الشاعر خالد الزيباري ونهايات ملحمة سيسبان – بقلم : عصمت شاهين دوسكي

دراسات …
بقلم : عصمت شاهين دوسكي – كردستان العراق …
الشاعر يتخيل الصور التي يختارها بوعي روابط الأحداث
الشاعر خالد الزيباري واحداً من الشعراء الكلاسيكيين المعروفين رغم قلة شعره الذي يتميز بدقة الوصف والحنكة والدراية وجمال الأسلوب والقوة الإيحائية ،وكحال بعض الشعراء الكلاسيكيين الكرد سيرة حياته لا تزال يكتنفها الغموض لأسباب عديدة ومنها تكرار اسم خالد في سلسلة شجرة العائلة لهذا يعتبر واحداً من الشعراء الكرد المنسيين ، معروف بلقب ” لاغر ” في منطقة بهدينان وهي كلمة كردية تعني النحيل أو الضعيف وقد خففت في الكردية المعاصرة واصبحت ” له غه ر ” وتذكر المصادر الأدبية إن الشاعر خالد الزيباري ينتسب إلى قرية تقع خلف زاب بهدينان وقد خرج من الموصل متوجهاً إلى قرية ” شوش ” بسبب الأمراض والمصاعب آنذاك في الموصل عام 1784م وهناك اختلاف في سنة ولادته ووفاته لكن الأقرب كما في تحليل وتاويل الأحداث الأدبية التاريخية المذكور في كتاب ” من ينابيع الشعر الكلاسيكي الكردي للأديب رشيد فندي أربيل كردستان العراق 2004م إنه ولد في عام 1756م وتوفي عام 1805م ، ملحمة سيسه بان الشعرية الطويلة المؤلفة من مئات الأبيات والتي يرد اسم الشاعر في نهايتها تعتبر ملحمة رائعة ونادرة في الشعر الكردي يذكر الشاعر بوصف جميل وأسلوب مميز أحداث إحدى المعارك التي وقعت أيام الفتح الإسلامي في بلاد أرمينيا ، تنسجم الصور الشعرية برباعيات وصفية مع بعضها بدقة متناهية هذه الدقة التي يسعى الشاعر من خلالها إلى توضيح الجزء الأصعب في تلك الملحمة ” تعالى الأنين – تعالى صوت الضربات ” وهي رغبة خاصة في تأويل الأحداث بضجة ظاهرة في الشكل والمضمون ونلاحظ التعبير في ” تصاعد التراب والعجاج والكرب ” التي تأخذ القارئ إلى واقعية الملحمة الشديدة ،وكل صورة تظهر تمسكها بالأخرى من قريب وبعيد ،فإن الشاعر يتخيل الأحداث بذهن خلاق يختارها بوعي روابط الأحداث التي تكون مفهومة في حالة واحدة حين تنظر إلى تجليات مفرداتها .
(( تعالى الأنين من الفرسان  وتعالى صوت الضربات
وحدثت ضجة شديدة مع تصاعد التراب والعجاج والكرب
وضربوا بعضهم البعض في القريب وفي البعيد
يا ليت لروح الشهيد وكثر الضرب والطعن والحرب ))
ونتيجة للوصول إلى الدهشة والاهتمام في تأثير مباشر أو غير مباشر يذكر اسم ” علي ” وهي صورة ومواجهة تقدم عمقاً للدراما الملحمية بموجب التعبير الواعي ” سحب عليه ذو الفقار ” وهو سيف الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفي هذه الصورة الموظفة قوة خاضعة للحدث بمقتضى الطريقة التي يروي خلالها الملحمة الرمزية والتي تشكل سياقاً من الأفكار في عصر بعيد عنا لكن نحصل على نهايات ولمحات لجوانب ملحمة تأتي مقنعة بصورها الشعرية المحددة ضمن سياق الفعل الملحمي .
(( أما ” علي ” صاحب الرمح فأصبح يرقص حول الكافر
وثبت في الميدان كطائر الباز  وناد عليه بالفصيح
وعندما شمر عن ساعديه وسحب عليه ” ذو الفقار ”
ضرب ذلك الخنزير به فقطع رأسه من بين أكتافه ))
يتحول الشاعر خالد الزيباري من المضمون المكشوف للأفكار والأحداث إلى الحقيقة المستترة والتي تحولت بفعل ” تذكروا – تكثروا ”  دور الرقيب والحكيم والتوجيه والتذكير إن ” ملحمة سيسه بان ” تحد من وقائع محتملة وتحمل قدرة كبيرة على المعاني القيمة لهذا يذكر الشاعر ” اقرؤوا – تحدثوا ” يبدو إن الشاعر يضفي عليها نوع من الرغبة والتوسل الأدبي الجميل ” لتبقوا – تشربوا ” التي من خلالها يمكن إيجاد السبب والطريقة الذهنية التي يمكن منها قراءة الملحمة الشعرية وهذا الأمر يؤرقه لأنه يتصور ويتأكد بوعي بأن قيم وتداعيات الملحمة الشعرية مع الزمن الغير مستقر ستضعف وستغدو في طي النسيان ويشعر الشاعر بالألم لهذا النسيان ولهذا المصير الذي لا يرجوه للملحمة الشعرية بكل ما فيها من تجليات ودراما لواقعة ملحمية إذ يعتبر مضمونها ومكنونها ” ماء الحياة ” وهذا التشبيه يعز إلى عدم نسيانها في أي زمن كان وفي نفس الوقت عدم نسيان الشاعر شخصياً  برؤى ذاتية ضمنية ملحة .
(( لكي تتذكروا دائماً وتكثروا من الصلوات
ولكي تروا وجه الحبيب في يوم العرصات
اقرؤوا ذلك دائماً وتحدثوا به في الحكايات
لتبقوا إلى الأبد وتشربوا من ماء الحياة ))
بعد تداعيات السيوف وصهيل الخيول وضجة المقبول والمأهول والتراب والعجاج والضربات وصور الشهداء يقدم الشاعر نفسه بإشارات واضحة مباشرة ” إن خالد الزيباري قال هذا الكلام الموزون ” وهذا من حق الشاعر بعيداً عن النرجسية حيث عصره يخلوا من تقنيات مطبعية وحقوق وملفات حافظة بل يصف ملحمته منظمة وقافية ورباعية وخوفه من مصير الملحمة الشعرية الطويلة لا يطلب شيئاً سوى عدم نسيانها وبمقابل هذا الجهد الكبير النادر للملحمة الشعرية حيث يقدر عدد الأبيات الشعرية ما يقارب ” 463 ” بيتاً يحتاج إلى هدية قيمة ” أقرؤوا له الفاتحة ” بهذه المفردات ينهي الشاعر الملحمة الشعرية الرائدة في الأدب الكردي .
(( إن خالد الزيباري هذا قال هذا الكلام الموزون
باسم الإله الجبار نظم بالقافية الرباعية
أرسلوا إلى خالد الهدية شاعر النظم الذي لا مثيل له
فليرحمكم الله اقرؤوا له الفاتحة ))
إن القدرة الملحمية ترتكز على قدرة القارئ لإدراك هذا العالم الملحمي وقبوله عموماً للأوصاف والظروف الاعتيادية والبعيدة فالتأثير الأولي هو الابتعاد عن المألوف والأهم والأروع الطريقة والأسلوب الذي يسلط عليها مع الاستقرار والتناقض والذهنية الواعية واللا عقلانية أيضاً ،يوظف الشاعر خالد الزيباري التحدي والتصورات وإن كانت وصفية متعلقة بالعالم الملحمي  المألوف وهي محاولات هادفة لتصوير الملحمة شعرياً والتي تعتبر وثيقة تاريخية أدبية ووثيقة الصلة بالإبداع والكيفية التي مكنت الشاعر من معرفة الملحمة باعتبارها إحدى وظائف بنية الملحمة الأساسية سواء افترضنا إنها واقعية أو خيالية فهي تملك الخاصية الإدراكية والذهنية الفعالة الواسعة بتحليل الصور والمفاهيم الملحمية بما في ذلك تأثير الواقع والخيال والخطوب الذهنية التي تعامل معها الشاعر بمتعة جعل ما هو عادي يبدو بمنتهى الدهشة والجمال والإبداع فهو يتطرق إلى وصف دقيق بين المدارك البصرية للأحداث والأشياء المادية التاريخية ، ولكن تبقى هناك هوة عميقة بين ما نراه وما هو موجود في العالم وتبقى أيضاً ملحمة سيسه بان من الملاحم الشعرية الرائعة في الأدب الكردي .
*******************************
خالد الزيباري
-يعتبر واحداً من الشعراء الكلاسيكيين المعروفين يمتاز شعره رغم ندرته قوة السبك ودقة الوصف والأسلوب الجميل في ميدان الشعر الكلاسيكي الكردي .
-ولد الشاعر في عام 1756م في زيبار وهي من نواحي الموصل .
-صاحب الملحمة الشعرية الطويلة ” سيسه بان ” المؤلفة من مئات الأبيات ،التي تعتبر رائدة في الشعر الكلاسيكي الكردي .
-توفي عام 1805 م .

*************************************************
كتاب – فرحة السلام – من الشعر الكوردي الكلاسيكي ، دعوة للمؤسسات الثقافية والشخصيات الثقافية المعنية لطبعه ، لعدم إمكاني طبعه .. عصمت شاهين دوسكي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة