتقد احيانا لعناصر الابداع السينمائي المتكاملة، ويهرع النقاد للمجاملة واغداق الثناء عليها بلا مبررات موضوعية وربما لأسباب يتعلق جلها بالعلاقات العامة، ومع ذلك فقد يفوز بعضهم بالجوائز عن غير جدارة وهذا بالحق محبط ومؤسف وقد يضر صناعة السينما العالمية والمحلية والاقليمية، كما قد يشعر الانسان (العادي أحيانا والناقد الواعي) بالندم لاضاعة وقته وتضليله (وهذا رأي شخصي قد لا يروق للكثيرين)!
مهند النابلسي/باحث وناقد سينمائي/ [email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة