“أشباح في قلب الظلام ” قصة : بكر السباتين

القصة …..
قصة بقلم : بكر السباتين ….
هذه الليلة ممطرة وطويلة.. والأخيلة تنتهك شجاعة عبد الجبار وتختبرها بقسوة كلما أرخى الليل ظلاله، سنابك الخيل تخطف انتباهه إلى عمق الدجى المدلهم..لا شيء حاضر في ذهنه إلا أشباح الليل وغيلانه.. يتذكر حكايات جدته المخيفة.. والتي ربطت حياته بالغولة.. وبات كلما حل الظلام ألعوبة للعفاريت وهي تعربد في رأسه المسلوب إلى شيء يتحاشى مواجهته.. والخوف يتدفق من قلبه الواجف إلى عقله المنهك.. يتساءل:
” أدرك أنك موجود وحواسي مشرعة لتفادي ضرباتك المباغتة أيها الظلام”..
الطبيب أكد له ذات يوم قائلاً:
الخوف من الظلام رابض في قلبك لأنك لا تريد أن تتغير..
– والحل؟
– تعامل معه ككائن حي، تفاهما..
–  هذا وهمٌ يا دكتور.
ومضت أعوام وهو على هذه الحال.. إلى أن جاءت تلك الليلة المخيفة؛ فتغير كل شيء في لحظات.. من كان يتخيل أنهما سيتعانقان!
كان عبد الجبار مصاباً بفوبيا العتمة التي لازمته منذ طفولته الكئيبة وجدته تضغط عليه لينام:
” أنظر هناك”!
ألا ترى تلك الغولة وهي تطل عليك بعينيهيا المستطيلتين الحمراوين من الكوة المفضية إلى بهيم الليل؟
ألا تسمع عويلها المدوي، ولسع نظراتها المبرقة في هذه الليلة الممطرة المعتمة”.. وظل الخوف يلازم عبد الجبار حتى جاءت اللحظة التي غيرت حياته.
ففي منتصف ليلة ممطرة.. استشعر عبد الجبار حركة مريبة في الطابق السفلي من المنزل الذي اكتنفه الظلام، ذلك الخصم الذي جعل يصور لعبد الجواد الغيلان والعفريت حتى داهمه الأرق وأعياه الخوف.. كانت الغابة المجاورة تضج بالوحوش وهي تجأر على متن الرياح المتناوحة.. وتخيل عبد الجبار كيف أن المطر الغزير أخذ ينقر النافذة بمخالبه. والغولة تتنفس فترتجف الأغصان وهي تحتك ببعضها تارة وبجوانب البيت تارة أخرى.. اللحظات تمددت إلى ساعات مفتوحة على كل الاحتمالات.. وفجأة باغت سمعه صرير الباب الخارجي وهو يفتح بحذر” ربما كان ذلك بفعل الرياح المدوية في الخارج!” لكنه أصاخ السمع جيداً قبل أن يتصرف، اقترب من مفتاح المصباح ” ما زال التيار الكهربائي مقطوعاً إذن.. يا للكارثة!!”إذْ تيقن أخيراً من حركة متسلل مريبة جمدت أوصاله.. ثمة لص يطوف في أرجاء المنزل باطمئنان.. فهذا صرير باب المطبخ يفتح، ثمة قرقعة أطباق بدا وأنها تُخرج من الثلاجة، وصليل أنصال السكاكين وهي تقلب بيد متربصة في جوارير خزانة المواعين بالمطبخ، شعر لوهلة كأنها تقطع حشاياه وتلجم أنفاسه المكتومة. وها هي خطوات اللص المتسلل الحذرة ترتقي السلم المؤدي إلى طابق النوم.. وكأن اللص في نزهة! ربما تقصّى أمر البيت قبل التسلل إليه! فعلم من الجيران بأن أصحابه خارج البلدة دون أن يعلم بأن الفتى عبد الجبار عاد أدراجه متسللاً إلى البيت لأمر طارئ فيما أجل سفره إلى اليوم التالي، وصار في نيته المبيت وكل الأضواء مشتعلة؛ لكنه استوحش كثيراً حينما فوجئ بانقطاع التيار الكهربائي، ولم يتخيل بأن الظلام سيكون أنيسه في هذه الليلة المخيفة، فيتلمس الأمان وهو في جوفه.. كأنه طفل غرير فقد أمه وهو متكوم مهزوم في ركن الغرفة الكئيبة، وعيناه تتقلبان على إيقاع نبضه المتسارع.. تناسى أن الظلام عدوه اللدود.. يتحاضنان لأول مرة، يتوارى في حجبه كيلا يراه ذلك المتسلل الذي عكس وميضُ البرق ظلَّ مسدس كان مشهراً بيده.. توترت أعصابه، قال في أعماقه المتجمدة:
” ليتني كنت أكبر عمراً حتى أتصرف كالرجال، فأنقض على هذا المتسلل الرهيب! ولكن هيهات!”.. بتصبب عبد الجبار عرقاً.. تتحشرج أنفاسه من شدة الخوف.. الهاتف النقال في يده غير مشحون.. الظلام يحنو عليه ويخفيه تحت السرير فيجبر على الاستجابة، ثم يضمه إلي صدره.. الأنفاس تتلاحق كلما اقتربت الخطوات المريبة والمصحوبة بأنفاس متحشرجة لذئب بشري طليق.. وفجأة ومضت أضواء سيارة الشرطة من خلال زجاج النافذة وانعكست كسهام النار العشوائية على الجدار الكئيب.. وقد مرت من أمام المنزل وهي تصمّ الآذان بصوتها التحذيري المتقطع فتوقظ الأمان في قلب عبد الجبار المهلوع.. وخاصة أن اللص ارتعدت فرائصه هو الآخر كما يبدو ولاذ بالفرار متعثراً بالأشياء من حوله ليخرج هارباً، والباب الخارجي تصفقه الرياح بشدة.. هذه المرة ظل عبد الجبار مختبئاً في جوف الظلام كأنه في حضن أمه الرءوم.. ولم يصدق كيف يؤانسه عدو الأمس “الظلام”، فيتسلل على أطراف أصابعه حتى صار في الطابق السفلي.. وأغلق النوافذ جيداً، ثم أقفل الباب.. واقترب من الأريكة فنام عليها هانئاً حتى الصباح.. مردداً في أعماقه” الظلام لا يخيف يا جدتي” ثم ضاحكا” سامحك الله..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة