قراءة مختلفه لفیلم : النمر الاسود – بقلم : جمال عبد العظيم

فن وثقافة ….
بقلم : جمال عبد العظيم – مصر ….
من الابیض والاسود والنور والظلام نسج السیناریست القدیر بشیر الدیك قصته العمیقه المستوحاه من قصه حقیقیه. وهى قصة نجاح نمطیه لكنها تخفى تحت مظهرها البسیط صراعا حضاریا یقتلع الجذور. اذ تتناول الهجره بعمق غیر مسبوق وتعتبرها حدثا عنیفا قد یعصف بالانسان ویسلبه هویته الوطنیه والدینیه والثقافیه ویجرده من لغته..وقد تعرض بطلها محمد حسن لهذا التحدى فماذا كانت النتیجة ؟ یبدأ الفیلم بمشهد فى ورشة الخراطه التى یملكها الخواجه باولوحیث یعمل البطل.ویتداخل صوت الماكینه مع صوت القرءان لیرتبط محمد ولونه الاسود بالاسلام من اللحظه الاولى .ویشید الخواجه بمهارة تلمیذه وینصحه بالسفر الى المانیا.وفى المشهد الثانى كان البطل فى زیاره لامه السمراء وهى طلیقة الاسطى حسن المنجد. وفى بیت الام یقدم الطعام لمحمد.ویبدأ عنصر الطعام فى التداخل مع الاحداث الدرامیه كرمزللعنف بدء من المشهد الرابع حیث البطل على المقهى لیلا مع زملائه الملاكمین ویظهر الطعام للمره الثانیه رغم عدم الحاجه الیه فى المشهد. وسنكتشف فیما بعد ان المقصود هو ربط الطعام بالملاكمه . وقد لخصت المشاهد الاربعه الاولى حیاة البطل فى مصر.. لیبدأ بعدها رحلته الى الغرب. وعلى متن السفینه البیضاء تبدأ معاناته مع اللغه اذ یعجز تماما عن التواصل مع الاخرین. وهو ما یضیف قسوةالوحده الى مرارة الغربه عن الوطن . و تدورالاحداث ویختار البطل عمال السفینه لیفرض علیهم صداقته من خلال مساعدتهم فى عملهم.ویتواصل ارتباط الطعام بالملاكمه وبالعسكریه حیث یدخل البطل مطبخ السفینه ویجرى حوارا من جانب واحد مع الطباخ ویبدى اعجابه بالمطبخ ویشبهه بمطبخ الجیش ویضیف انه قضى مدته كلها فى الاتحاد الریاضى بصفته ملاكم .وهنا تختلط الملاكمه بالعسكریه.ثم تاتى لقطة الفیلم وهى من اعلى السفینه ویظهرالبحر من خلف البطل وهویتحدث مع نفسه عن خوفه من الضیاع فى هذه الرحله ..فیتسائل : ماذا لوفقد القبطان طریقه وتاه بهم فى هذا الخضم الكبیر؟ وطبعا . واضح خوف البطل من المصیرالمجهول الذى یوشك ان یبتلعه.ثم یتذكرالبطل سنوات طفولته حیث مشهد فى بیت امه السمراء”یأكل” وهى تحكى له ان أبیه قد أخذه بالمحكمه عقب طلاقهما. ثم مشهد مع ابیه أثناء العمل وفى الخلفیه الاهرامات الثلاثه لترسم هویه وانتماء حضارى للاب لا تملكه الام بدلیل طلاقهما.فالأب رغم اسلامه الا ان اصوله الفرعونیه حاضره بقوه..اما الأم فهى ترمز لمصر العربیه الاسلامیه والحضارتین متنافرتین الى حد طلاقهما.وقد تنازعا على حضانة الطفل ولكن المحكمه حكمت به للاب اى قطعت بانتماء الابن لاصوله الفرعونیه . تلك هى حالة التنازع الحضارى التى لازال البطل یعیشها ویتوزع ما بین امه وابیه الذى عهد بابنه طفلا للخواجه الحكیم ذو الوجه الطیب..والرداء الابیض بلون القطن لیصبح امتدادا للاب.وهو ما یعنى ان الحضاره الغربیه هى الامتداد الطبیعى للحضاره المصریه القدیمه. ویتواصل موقف الاب اذ یسلم ابنه شابا الى حضن السفینه البیضاء التى ستحمله الى العالم الجدید. . وتصل به السفینه الى الأرض الأوروبیه وتتصاعد مشكلة اللغه ولا تفلح البطاقات العشرفى مساعدته على الاتصال بالناس او حتى مجرد سؤال عن محطة القطار..فیجلس الشاب حزینا لیعبرعنه صوت احمد ابراهیم یغنى كلمات الابنودى : یعنى اختلاف اللسان یسجن بنى الانسان ممكن تقوم الحدود ما بین لسان ولسان یا وحدتى انت سجنى وغربتى وحیرتى انت العطش والقلق والدمع والحرمان یعنى اختلاف اللسان یسجن بنى الانسان ویصل محمد بعد معاناه الى المصنع وینجح فى الاختبار ویتسلم عمله محاطا بنظرات الكراهیه والسخریه من زمیل المانى عنیف وعنصرى ینادیه”نیجرو”اى زنجى.ویعود الطعام كرمز للعنف حیث یلتقى هذا الالمانى مع محمد حسن على مائدة الطعام فینظر له شظرا ویتهكم علیه بما ینذربالصراع القادم مع هذا العدوانى الهمجى .وبالفعل ینصب كمینا لمحمد وهو خارج لیلا من المصنع فیقوم بضربه بمعاونة اصدقائه تحت جنح الظلام.وفى المقابل یتعرف محمد بعد هذا الضرب المبرح على جارته الجمیله . هیلجا التى تمثل الحضاره الغربیه كامتداد للحضاره الفرعونیه حیث ام الفتاه ولدت فى مصر. وتبدا هیلجا فى تعلیمه اللغه الالمانیه.وهكذا تلتقى الفتاه الاوروبیه البیضاء بالشاب الاسود وهو لون الظلام والعنف والعنصریه ورفض الاخر. وكل هذا تتسم به فى السیناریو الحضاره العربیه والدین الاسلامى. وبهذه الابعاد یلتقى العاشقان . ویتحرك الخطین: الابیض ممثلا فى هیلجا التى تخاطب العمق الفرعونى..والاسود ممثلا فى الالمانى العنصرى زمیل المصنع.و یثیرالبعد العربى الاسلامى فى وجدان محمد حسن لیصل الصراع والتنازع الحضارى بداخله الى ذروته. وعلى “مائدة الطعام” یضطر_ كملاكم _لاستعمال العنف مع زمیله العنصرى الذى یحتفظ بلحیه صغیره فوق ذقنه یرمز بها للاسلام .جاعلا منه سببا لعدم توافق البطل مع الحضاره الغربیه التى یمثلها المصنع.وبالفعل ینصحه مدرب الملاكمه كوستا ان یقطع صلته بالاسلام. ویجد الشاب فى كوستا ابا حضاریا له ولحبیبته هیلجا. فهو یونانى مصرى. ویسعى كوستا لتقنین العنف عند البطل والمرتبط بالاسلام من خلال رموز اسلامیه مثل قلعة صلاح الدین التى كان یسكن . بجوارها. ونادى الشبان المسلمین الذى لعب فیه الملاكمه.وینصحه كوستا بان ینسى كل ما تعلمه عن الملاكمه فى مصر.وهى نصیحه مبطنه بان ینسى كل شىء عن الاسلام.وبالفعل تختفى مشاهد الصلاه نهائیا من حیاة البطل كما تختفى مشكلة اللغه على ید هیلجا.ویدفع كوستا بالبطل الى افاق النجومیه فیصبح ملاكما مشهورا.كما یعمل على تنمیة الجانب المدنى المتحضر بداخل الشاب من خلال مساعدته على اختراع ماكینه جدیده بعد ان یفصل من المصنع. ویخوض البطل عدة مباریات تجرى كلها فى الظلام ومع ملاكمین سود. ثم تختلط الملاكمه بالحرب فى مشهد یجمع كوستا ومحمد فى مقهى یشبه حلقة الملاكمه حیث یخبره كوستا بان مصر هزمت فى الحرب(1967 ).والمشهد یمثل ذروة خط العنف وقد كانت لصالح الیهود حیث انتهت بنجاحهم فى كسر العنف الاسلامى نهائیا.اى كسر شوكة الاسلام. ویقرر محمد العوده لمصراى لعروبته واسلامه . كما یصل الخط الابیض لذروته ایضا عندما یعرف محمد ان فتاته حامل وان ابنه على وشك ان یولد..لیكتشف محمد حسن ان وقت العوده قد فات وانه قد . انصهر بالفعل فى الاخر الحضارى. واصبح ابا لطفل انجبته له عشیقته.ویقرر تسمیته باسم جده.اى الحاقه باصله الفرعونى.ویختتم الفیلم بمشهد البطل وهو فى قمة نجاحه حیث یدخل مبنى شركته ویجلس فى مكتبه وبجانبه تمثال فرعونى ابیض یشیر الى انه قد غادر نهائیا الحضاره العربیه الاسلامیه والتحق بالحضاره الغربیه كامتداد لاصوله الفرعونىه.ویؤكد ذلك باطلاق شاربه وهو عكس التقلید الاسلامى الذى یوصى بحلق الشارب واطلاق اللحیه . نعم حقق البطل ثروه كبیره لكنه قد خرج من الوطن واللغه والدین .. فهل هى قصة نجاح فعلا؟ ام قصة ضیاع وفقدان للذات وذوبان وتلاشى فى الاخر؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة