في ظلال السنديانة والحوار العقيم – قصة : بكر السباتين

القصة ….
قصة : بكر السباتين …
خرج من بينهم إلى الشرفة الخارجية تاركاً الوغى مشتعلاً، والشيطان يعربد في التفاصيل.. تلمس ذلك الشاب اليافع طريقه متكئا على بقايا صبره المرفود بثقافته المجنحة دون قيود، قاصداً على أقل من مهله ذلك الجانب المنعم بظلال السنديانة العالية، وهي تخترق الفضاءات من أمامه نحو السماء الرحبة، ويتذكر كيف أنه شارك المرحوم والده بغرسها قبل عقود، وكان حينها يوصيه قائلاً:
” الساكت عن الحق شيطان أخرس ”
لكن الحقيقة تدمي صاحبها أحياناً، وها هو يخرج من بين أهله مضعضعاً، لمجرد أنه سئم من نعيق الغربان، فعل ذلك مبتغياً رد الطيور إلى أعشاشها.. “عدوكم يحتل فلسطين وتتباكون على كل شعوب الأرض! تخلون الساحة الفلسطينية وتنضوون تحت بنادق الغرباء في الجبهات الأخرى! هذا هراء! هل فكر أحدكم ولو بقرش واحد يتبرع به لضحايا غزة من الفلسطينيين، بينما تبذلون الغالي والرخيص لدعم ضحايا الإرهاب في جزر الواق واق!؟ هذا هروب وانهزام!”.. نعم.. الشاب المنفعل يخرج لتوه إلى الشرفة تاركاً وراءه النقاش في احتدام شديد، حتى أن زوج أخته الشيخ سلامه نعته باليساري المتنكر لدينه! ليرد عليه والغيظ يعتصر ضميره قائلاً: ها هي فلسطين المحتلة من قبل الصهاينة لا يفصلنا عنها إلا الحدود! والأقصى يشارف على الانهيار، فيرد الشيخ عليه وكأنه نبي منزل:” يا هذا للبيت رب يحميه”.. فيلوذ الشاب إلى الصراخ معبراً عن غضبه الجامح: “أنتم العبء على الدين فلا تسيئوا له بمكركم وكأنكم أولياء لا تقترف قلوبكم خطيئة”.. وصار الشاب بعد هذه العاصفة الهوجاء خارج نواتها في الشرفة المشطوفة بضوء الشمس المتوارية خلف سنديانة الدار.. درئا منه لاشتعال الموقف إلى درجة الغليان. والتهم بالكفر تلاحقه.. يتهامس بها أصحاب البطون المندلقة وهم يعجنون الوسائد المحشوة بالبولسترين، والموزعة بألوانها الجميلة على الأرائك المصنوعة من الزان العتيق، والمنقوشة بالرسومات الفاخرة، تحيط بطاولات فرشت بأصناف الفواكه الطازجة، وأطباق المكسرات من النخب الأول، وأسنانهم تضرس وتطحن ما لذ وطاب وقد غاصت بهم صالة المعيشة الأنيقة في بيت العائلة الحجري..
خرج هذا الشاب إلى الشرفة وقد باغته إحساس طارئ بالغربة، حتى يجدد الهواء الفاسد الذي يملأ رئتيه، وقد انتابته نوبة سعال شديدة فانتفخت لهولها أوداجه، حتى كادت لفرط قوتها أن تخرج أحشاءه من فمه الملجم، فقد أسرف الشاب المتحمس في النقاش العقيم مع عقول ما لبثت أسيرة الماضي والأقوال المأثورة دون أن تنتزع الحكمة من جوهرها، فتصادر رأيه لمجرد أنه اختلف معها.. فاستراحت أنفاس العائلة لخروجه وحيداً كالمطرود من الفردوس!، كأنه جيفة تخلصوا منها أو شيطان آثم تحرروا من عربدته، كأنهم بذلك يصدون عن سكينة أرواحهم الهاجعة زوابع الفوضى والتغيير، الخوف يكتف عقولهم ويزج الطيور الخضر في أقفاص هم صنعوها بأنفسهم.. يحرمونها من فردوس الحرية لمجرد أنها غردت خارج السرب فاستحقت القمع بذريعة أنها لم تفقس من البيضة بعد! فهم لم يعتادوا على أسئلته اللاذعة التي وضعت اليد على الجراح.. وألجمت عقولهم المبرمجة على الطاعة العمياء للهاتف المقموع في حشاياهم المكفهرة. حتى أن أحدهم تمنى لو يلفظ هذا المقاتل العنيد أنفاسه ويريح أهله من تطرفه العقيم، حتى لو باغتوه يصلي لله فهو في نظرهم مرائي يسعى للظفر بودهم” هراء” وبالنسبة لهم فقد كان إذا ما حاورهم بطريقته التي تضج بالأسئلة المقلقة وكأنه يوقف اللقيمات في حلوقهم المرطبة بحلاوة الازياء المنهكة بالزيف “نعم للزيف طعم الشهد لمن لا يميز طعم الشهد الأصيل”..
وها هو الآن في الشرفة الواسعة، والطيور من فوقه تتهادى هابطة على السنديانة وهي تغمر المكان بالزقزقة الآسرة.. وأصص الزهور الفخارية تنتشر على السور الحجري الواطئ المحيط بالشرفة وهي تعبق المكان بطيب القرنفل والنرجس مطلة بألوانها البهيجة على المروج الخضرا المرقطة بشقائق النعمان الحمر، كأنه ثوب الربيع القشيب.. فيستشعر الشاب اليافع بالربيع مزدهياً في قلبه الشفوق، فيرتدي ثوب السكينة مع الذات، متنسماً أريج الأمل العابر للمسافات حيث لا عوائق ولا كوابح تسد في وجهه الطريق. وأحس بصهيله ينبعث من أعماقه الجامحة.. فاستدار بغتة إلى حيث الضجيج المتصاعد في صالة المعيشة حيث أفراد العائلة أخذوا يتصارعون في حوارات عقيمة لا تنتهي، كأنه حلبة تتصارع فيها الديكة ويتخللها نقيق دجاجات هربت إل المطبخ المفتوح على الصالة الواسعة، وقد تسرب الأطفال من بوابتها إلى الشرفة، وكانوا يطاردون كرة صغيرة استقرت عند قدمه.. فاستوقفهم ذلك، وكان الطفل الرابض في أعماقه قد استيقظ على الموقف الجميل، فتحكم بعقله وراح على إثر ذلك يراوغ الصغار مداعباً، والأطفال يضحكون بمرح شديد، فاسترعى ذلك انتباه من بالصالة إذ خرجوا إلى ساحة اللعب وقد استعادوا مرابع الطفولة وشقاوتها، فتحولوا إلى أطفال أشقياء وهم يطاردون الكرة التي جمعتهم من جديد

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة