إشكالية العلاقة بين الفلسفة والإلحاد – بقلم : بكر السباتين

دراسات ….
بقلم : بكر السباتين …..
الأستاذ مجدي ممدوح وهو مفكر غني عن التعريف والذي يستحق التقدير لاهتماماته المثيرة في الكثير من القضايا الفكرية، هذا إذا علمنا أيضاً بأنه ما زال على رأس نشاطه في تقديم المفكرين الذين تستضيفهم الجمعية الفلسفية الأردنية ومفرها بجبل الحسين في عمان.. طرح إشكالية علاقة الفلسفة بالإلحاد من خلال مقدمة مقال له نشر مؤخراً على حسابه بالفيسبوك، فماذا قال:
“هل تقود الفلسفة بالضرورة للإلحاد؟ هذا السؤال يسكت عنه، في الأغلب، المشتغلون بالفلسفة، لعدم رغبتهم في خوض معارك مع أهل الدين. ولكن المتبحرين في علم الكلام (اللاهوت) يدركون أكثر من غيرهم الثغرات المنطقية الموجودة في البراهين والأدلة الفلسفية المتداولة في اللاهوت”. انتهى الاقتباس..
في حقيقة الأمر استهواني هذا الموضوع، وكان عليّ أن اجتهد معلقاً على ما قاله باقتضاب؛ وذلك لتوضيح تلك العلاقة الجدلية بين الفلسفة والإلحاد، لتحليلها ما أمكن وترك مجالاً لتعليقات المهتمين.
لا يمكن إيجاز هذا الموضوع في عدة أسطر، الفلسفة تقدم الأسئلة وتبحث فيها وتذهب بك إلى المعتقد وهي في المحصلة ليست ترفاً فكرياً بل مناهجاً في البحث.. وهذا يحتاج إلى تعريف العقيدة وهل الماركسية مثلاً تندرج في سياقها.. ولنذهب الآن إلى السؤال الأهم وهو ما دامت المادة الأولى من جنس الوجود المادي فمن أحدث الحركة الأولى التي تسببت بالحياة.. وكانط حينما اجتهد قائلاً في أنه لا يجوز عقلا أن يكون هناك علة غير مادية لمعلولات مادية، لم يجب عن مصدر الحركة القائمة على مبدأ فيزيائي بأنه لكل فعل رد فعل معاكس له ويساويه في المقدار.. وقد اكتشف نيوتن قانون القصور الذاتي الذي يقول بأن المادة لا تتحرك ما لم تؤثر عليها قوة.. وفي الحضارة الإسلامية كان الملاحدة في فكر المعتزلة يعتبرون بأن الإيمان حاجة فطرية لا تنسجم مع العقل وخاصة ما ذهب إليه ابن الرواندي الذي جاهر بإلحاده، أي أن الملاحدة كانوا موجودين في الحضارة الإسلامية ورغم قلتهم كان الفلاسفة المسلمين الذين شرحوا الفلسفة الإغريقية قد توصلوا إلى وجود الله من خلال قانون السببية، حتى ابن رشد الذي فتح آفاق الفلسفة الإغريقية على أوروبا برهن على وجود الله مستخدماً قانون السببية، وابن الطفيل في قصة حي بن يقظان الشهيرة بسط الحاجة إلى الإيمان بالله من خلال الحاجة الفطرية إلى وجوده.. إذن الفلسفة هي منهاج فكري يؤدي إلى قرار الإيمان أو الإلحاد، ومن خلال المنطق ساعدتنا الفلسفة على فهم كل مناحي الحياة حتى الأخلاق من باب كونها نسبية.. لكنها أيضاً ليست مساقاً فقهياً ولا طريقة صوفية كما كان الحال عند الحلاج وهو من المعتزلة.. وعلاقة الفلسفة بالدين أو الإلحاد تجلت أكثر في رحلة الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي من اللاهوتية “الإيمانية” إلى الماركسية “الإلحادية” ومن ثم التحول من الماركسية إلى الإسلام “مبدأ الإيمان”.. لقد جاءت رحلته الفكرية من خلال تفكيره الفلسفي ومرونته التي غيرت توجهاته مع ثبات المنطق الفلسفي الذي اعتمد عليه.. وللتذكير ألم يكن كريكارد فيلسوفاً وجودياً! ألم يحاول التقريب بين إيمانه بالمسيحية وفكره الوجودي، وهو ذات المنطق الفلسفي الذي أخذت جان بول سارتر إلى الوجودية (المادية) فما الذي فرق بين فيلسوفين يؤمنان بالوجودية! لا شك أنه اختلاف في المعطيات الفلسفية التي أدت إلى نتيجتين مختلفتين.. وإذا كانت الوجودية تستوعب مثل هذا التناقض فهو غير ممكن حينما يتعلق الأمر بالعقائد الدينية (الديانات السماوية) أو العقائد المادية مثل الماركسية القائمة على الجدلية المادية (الديالكتيك)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة