طحيمر بن وظحه .. في مواجهة الملائكة – بقلم : وليد رباح

القصة …
قصة وليد رباح – نيوجرسي ….
ان كنت خفيف الظل تخاف من خيالك فلا تقرأ هذه القصة
اكتنف الصمت المكان .. وترددت في عظام (طحيمر) اصداء البرد القارس فاستخدم البطانية التي اوصى بدفنها معه لكي يدفىء جسده المرهف .. ولكنه ازداد بردا .. وانقطعت عنه كل اسباب السمع .. فقد غاب الناس وذهبوا الى بيوتهم .. وتركوه فريسة للمواجهة .. وقال طحيمر لنفسه .. اعتقد ان هذا هو يوم الحساب .

في لجة الحياة وصخبها تركنا طحيمر وقد أهيل عليه التراب وتعرف على كل اصدقائه الذين ماتوا قبله .. ولكنه لم يهنأ برؤيتهم والتحدث اليهم .. فما ان انقطع دبيب الارجل من على أرض المقبرة حتى اكتشف ان ملكين يأتيان اليه ويأمره احدهما بان يقف معتدلا .. ولكن الثاني يبتسم له ويقول : لماذا دفنت واقفا يا طحيمر .. هل تعتقد بانك ستسبق الناس الى الجنه . ؟ ولم يجب طحيمر

في البدء اخذت اوصاله ترتعد .. وحتى يذهب عنه الخوف اخذ يتذكر كل النكت التي كان اصدقاءه في الدنيا يقصونها عليه .. ولكنه لم يضحك لواحدة منها .. فقد اصبحت كلها نكتا قديمة امام لحظة الصمت الرهيب الذي تجمد عنده كل شىء .

امتدت يد طحيمر الى علبة سجائره ووضع احداها بين شفتيه ولكنه لم يعثر على ولاعته فقال للملاك الاول : هل اجد عندك كبريتا لاشعال سيجارتي .. ضحك الملاك وقال : وهل تظن اننا نعمل في دكان هنا .. لقد جئنا لمحاسبتك لا لاعطائك ما ترغب .. وستقلع اليوم عن التدخين .. لان التدخين ضار بالصحة كما تعلم .. قال طحيمر : الا يكفي انني اقلعت عن لعق عصير العنب المصفى منذ زمن خوفا من الله تعالى .. وجوبه جوابه بالصمت .

أعاد طحيمر سيجارته الى موضعها ولكنه سحب العلبة ثانية وقال : نسيت ان اقدم لكما سيجاره .. فهل اطمح بذلك .. قال احدهما : لا مكان للرشوة هنا .. نرجو ان تكون هادئا وتجيب على استئلتنا فقط .. نحن لا نريد سجائرك .. ونحن لا نأكل او نشرب او ندخن .. لقد خلقنا هكذا ولا مجال للعب معنا على الحبال .. ان وظيفتنا فقط تتلخص في وزن حسناتك وسيئاتك .. فان تغلبت الاولى على الثانية فاننا سنتركك في نوم هانئا حتى يوم القيامه .. اما ان تغلبت الثانية على الاولى فاننا سوف نجعل اليوم الذي ولدت فيه مثل القطران .
ثم استل احدهما ميزانا حساسا كالموازين التي يستخدمونها لوزن الذهب .. ولكن طحيمر لاحظ ان احدى الكفتين ترجح عن الاخرى فقال للملكين : قال الرسول صلى الله عليه وسلم . من غشنا فليس منا .. لماذا ترجح احدى الكفتين .. ضحك الملاك وقال : لقد وضعنا وزنة من الحسنات في ميزانك لان الحسنة بعشرة امثالها .. ولهذا ترى ان كفة الحسنات راجحه .

اطمأن طحيمر عندما ضغط بيده على الكفة الاخرى ولم يستطع بكل ثقلة ان يرجح الكفلة المقابلة او يعادلها مع قوته .. وقوة طحيمر كما لا تعلمون تهد الجبال وقال في نفسه .. ان هذين الملكين عادلان .. والا لما وضعا لي من الحسنات ما لا اتذكره ..
وفي غضون تفكيره قال له احد الملكين : لا تطمئن كثيرا .. فسيئة واحدة من سيئاتك يمكن ان تدمر الميزان بكامله .. ثم قال بلهجة ارعبت طحيمر .. عد لي كم لترا من العنب المصفى شربت في حياتك .. الا تعرف انه محرم عليك .. قال طحيمر وهو يرتعد : من كان منا بلا خطيئة فليرفع اصبعه .. والا لماذا خلق الله العقاب والحساب .

استدرك الملاك الثاني اللهجة الحادة للملاك الاول وحاول تخفيف الامر على طحيمر قائلا : اما انا فلن اسألك عن العنب والرمان .. ولكني اسألك سؤالا واحدا خارجا عن المحاسبة وارجو ان تجيب عليه بصراحه .. لقد اشغلتني طيلة حياتك .. وامضيت عمري اسجل في ميزانك حسناتك وسيئاتك ما تفعله .. ولو كنت موظفا في دائرة حكومية او حتى في شركة عامه لعشت حياة هنيئة لكثرة ما عملت .. فهل تدرك الان مبلغ استعجالي حسابك .
قال طحيمر : اذن فهو حقد شخصي .. انا لم اكلفك اطلاقا بان تكتب ما افعله .. لماذا تشغل نفسك في امور ليست بذي فائدة طالما ان الله بكل شىء عليم .. فمن يتتبع افعال الناس يندم .
قال الملاك : ولكني مكلف بالكتابة وتلك وظيفتي
قال طحيمر : ولكنك تتدخل في شئوني الخاصة .. هل تدخلت يوما في شئونك
قال الملاك : كلا حفيفة لم تتدخل لانك لا تعرفني .. وقد تدخلت انا لاني اعرفك .. فانا مكلف من جهات عليا بان اتبعك اينما ذهبت وان اسجل حركاتك وسكناتك منذ يوم ولدت والى ان مت في هذا اليوم .
قال طحيمر : هذه حجة ليست مقبولة انا لا امانع في ان تسجل حركاتي وسكناتي .. ولكني امانع ان تتجسس على بهذا الشكل بحيث تعرف ما افعله حتى وان كان فعلا  شخصيا لا علاقة له بالعقاب والحساب .. والتجسس من الغش ..  وثانية فقد قال رسول الله صلى اللهي عليه وسلم : من غشنا فليس منا ..
قال الملاك : حاشا لله يا رجل .. اراك تستشهد دائما باقوال سيدنا محمد صلوات الله عليه
قال طحيمر اليس هو شفيعنا يوم القيامة يا هذا .. انني استنجد به ليوقف اضطهادك لي ..
قال الملاك بشىء من الخوف : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. أأنت ميت حي .. جني ام انسي .. ملك كريم ام من نسل ابليس .. مؤمن ام كافر .. نحن لا نستطيع تصنيفك .. لقد اشغلتنا يا هذا طيلة حياتك ولم نهدأ لحظة واحدة .. وقد قررنا ان نحتفل احتفالا ضخما يوم موتك .. وها انت تموت ولكننا لا نهدأ .. اليس لنا عمل آخر غيرك ؟
ضحك طحيمر وقال : وها انت تتأفف لكثرة العمل .. اليس الله سبحانه قد كلفك بان تزن حسنات الناس وسيئاتهم ؟ اليس التأفف نوعا من عدم الرضا عن الوظيفة ومتاعبها . مما يعني مخالفة لله .
قال احد الملكين : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. دعنا نذهب الى ميت آخر فقد مات الكثيرون في هذا اليوم ولا بد ان نعود اليه في يوم آخر .

زغرد قلب طحيمر ولكنه سأل احد الملكين : مهلا ايها العزيز : اريد ان اتأكد ان حجتي الى قبر الرسول في الحجاز قد سجلت لي كحجة مستوفية الشروط .. فقد حدث فيها بعض سوء الفهم بيني وبين المتعهد الذي اخذني الى الحجاز ولهف مني ما يقرب من عشرة الاف دولار ثمنا للتذكرة والسكن .. ولكنه اسكنني في زريبة ليس لها باب يغلق .. فاضطرني الى ان اشتم .. وانتما تعرفان ان لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج

نظر كلا منهما الى الاخر .. ثم فتح احدهما دفترا واخذ يقلب صفحاته ويطالعها .. واخيرا قال : لابأس بها من حجدة .. والشىءالوحيد المسجل ضدك فيها انك كنت حديث العهد بترك القوارير المصفاة .. وقد ( هفت ) نفسك على ان تتناول كأسا منها ولكن الله سبحانه جنبك المعصية ..
صرخ الملاك الثاني وقال لطحمير .. انتظر .. عندي مثلبة اخرى لم يذكرها صاحبي .. لقد رفضت ان ترجم ابليس بحجة انك لا تعاديه ولا يعاديك .. هذه مثلبة يجب ان تفكر طويلا في مآلها .. يا رجل .. هل هنالك احد في هذا العالم لا يريد ان يرجم ابليس .. من انت يا طحمير .. هل انت انسي ام جني ام من نسل ابليس ..

سكت الحاج طحيمر لحظة وقال : أأستطيع الاطمئنان الى ان الزحمة التي كانت منعتني عن ان ارجم ذلك الملعون .. كانت سببا في ان ينزلق لساني نحو القول انه ليس عدوي ..
نظر كلا من الملكين الى الاخر ولوحا له بيديهما وغادرا وهما يبتسمان قائلين : الى اللقاء .. الى اللقاء يا طحيمر .. فقال طحيمر صارخا : ولماذا اللقاء .. الم تنهيا مهمتهكما .. قال احدهما : نحن لم نفعل شيئا بعد.
***
سمع طحيمر صوتا كالرعد فارتجفت فرائصه .. قال له الصوت قف يا عبد الله واتجه للقبلة .. فقد قبضنا على روحك وانت على محبة منا .. لقد استشهدت باقوال واحاديث عن رسولك الامين وهذا يدل على ايمانك ومصالحتك مع الله عز وجل سبحانه .
يا عبد الله .. لقد منحك الله الحياة والقوة والصبر وانعم عليك بالسمع والبصر والرزق الوفير .. اعطاك كل ما ترغبه وتتمناه نفسك .. وفي يوم موتك كانت كل عروض الدنيا تافهة الى جانب رضى الله عنك .. فهل تقر وتعترف انك عند حاكم عادل لا يظلم احدا ..
قال طحيمر مرتعدا : اقر بهذا واعترف به واوقع عليه : قال الصوت .. اذن فانت من عباد الله المخلصين .. ولكنك ارتكبت طيلة حياتك اشياء كثيرة تغضب الله .. وقد تبت في اواخر ايامك .. وبما ان الله عز وجل غفور رحيم .. فانك سوف تردها كما يردها الاخرون .. وستمشي فوق الصراط يوم القيامة فان وقعت فيه فذلك نصيبك .. وان نجوت فقد عفا عنك الله لانك تصالحت معه .. فماذا تطلب منا لتنفيذ رغبتك الاخيرة .
قال طحيمر لقد منحني الله كل شىء طلبته .. حلوه ومره .. وقد عشت في الدنيا ومرت بي كلمح البصر بحيث لا اعرف ان كنت نائما احلم او حيا ارزق .. وها أنا بين يدي الله سبحانه .. ولا اطلب منه شيئا سوى المغفرة ..
اتجه طحيمر نحو القبله .. وسحب سجادة الصلاة واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم قائلا .. اصلي ركتعين صلاة الخوف لله .. ثم صلى وشعر بخدر لذيذ يسري بين اوصاله فاغمض عينيه ونام

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة