دراسة ٌ لديوان ” وللكلماتِ أجنحة ٌ”- للشَّاعر” سامح خاصكيّه ” – بقلم : حاتم جوعية

دراسات ….
بقلم : حاتم جوعية – فلسطين المحتلة …
مُقدِّمة ٌ :   الشَّاعرُ المُحامي  الأستاذ ” سامح  خاصكيَّه ”  من سكان مدينةِ ” الطيره ” – المثلث – فلسطين ،  يُعتبرُ من الشُّعراءِ المُبدعين  المُمَيَّزين المعروفين على السَّاحةِ  الادبيَّةِ المحليَّةِ ، نشرَ  الكثيرَ  من  انتاجهِ  الشِّعري والأدبي بشكل مكثَّفٍ ومتواصل في معظم  الجرائد والمجلات المحليَّةِ  وحقَّقَ  شهرة ً واسمًا  لامعًا  محليًّا ،  ولكنَّهُ  في الفترة الأخيرة خفَّ وتقلَّصَ انتاجُهُ بشكل ٍملحوظ  ولم  يعد  ينشر إلا نادرًا  …. وهو إنسانٌ مثقف ويُواكِبُ جميعَ الأحداثِ المحيطة ِ بنا  :  السِّياسيَّة والإجتماعيَّة … وغيرها . وكتاباتهُ عبارة ٌعن مرآةٍ  تعكسُ  بصدق شخصيَّتهُ وآراءَهُ وأفكارَهُ  ومبادءَهُ ولواعِجَهَ  الذاتيَّة  وتجَسِّدُ  واقعنا  السياسي والإجتماعي  والنفسي  بشكل ٍ  واسع ٍ وشامل ٍ .  وهذا الديوان الذي بيبنَ  أيدينا ( للكلماتِ أجنحة ٌ )    هو المجموعة ُ الرابعة ُ التي يصدرها الشَّاعرُ وطبعَ على نفقتِه الخاصَّةِ  ولم  يأخذ ْ دعمًا  من  أيَّةِ  جهةٍ ،  وهنالكَ  بعضُ  القصائد  نشرتْ  لأكثر  من مرَّة ٍ  في الصحف  المحليَّةِ   وكانت  لها  أصداء  إيجابيَّة  وواسعة   في نفوسِ وضمائر القرَّاء  .
يقعُ  الديوانُ  في ( 141 صفحة )  من  الحجم  الكبير  ويضمُّ  العديدَ من القصائد : التفعيليَّة والكلاسيكيَّة التقليديَّة  ،  ويتمحورُ  في  عدَّةِ  مواضيع  ، مثل :  الإجتماعيَّة ، السياسيَّة ، الوطنيَّة ، الإنسايَّة  ، الغزليَّة … وغيرها  .   وبالرّغم ِ من مكانةِ  هذا الشَّاعر  ومقدرتِهِ   وإبداعِهِ  المُمَيَّز  لم  يكتبْ عنهُ  حتى الآن  وعن  دواوينِهِ  الصادرةِ  أيُّ  ناقدٍ أو كاتبٍ محلِّي  وللأسف   .                                            مدخل :      أريدُ  أن أركِّزَ الدراسة َعلى  بعض ِالقصائد  في هذا  الديوان والتي من خلالها  يستطيعُ  القارىءُ أن يأخذ َ فكرة ً متكاملة ً عن الشاعر وشخصيَّتِهِ ومستوى كتاباتِهِ وهويَّته  الأدبيَّة  والثقافيَّة  .    ولنبدأ   بقصيدةِ  : (   صباح  الخير  يا  ليلى –  صفحة  9  –  12 ) من الديوان … وهذه  القصيدة  من أعزِّ وأحبِّ القصائد إلى  شاعرنا  ” سامح ”  ( حسب  رأيِهِ  ) ،  وهي قصيدة ٌ غزليَّة ٌوجدانيَّة ٌ تفعيليَّة   على   بحر  الوافر  وتمتازُ   بالجمال  والعذوبةِ  والشَّفافيَّةِ  وبجزالةِ  الألفاض ِ، وفيها البعدُ الإنساني والوطن  والفلسفي  وغنيَّة ٌ بالصور ِ  الشِّعريَّةِ  العميقةِ  الخلابةِ  وبالأجواءِ  الرُّومانسيَّةِ  الشَّفافةِ ،  ويقولُ  في بعض ِ  المقاطع  من القصيدة  :
( ”  صباحُ  الخير ِ يا  ليلى //  صباحُ الخير ِ يا أنشودتي الأحلى //
صباح الخير يا عصفورتي الأعلى //
صباح الخير  يا  أسطورتي الملقاة  بين  دفاتري  لوحا  //
رَسَمَها   اللهُ   عنوانا ً   //   ليجمَعَ   فيها   أشتاتي   //
ويقولُ  أيضًا :
( ” إليكَ اللهُ  قبلَ الضوءِ  ثمَّ الروح  تأخذني  //
إليكَ  القلبُ  ثمَّ  الحب  ينثرني
أسيرًا  في  ثناياكِ  //
لأدفنَ  في رمال ِالشَّط ِّ بعضًا  من  مُعاناتي //
وأمسح عن جبين ِالعمر ِهمًّا  جاءَ…. حالاتي //  ” )   .
ونرى  هنا  بوضوح  معاناة َ الشَّاعر  ومعناة  شعبه  الذي  يتألَّمُ  ويُعاني  من  نير الظلم ِ  والقهر .    ويقولُ   أيضًا  :
( ” صباحُ  الخير ِ  يا    ُفلَّهْ   //    صباحُ  الخير ِ  يا   طفلهْ   //
زرعها  الدهرُ  بستانا  وفستانا  //    بساحاتي  //
وإنسانا ً أقابلهُ … أقبِّلهُ  // وأخلط ُ منهُ ألوانا وأشكالا لراياتي //
وإلهامًا   لآياتي   //  )   .
ويمزجُ الشَّاعرُ  هنا   بين  الحُبَّين : (  حُبّ  فتاتهِ  أو  حب  المرأة  مع حب الوطن والأرض) والإثنان أقنومان مُقدَّسان وليسَ  بالإمكان الفصل بينهما  .     ويذكِّرُنا  هنا  بروائع  شعراءِ  المُقاومةِ  والرُّوَّاد الأوائل الذين شبَّهُوا الأرضَ  بالفتاةِ  الجميلةِ الرائعة ( فتاة الأحلام )  ، مثل : محمود درويش ، سميح القاسم، راشد  حسين … وغيرهم  .  ولكن  يوجدُ في قصيدة   ” سامح  خاصكيّه  ”  هذه  خطأ عروضيٌّ  صغير –  في  جملةِ  ( وفستانا في ساحاتي ) ، فلو قالَ  : (  وفستانا  بساحاتي )  لاستقامَ  الوزنُ  (  َمفاعِيلُنْ  مَفاعِيلُنْ )   .
ويقولُ في القصيدةِ  أيضًا  :
( ” إلى   مِنْ   أجلها   //  تزهُو الأرضُ والأحلامُ  والمأوى //
وتاتي الشَّمسُ  إشراقا ً وآفاقا ً لكي  تبقى  //
ويحلو  السفحُ  والمَرْعَى
إلى  من  أجلها  //  جميع  مشاكلي  أنسَى   //  )  … إلخ …
إنها تعابير جميلة ٌرائعة  مموسقة ، فنستشفُّ الصورَ  الشعريَّة َ  الخلابة َ الشَّفافة  التي تسحرُ اللبَّ والوجدان ِ وتهزُّ المشاعر  وتأسرُ  القلوبَ  ونلمسُ  ونتحسَّسُ  هنا  بوضوح ٍ الموسيقى الأخَّاذة  الرَّنانة  العذبة والجرس المُوَقَّع  الساحر والمُفرَدفات والمقاطع اللفظيَّة السَّلسة  المنتقاة  بجهدٍ  وذكاءٍ  وبحَدْس ٍ وَحِسٍّ  شاعريٍّ  فنيٍّ  مُرهف  .    فوظَّفَ الشَّاعرُ التعابيرَ والكلمات هنا بالشَّكل ِالصَّحيح ِوالذكي ليأتي  بالمعنى  والهدفِ  المطلوب ،  ولها ولها  وقعُها الجميل  والمُستحَبّ   على  نفسيَّةِ  ووجدان ِ القارىءِ …   هذا  من  ناحيةٍ  ذوقيَّةٍ  وشكليَّةٍ  وأمَّا من ناحيةٍ موضوعيَّةٍ  فالمعاني رائعة ٌوجميلة ٌومُعبِّرة ٌوملائمة ٌ للتجديدِ ولمستوى الشِّعرِ والأدب المُعاصر، والقصيدة ُ تواكبُ ركبَ الحداثةِ  والتطوّر ِ وتتناغمُ  مع  مسيرةِ  الشِّعر ِالحديثِ الرَّاقي  .      واننتقل  إلى  قصيدةٍ  أخرى   بعنوان  :
(  زيتونة جدِّي أسعد –  صفحة  43  ) –  يتحدَّثُ الشَّاعرُ  فيها  عن  زتونةِ  جدِّهِ  ( أسعد ) التي لها  مئات السنين ،  والزيتونُ  دائمًا  هو  رمزٌ للصمودِ والبقاءِ … وللطهارةِ  والقداسةِ والنقاء  والشَّفاء ،  وقد  وَردَ  ذكرُ الزيتون في الكتب المُقدَّسةِ . والزيتونُ أيضًا رمزٌ للوطن ِ  والأرض وللهويَّةِ والإنتماءِ .. ويبقى الشَّاهدَ على التاريخ ِ والجذور ِ  والتراثِ والسُّكَّان رغم  التزوير ِ والإحتلال وكل مُحاولات الطمس ِ  وتغيير ِ الخرائط  .
وهذهِ القصيدة ُ بشكل ٍ عام  جميلة ٌوهي على  نمط ِ شعر  التفعيلة   ويستعملُ  فيها سامحُ  عدَّة َ  أوزان ٍ  ولا  يتقيَّدُ  بوزن ٍ واحد ٍ  ،  بيدَ أنَّ  جرسها  وإيقاعاتها  الموسيقيَّة   جميلة ٌ  وسلسة ،   وفي  بعض ِ   المقاطع  منها   يذكِّرنا  بقصيدةِ  ”  محمود درويش ”  (  في  البال ِ  أغنية ٌ ) وقد  غنَّاها  المطربُ  الوطني  مارسيل  خليفة  …. ويقولُ  فيها  محمود  :                                                                      ( ”  في  البال ِ أغنية ٌ  يا  أختُ  عن  بلدي
نامي  لأكتبها  وشمًا   على  جَسَدي                                                                                                                                                                                   (”  رأيتُ جسمَكِ محمولا ً على الأشواكِ  والزَّرَدِ  //
وكنتِ أجملَ  من  أمِّي  ومن  بلدي   //
فصحتُ  بهمْ  جسمي هناكَ  فسدُّوا ساحة َ البلدِ //  )  … إلخ .

ويقولُ سامحُ  في قصيدتِهِ ( وهنا التشابهُ يبدو واضحًا إلى حدٍّ ما) :
( ”  رأيتها  بالامس ِ ُمغَمْغَمَة َ العينينِ  مغمَضَّهْ   //
مبتورة َ الكفينِ والقدمينِ والأوصال ِ والأيدي   //
مشقوقة َ  البطن ِ  والأمعاءِ  والمتن ِ //
مشدودة َ  الأقماط ِ  والأكفان ِ  والعُقدِ
مشنوقة ً برداءِ الموتِ والأحبال ِ والزَّرَدِ
محمولة ً ، مأسورة ً ، محصورة ً على  آلة ٍ حدباءَ  سيَّاره  //
صوبَ  الغربِ  بالقيدِ  //
صوبَ  القبر ِ والمنفى  //   صوبَ  الغربِ  للَّحدِ  //  )  .
ويقصدُ  هنا    ب (  الغرب  )  الإستعمار  والإحتلال ،  والغربُ  هو  أصلُ   الدَّاءِ  والبلاءِ  لكلِّ  الشَّرق ِ ولجميع دولِ  العالم  الثالث  الفقيرة  كما يسمُّونها …  وأهدافهُ  ومآربهُ  أن  يبقى  شرقنا يرضخ ُ تحت  نير العبوديَّةِ  والإحتلال ِ والقمع والتأخُّرِ  والتخلُّفِ   .     والمحبوبة التي  يعنيها  الشَّاعرُ  هنا  هي  الوطن والأرض والحُرِّيَّة ،  وهي   الزيتونة ُ  الحبيبة  الصابرة ُ على  نكباتِ  وغدر ِ الزمان ِ  وتقلباتِ الدهور وتموُّجاتِ الطبيعة والتغيُّرات المناخيَّة  لآلافِ السنين  .
ومن خلال ِ هذهِ  القصيدةِ  نحنُ  نلمسُ  ونلاحظ ُ أنَّ  لشاعرنا  سامح   حاسكيَّه   موهبة   مميَّزة  ٌوطاقاتٌ  إبداعيَّة  ٌ شعريَّة ٌ   فذ َّة ٌ   وعملاقة ٌ … ولكنهُ لا يستغلُّها  كما  يجبُ ، فيبدو أنَّ مهنة َ  المحاماةِ  وأتعابها  آخذة ٌ حَيِّزًا ومساحة ً  كبيرة ً من وقتِهِ وجُهدِهِ  .  فلو  ركَّزَ  وكثَّفَ  وقتهُ  في  المجالِ الشِّعري والأدبي  ووظفَ  طاقاته وثقافتهُ وموهبتهُ لهم كما  يجب  لأبدعَ  في عالمِ  الشِّعر ِ أيُّما  إبداع  ووصلَ  في شعرهِ ليسَ إلى مستوى العالم العربي فقط ، بل للمستوى العالمي . فهو توجدُ لديهِ كلُّ القدرات  والطاقات ..  ولكنَّ  السؤالَ  هنا  كيف  يستغلها ويوظفها بالشَّكل ِ الصحيح وكيف  يُكرِّسُ  ويخصِّصُ  وقتهُ  للشعر ِ والأدب … وهذا  يتعلقُ  بهِ  شخصيًّا .   وهنالكَ  العديدُ   من  الشعراء  والكتاب ( العرب والأجانب)  المبدعين    فبسبب انشغالهم   بأعمالهم ومتاعبهم والتزاماتهم العديدة – سواء : السياسيَّة أو  الثقافيَّة  والمهنيَّة وغيرها   أهدَرُوا  طاقاتهم  الشِّعريَّة  والكتابيَّة  ولم  يصلوا  في  مستواهم  الكتابي  للقمم ِ القصوى  وللشُّهرةِ   العالميَّة  .   ولكن  هنالك شعراءٌ مبدعون أيضًا لم  يأخذ العملُ والشغلُ  لديهم  موهبتهم  ووجدوا لديهم وقتا لأجل الكتابةِ  فأبدعوا ووصلوا إلى شهرةٍ  واسعةٍ ، مثل : أمير الشُّعراء ” أحمد  شوقي” الذي درسَ القانون والمحاماة  وكرَّسَ وقتهُ  للشعر ِ والأدبِ وكانَ أوَّلَ  شاعرعربيٍّ  في عصرهِ  .
ولننتقل إلى  قصيدةٍ   أخرى  من   الديوان   بعنوان :  (  الأم  الفلسطينيَّة  وملكة  السويد –  صفحة  88  )   وهي  قصيدة ٌ  كلاسيكيَّة ٌ  على  وزن  ( مجزوء الكامل )    وفيها  يعطينا  صورة ً  رائعة ً مُشِعَّة ً  لنضال  الأشبال  الفلسطينيِّين ضدَّ  الإحتلال ،  وذلك  من  خلال ِ  الحديثِ على  لسان ِ  شابٍّ  فلسطينيٍّ   لأمِّهِ  (  حوار )  ،  ونرى  شريطا ً  ملوَّنا ً  وصورة ً  متكاملة ً   للأطفال ِ  والأشبال ِ الفلسطينيين  مِلؤها  لوداعة ُ  والبراءة والشَّفافيَّة ،   ولكنَّ  الظروفَ الحياتيَّة َ والسياسيَّة الصعبة َ  تجعلُ  منهم ( الأطفال )  أداة ً  قتاليَّة ً مقاومَة ً  وأصبحوا  رمزًا  للإقدام ِ  والعزم ِ  والتصدِّي  والثبات  .
يقولُ  الشَّاعرُ  ” سامح  خاصكيَّه ) :
( ” أمِّي   خرجتُ    فإنِّني           وجهٌ      تجَسَّدَ     بالشَّقاءْ
أمِّي     أريدُ     فراشة ً          تحبُو على  صدري   فراءْ
وأريدُ     بدرًا      ناعسًا           يأتي   الفراشة َ   بالرَّخاءْ
فتقيمُ      عشًّا       زاهيًا           فيهِ     المسافة ُ    والبهَاءْ
ويقول : ( ولكنَّ    بيتي   والمَدَى           فتكادُ     تجمعهُ      وعاءْ
فخرجتُ   أمِّي   سائلا ً           نور َ   المنارةِ    والرَّجاءْ
منْ  أجلِ   حقي   كاملا ً           قد  راحَ   يجمعنا   الوفاءْ
كفي   تلاطمُ    مخرزًا            نعمَ     التحدِّي     والبلاءْ
سأظلُّ   أرفعُ    رايتي           حتى    التحرُّر ِ   والجلاءْ
سأردُّ     قهرَ    سوائبٍ           عاثوا   المفاسدَ   والبَغاءْ
صدري  يُواجهُ    مدفعًا           رشَّ    القرنفلَ     بالوَباءْ
والقصيدة ُ طويلة ٌ   وجميلة ٌ  جدًّا ،  ويوظفُ  فيها  أحدَ الأمثلةِ  الشَّعبيَّةِ : كفي  تلاطمُ  مخرزًا ) –  وهذا  توظيفٌ  وتشبيه ٌ  متطابقٌ  مئة بالمئةِ  لنضال ِ الشعب الفلسطيني  بإمكانيَّتهِ  المحدودةِ  والبدائيَّةِ  ضدَّ  جلاوزةِ  المحتلين  والطغاة   الذين    يملكونَ  أحدثَ  الأسلحة الفتاكة  والوسائل القتاليَّة  المُتطوِّرة ،  ويعطينا  ”  سامح ”  صورة ً  واقعيَّة ًساطعة ً لنضال الأهل والأشبال في الضفةِ والقطاع ِ  ووظفَ  المثلَ الشَّعبي هذا( كفي تلاطمُ  مخرزًا) للتعبير الدلالي للمعنى الذي  يرمي إليهِ ، والمخرز هو الإحتلال  بكلِّ جبروتِهِ  وبطشِهِ ،  والكفُّ  هي  وسائل المقاومة الدفاعيَّة  البسيطة  والبريئة  للفلسطينيِّين  .
وإلى  قصيدةٍ  أخرى  من الديوان  بعنوان :  (  الكندرجي  –  صفحة 94 ) حيثُ يتحدَّثُ  فيها الشَّاعر عن الإسكافي (  الكندرجي) وحياتهِ وطريقةِ عملهِ . وهذهِ قصيدة ٌإجتماعيَّة ٌ   إنسانيَّة ٌ على  نمطِ  شعر التفعيلة  .  وينقلُ  لنا  شاعرنا بريشتهِ الإبداعيَّة صورة ً كاملة ً مُلوَّنة ً لحياةِ الإسكافي وأفكارهِ  وأحاسيسهِ  ومشاعرهِ  ووضعهِ  الإقتصادي الصَّعب  والأسري  والإجتماعي  ومعاناتهِ  وآلامِهِ  وصبرهِ  وجلدهِ  وكيفيَّة تحدِّيهِ للنوائب  وقطعهِ  لمشوار هذه  الحياة ،  فيقولُ   سامح  :
( ”  في  يدِهِ  اليُمنى  مطرَقهْ  //   في  يدِهِ   اليسرى   مسمارْ   //
يبتلعُ  الحفنة َ  يسحبُها     //    من  بينَ شفةٍ  ولسانْ
بدقَّةِ      فنان ْ   //
يشدُّ  النعلَ  …  يباطحُهُ   //  يدقُّ   النعلَ  ويحشرُهُ
بينَ   الفخذين ِ  وسندانْ    //  ” )
ويستعملُ هنا كلمة َ ” يُبَاطِحُهُ ” القريبة  للعاميَّة وكمصطلح  عاميّ  ليصلَ  إلى المعنى والتشبيه  الدقيق  المطلوب  .  وينقلُ  لنا  الشَّاعرُ  هنا   صورة ً   واقعيَّة ً  دقيقة ً  عن  طريقةِ  عمل ِ  الكندرجي  و قد  صاغها  ” سامحُ ”  بلغة ٍ جميلة ٍ عذبة ٍ ورشيقة ٍ  ،  والقصيدة ُ على  بحر ” المتدارك أو الخبب ”  الذي  يصلحُ  لجميع ِالمواضيع الحديثةِ والمعاصرة .  ويقولُ في القصيدةِ  أيضًا  :
( ”  أطرافُ  الوسطى   والثاني  //   إسكافي   يعملُ    ساعاتٍ   //
يتصبَّبُ عرقا ً  تكويهِ   //  أوتارُ  الشَّمس ِ  أشعتها    //
ينتظرُ اليومَ  بكاملهِ   //
لا  شيىءَ  يُحَرِّرُهُ   إلا َّ  //    وُضوءٌ   جاءَ   بآذان ِ    //  ” )
وهذا  الموضوعُ  وهذا  اللون من   الشِّعر ِ  (  الإجتماعي  والإنساني )  قلَّة ٌ من الشعراء المحليِّين  طرقوهُ  وكتبوا  فيهِ  ،  لأنَّ  معظمَ الشُّعراءِ ، محليًّا ، يكتبون  في المواضيع  السياسيَّة  والوطنيَّة وحتى الذين هم دائمًا بعيدون كلَّ البعد عن الوطن والقوميَّة والنضال في أفعالهم  وآيديلوجيَّتهم  وتفكيرهم  ووجدانِهم ،  وخاصَّة ً  شعراء  وكتاب  التقاعد  ” البينسيا ” اليوم –  شعراء وكتاب آخر زمان  وهم معروفون  للجميع  – للقاصي والداني – الذين  خرجوا  للمعاش  كما  يُقالُ في اللهجةِ المصريَّةِ – ومنهم  َمنْ كانَ  يَشِي ( يفسدُ) على أبناءِ  شعبهِ ويعملُ ضدَّ  قضايا شعبهِ المصيريَّةِ بشكلٍ مشينٍ وحقير ويتبوَّأ الوظائفَ في المكاتب الحكوميَّةِ على مختلفِ أنواعِها وفي  المعارف  أيضًا ، واليوم  أولئك  الذين أعنيهم  يكتبوا  وينشرون هذيانهم  وهراءَهم وتخبيصاتهم  بشكلٍ  ُمكثَّفٍ  في  معظم ِ الجرائد  والمجلاتِ ووسائل  الإعلام المحليَّةِ الصفراء والرَّخيصة التي أضحت  منابرَ  لهم  وأبوابها مفتوحة  على  مصاريعها   لنفاياتِهم  على   حسابِ  الأقلام ِ المبدعةِ والنظيفةِ والشريفة،ويتبجَّحون بالوطنيَّة والنضال المزعوم  وبالمبادىء والقيم والمثل زيفا وبهتانا ً وذلك لأجل  البيزنس والشهرة  والمكسب  والمصالح …. أو  نراهم  يكتبون أيضًا  في المواضيع  الغزليَّة  التي  لا  يعيشونها إطلاقا وبينهم وبين الحبِّ والجمالِ  والمشاعر  الجياشةِ والرومانسيَّة  مليون  سنة  ضوئيَّة…. وأمَّا  في المواضيع والقضايا الإجتماعيَّة والإنسانيَّة التي تتناولُ حياة َ العُمَّال والكادحين ومعاناتهم أو المشاكل والقضايا المُعَقَّدة  والتي  تحتاجُ  إلى علاج  وحلٍّ  فيتجاهلونها .   … وأتذكَّرُ  هنا  قصيدة ً  للشَّاعر الفلسطيني  الشَّهيد   ( عبد  الرحيم  محمود ”  ابو  الطيِّب ” ) والتي  يرثي  فيها  حَمَّالا ً  كانَ  قد  وجدَهُ  ميِّتا ً ومَرميًّا  على جانب  الطريق  في إحدى شوارع  حيفا  (  زمن  الإنتداب  البريطاني )  والناسُ  يمُرُّون  بجانبهِ  يمينا   وشمالا ً  ولا  يهتمُّون  لهُ  أو  يلتفتون  إليهِ  لأنَّهُ   فقيرٌ  معدمٌ  وغريبٌ  ولا  يوجدُ  لهُ  أحدٌ  ( مقطوعٌ  من  شجرة ) …   وهذا  الموضوعَ  إنسانيٌّ  من  الطراز  الأوَّل    .
وقد  كتبَ  الشَّاعر ” سامح ”  بعضَ القصائد والأناشيد  للأطفال  والتي  تصلحُ  للتلحين  والغناء ، منها  قصيدة  بعنوان :
(  نشيد  نحن  طلاب  المدارس – صفحة 96  )  ويقولُ  فيها  :
( ”  نحنُ طلابُ  المدارس //     نحنُ    طلابُ   الأملْ  //
نحنُ حُبٌّ // نحنُ  مجدٌ  //    نحنُ      فجرٌ   وعملْ  // ” )   وهنالكَ  قصيدة ٌ أخرى  للأطفال  بعنوان : ” نحنُ طلابُ  الثوالث ”  ويقولُ  فيها  :
( ”  نحنُ  عنوانُ  المحبَّهْ  //  نحنُ  أزهارُ  الصَّباحْ //
نحنُ  عنوانُ  الكرامَهْ  //  نحنُ   كدٌّ    ونجاحْ    // ).. إلخ .
وهذا  اللونُ  من  الشِّعر ِ والأدبِ  ( أدب  الأطفال )  قلائل  جدًّا  الذين  يكتبون فيهِ  محليًّا … ونحنُ  اليوم  بحاجةٍ  إلى شعراءٍ وكتاب  يكتبون  للطفولةِ  على  الصَّعيد  المحلي  .
ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى من الديوان بعنوان : ( قوافل  الشُّهداء  –  صفحة 105) وهي  نشيدٌ وطنيٌّ حماسيٌّ  وتذكِّرنا  بأناشيد  وقصائد  شاعر فلسطين قبل النكبة – عام 48 – المرحوم “إبراهيم  طوقان ” .       فيقولُ الشَّاعرُ  ” سامح ”  عن الشَّهيد  ” محمد  الدُّرَّه ” ( والقصيدة  كلاسيكيَّة )  :
(  ”  دُرَّة ٌ  في  الروح ِ  تبقى       في      جباهِ     الصَّالحينْ
شوكة ً  في الحلق ِ عارًا       في     ضمير ِ    العالمينْ
صورة ً  تبقى   وفصلا ً     في   كتاب ِ  الظالمينْ “)…إلخ .

وأمَّا  في  قصيدةِ  (  ليالي الأنس  – صفحة 111 )  فنجدُ  ونلمسُ   فيها  مقدرَتهُ  الشَّعريَّة َ واللغويَّة  وتفننه  في  كيفيَّةِ  اختيارِ  الكلماتِ  والقافيةِ  الصَّعبةِ  .   ويقولُ  فيها  :
( ” فتحملني الخواطرُ  شارداتٍ      إلى  فيض  ِالكلام ِ وكلِّ حِسِّ
وكانَ  الليلُ  والأنحاءُ  صمتٌ     تكلَّلَ  بالصَّفاءِ وطوق ِ همس ِ
وتسمُو الليلة ُ السَّمراءُ وصلا ً    وتسحبُ  للصَّباح ِ رداءَ أمس ِ)
وفي  قصيدةِ  ( سوق  المدينة – صفحة 116  )  يتحدَّثُ  عن  طفل ٍ فقير ٍ مُعدمٍ  وهي  قصيدة ٌ إجتماعيَّة  وتذكِّرنا  بقصائد الشَّاعر  العراقي الكبير ” معروف  الرَّصافي ” عن الطفل  اليتيم وغيرها  ،  وأسلوبُ سامح  في  هذه  القصيدةِ  قريبٌ  لأسلوبِ  وطريقةِ  شاعر   العراق  الرَّاحل  معروف  الرَّصافي  .
وأمَّا  قصيدة (  رحيل  –  صفحة 118  ) وهي  قصيدة ٌ  غزليَّة ٌ عذبة ٌ  شفَّافة ٌ بريئة ٌ فتدغدغُ  أحاسيسَ القارىءِ وتلامسُ  وتخاطبُ  عواطفهُ  وضميرَهُ  وفيها  يقولُ  :
( ”  ها  قد  رسمتك ِ  مركبا ً   //   في     شاطئي    //
ها  قد  رسمتك ِ  مدخلا ً   //   في     ناظري    //
فلتكنْ منك ِالسَّواحلُ للجوء //  إلى     السَّبيلْ     //
ويقولُ   فيها  أيضًا :
( ”  لا … لن   تغيبي  عن   خيالي   ومضة ً
أنتِ  تمثالي المُطرَّزُ  بالقرنفل ِوالأصيلْ
ما   للزَّوارق ِ  والشَّواطىءِ   من   بديلْ
فلننطلقْ  كسنونةٍ //  من  حيرةِ  الأشجار ِ//
من غيبةِ  الأحلام ِ //   ولا       مثيلْ   //  ” ) … إلخ  .
وسأكتفي  بهذا القدر من استعراض القصائد  في هذا الديوان  .

وأخيرًا :   إنَّ  الشَّاعرَ والأستاذ  المحامي ( سامح خاصكيّه ” من
من  الشُّعراء  المحلِّيِّين  المُبدعين  والرُّوَّاد في مجالِ  الكلمة  الهادفة الملتزمة وهو ركنٌ هام من أركانِ حركتِنا الأدبيَّةِ والشِّعريَّةِ  المحليَّةِ  …  فنتمنَّى  لهُ  العمرَ  المديدَ  والمزيدَ من العطاء والإبداع  الشِّعري   والأدبي المُتواصل. وأتمنَّى أيضًا من الأدباء والنقاد المحليِّن وخارج  البلاد أن يهتمُّوا بشعرهِ  وأدبهِ وبكتابات غيرهِ من المبدعين المحليِّين   وأن  يقرؤوا  إصداراتهِ   بعمق  ويكتبوا الدراسات والأبحاث عنها  لأنَّ  مقالتي هذه هي أوَّلُ  دراسةٍ  تُكتبُ حتى الآن عن  هذا  الشَّاعر القدير والمُمَيَّز    .

(  بقلم : حاتم  جوعيه – المغار – الجليل – )

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة