البحر ونوارس الأمل …غواية المكان في شعر عبد الناصر صالح – بقلم : أمين دراوشة

ابداعات عربية ….
بقلم : أمين دراوشة : فلسطين المحتلة ….
ما الشعر إلا فن، وسيلته اللغة ويجمع بين جمال التصوير والموسيقى الأخاذة، والحركة واللون. يقول الآمدي: ليس الشعر “إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فأن الكلام لا يكتسب البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف”. (1)
وهذا التعريف يخالف تعريف قدامة بن جعفر الذي قال عنه إنه الكلام الموزون المقفى الدال على معنى.  فالنقاد اعتبروا تعريف قدامة ناقصاً وغير مكتمل، لأنه يشير إلى مظهر الشعر وليس إلى جوهره. ولا ريب إن هذا التعريف لا يلج إلى حقيقة الشعر، فعلا ،ولا يلامس قلبه.
ويرى ابن خلدون أنه من الضروري “أن يكون الشعر ضرباً من الكلام البليغ الذي تزيّنه الاستعارة والوصف الجميل، وأن يكون الشعر مفصّلاً بأجزاء متفقة في الوزن والرويّ وألا يبتعد عن أساليب العرب”. (2)
أما عبد القاهر الجرجاني فقد عرف الشعر بأنه: “علم من علوم العرب، يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحدٍ من أسبابه. فمن اجتمعت له هذه الخصال، فهو المحسن المبرّز، وبقدر نصيبه منه تكون مرتبته من الإحسان، ولست أفصلُ، في هذه القضية، بين القديم والمحدث، والجاهلي والمخضرم، والأعرابي والمولّد”. (3)
ونلاحظ إن الشاعر العربي، قديماً، ركز على سهولة العبارة، والابتعاد عن الألفاظ المهجورة والمعقدة. بمعنى الاعتناء باللفظ الجميل والمعنى البديع والاهتمام بالوزن والقافية.
ومع تطوّر الحياة تطوّر مفهوم الشعر وخاصة بالغرب، فلفظة الشعر مأخوذه من الشعور، وبالتالي فالشعر هو الذي يعبّر عن الشعور والعواطف، ويعمل على إثارتها بغضّ النظر إذا كان الشاعر يعبر فيه عن تجربة ذاتية خاصة، أو إذا تجاوز ذلك إلى مسألة أخرى متعلقة بالمجتمع أو العالم. ومشاعر الشاعر تسري عبر الأفكار إلى المتلقي من خلال التصوير والعبارات، وهذه العبارات توحي بالأفكار، ولا تشير إليها بشكل صريح. “فقوة الشعر تتمثل في الإيحاء بالأفكار عن طريق الصور، لا في التصريح بالأفكار المجرّدة ولا في المبالغة في وصفها. ومدار الإيحاء على التعبير عن التجربة ودقائقها، لا على تسمية ما تولده في النفس من عواطف، بل إن هذه التسمية تضعف من قيمة التعبير الفنية”. (4) لأنها تصل بالمشاعر إلى التجريد لا التصوير. فالشعر لغته وجدانية، ويرتكز على مشاعر الشاعر اتجاه نفسه وما يدور حوله ويتفاعل معه، ومن خلال فنّيات الشعر يكشف لنا أسرار النفس البشرية أو المجتمع أو العالم. فالشاعر،عبر شعره ،يبتغي التأمل في تجربته الشخصية، أو تجربة عامة لها علاقة بالمجتمع، لينقل لنا صورتها بشكل جميل، فالشعر هو “الخلق الأدبي المُوَقّع للشيء الجميل. ومرده إلى الشعور والذوق لا إلى الفكر. ذلك إن موضوع الذوق هو الجمال. والذوق لا شأن له بالواجب الذي هو موضوع الحاسة الخَلقية. ولكن الذوق مع ذلك يشرح مواطن الجمال في الواجب من حيث هو جميل، ويحمل على الرذيلة من حيث هي قبيحة”. (5)
لقد اختلف مفهوم الشعر وغاياته حسب المدارس الفكرية المتنوعة الذي ظهرت. فهذا
وردزورث يقول إن الشعر: “الشعر هو التعبير الخيالي لشعور عميق داخلي يكوّن موسيقى الأداء لأنه فيض عفويّ للعواطف القوية تنساب للشاعر بهدوء”. (6) فهو يرى أن الشعر يعبر عن العاطفة الصادقة، والإحساس العميق..يتمتع به البشر لأن صوره تنساب إلى القلب بخفة…ويثير العواطف ويبهجها. أما كولرج فعرف الشعر بأنه:
“أسلوب” لإثارة العواطف للوصول إلى سرور آني يتخذ الجمال وسيطا “لحقيقة”. (7) فالشعراء والنقاد في الغرب ركزوا على ما يثيره الشعر في خلجات النفس، وتأثيره الساحر على المتلقي بما يشعره بالسرور والفرح. يقول الناقد الإنكليزي هازلت: “الشعر تعبير عن الانطباع الطبيعي، لرد فعل في حادثة، يثير بحيويته حركة لا شعورية في الخيال، والعاطفة، ويَخْلق بالانسجام تغييراً في الطبيعة المعبرة عنه في اللغة والموسيقى”. (8)
ويضيف هازلت إن لغة الشعر هي لغة الخيال المُجَنّح والعواطف الملتهبة، التي تمنح المتعة أو الألم العميق.
فالشعر الغربي يهدف إلى العاطفة الصادقة المتأجّجة، والخيال السامي، وتصوير حقائق الحياة بأجمل الصور وأعذبها…
واهتمَّ بالعاطفة الإنسانية والإحساس المرهف، والموسيقى العذبة، لتخلد الشعر وتلذ النفس سماعه.
رمز البحر في شعر
عبد الناصر صالح
أنجز الشاعر عبد الناصر صالح سبع مجموعات شعرية، كلها تدور حول فلسطين
في ديوانه “خارطة للفرح” يهدي الشاعر قصائده إلى شهداء بيروت، الورود البيضاء في عالم أسود. ويستعين بالشاعر يوليوس فوتشيك، ليعبّر عن مضمون ديوانه، قال:
“لقد عشنا للفرح،
وخضنا النضال من أجل الفرح
وفي سبيل الفرح نموت”. (9)
في قصيدة مهداه إلى الشهيد ماجد أبو شرار “نُبوءاتُ الزّمن المُقبل…”، يتحدث فيها عن قسوة العالم، وبؤس الغربة، والموت الصعب، والضياع والتشرد الذي يطارد الفلسطيني، ورغم مرارة الحياة إلا أن الفلسطيني (أبو شرار) كانت عيناه ” عيناهُ تضجّان بأعراسِ الميلاد الثّوريةِ”. فهو الأديب المقاتل، الذي كتب بدمه، لذا كانت دماؤه نبوءة لاستمرار الثورة التي يطمح العدو، باغتياله، في وأدها، يقول:
” يرتفع عويل الساعات الأولى المسكونةُ،
حدّقت بزرقة ماء البحر
فأعياني التحديقُ
وأثقلني صمتي،
والقادم ينتشر على وجهي ورداً أخضر
يُمطِرُني بشعاع الرغبة”. (10)
ورغم استشهاده إلا أنه يدفع بالشعب الفقير إلى النظر بتمعن إلى زرقة ماء البحر، فهي، في النهاية، ستفيض لتملأ حياة الفلسطيني بالأخضرار والفرح المفقود بفعل الاحتلال المُدمِّر. سيموت أبو شرار برصاص المحتلين، وسيترك الأمل للاجئين بالقادم الجميل، سيبقى أبو شرار الشعلة التي ركبت الأمواج وسط ريح لا ترحم ليبلغ عنان السماء، يقول الشاعر:
” سأموت إذن،
في كفّي باقة وردٍ للقادمِ
من غابات الشهوةِ
ممتطياً أمواج الريحْ”. (11)
وفي قصيدة “خارطة للفرح”، الذي تعتبر قلب الديوان يخلط فيها الشاعر بين عشقه لفتاته والأرض التي أحبها، يقول:
” وحاوَلْتُ رَسْمكِ في القَلْبِ زيتونةً تَتَمرَّدُ،
قافلةً تَتَوحَّدُ
مَوْجاً بذاكرتي يَتَجَدَّدُ
أشْهَدُ أنّي أحبُّكِ”. (12)
ففي حبهما يغرق بالمحبة والجمال والأمل الوردي، ويصعد:
” يَمْلِكُني النَّبْعُ والشَّجَرُ المتورّدُ
أخرجُ من جَسَدٍ يَتَقَمَّصُني
وأشيّدُ في البحرِ بوابةً للحياهْ”. (13)
فالبحر هو أصل الحياة، وبوابتها إلى الطهر والسعادة، وفتاته وأرضه يتبادلان الغبطة،
واتخذ الشاعر البحر كرمز يعبر من خلاله عن تجربته و همومه وآماله. وأسبغ الشاعر  عليه صفاته الإنسانية.
ومن الشعراء  الذين عاشوا تجربة البحر بطريقة مخالفة للنمط السائد. محمود درويش ومحمد القيسي ومريد البرغوثي وغيرهم، فهؤلاء الشعراء لم يكتفوا بالوصف العاديّ والحرفيّ للبحر، بل جعلوا منه موطن الحلم،الذي هو من الحقائق الكبرى في حياة الشعب الفلسطيني، وحاول بعضهم الخروج من هذا الرمز بدلالات مبتكرة وخداج، فهو رمز لبوابة العودة، ويشكل بوابات للمدن الفلسطينية كما ذهب درويش، وهو رمز للفضاء اللامتناهي، وقلب الأسرار، والبحث السندبادي عن المغامرات، وهو مكان يدلّ على الحياة المتجددة والحب، والرحلات التي لا تنتهي.
يقول عبد الناصر صالح :
” تَمُرّينَ، رغم انتشارِ الحواجزِ
تَخْضَرُّ زَيْتونةٌ في عُبورِكِ
تورِقُ سُنْبلةٌ
يَتَراجع ظِلُّ الجنودِ على النَّهرِ
يَسْكُتُ صوتُ الرّصاصِ”. (14)
فالنهر، هنا، مكان طاهر لا يستطيع الجنود دخوله، فيعودون أدراجهم، وقد صمتَ صوت الرصاص ليترك للأرض زخرفَها، وللحبيبة خيرات الأرض التي لا تنضب.
وفي قصيدة “لبيروتَ، للبرقِ، للأقمارِ القتلى…” كانت بيروت المدينة الثائرة التي لا ترضى الضّيْم، تماما، كالبحر الذي يضج بتاريخ الشهداء واللؤلؤ.
وفي قصيدة “اللغّة المفقودة” المليئة بألفاظ الحزن واليأس (حزني الغجريّ، رمل الصحراء الحارق، المدن المدفونة، لنهارٍ مات، المنفى…) كان البحر هو القوة التي ستنتشله من الغربة والضياع:
“…تأخذني بين يديها الوادعتينِ
تقبّلني،
كان البحر يرانا
كان البحر يغطّينا بالأعشاب المائيّة والأصداف”. (15)
فالبحر يدرك ما يحيط به، وجاء كانه المكان الذي يحرس حلم الشاعر وفتاته، فالبحر جاء، هنا، برمز الطمأنينة الذي يحمي الشاعر ومحبوبته من عيون الذئاب.
أما في المطوّلة الشعرية “نشيد البحر”
فاستعان عبد الناصر صالح بالشاعر كولريدج، ليقول ماذا يعني له البحر، يقول كولريدج:
” وحدي
وحدي تماماً
في هذا البحر الواسع “. (16)
يتحدث الشاعر عن بحر فلسطين الطاهر، الذي يبقى عصيّاً على الغزاة، ويظل رمزاً للسلامِ والوئام :
“هُوَ البَحْرُ،
بوّابةُ الماءِ والملْحِ
آخرُ ما تستطيعُ الوصولَ إِليهِ عيونُ الغُزاةِ
وأوّلُ ما تستطيعُ الدُّخولَ إليهِ النَّوارسُ…”. (17)
وكأنه يرمز للنوارس الى الشعب الفلسطيني الذي مقت الهجرة والتهجير، ولا بدَّ له من العودة إلى حضن الوطن. وسيبقى البحر رمزا للوطن المسالم، الذي يهب الخيرو العطاء، ويمنح الأرض زخرفها وجمالها:
“هُوَ البَحْرُ
لَوْنُ البلادِ المُقَدَّسُ
حينَ يصوغُ الرّبيعُ أخاديدَها
ويُهدهِدُ منها الجُذورَ الدّفينةَ
يرسمها شجراً طالعاً في المحطّاتِ
حول البحيراتِ
والقمم الجبليّة والأَوديهْ”. (18)
وفي تناص مع القرآن الكريم، يخاطب الشاعر أبطال انتفاضة الحجارة،حيث يقول:
“… سلامٌ عليكَ وأنتَ تموتُ
سلامٌ عليكَ وأنت تُقاتل
سلامٌ عليكَ وأنتَ تغادِرُ
كي تتقدَّمْ.
سلامٌ عليكَ
تَقَدَّمْ
أنتَ سِرُّ الطبيعةِ يا صاحبي
فَتَقدَّمْ
يكتبُ البحرُ مَوْلِدَهُ
فَتَقدَّم.
تكتبُ الأرضُ قرآنَها
فَتَقدَّمْ.
هيَ الإِنتفاضةُ
نارُ البدايةِ
قافلةُ الرَّغْبَةِ القادِمَهْ”. (19)
فأبطال الحجارة خرجوا من رحم الأرض ومن طبيعتها، كما يولد البحر، بشكل دائم، وكما تكتب الأرض بعناصرها، قدسيتها، هكذا هم بَشَر الانتفاضة يخرجون، أيضا ،من بركان الأرض ليحققوا الأمل المنشود.
والبحر يرمز إلى جمال الشهداء، وطموحهم بالعدالة الغائبة، والحرية دون حدود، فيشبّه في قصيدة “جدليّةُ الموتِ والبعث” الشهيدة إلهام أبو زعرور( ابنة جامعة النجاح) والتي استشهدت في أوائل الثمانينيات بالبحر ،بعيونها الزرقاء التي تحتوي القمح والعاشقين والطيور…
وفي قصيدة “مدائِنُ الحُضورِ والغِياب..” يتناول الشاعر مأساة الشعب الفلسطيني وحالته الصعبة، ومدنه المحاصرة ، يقول:
“لا ظِلٌّ سَيَحرُسُنا إذا انحرفَ السّبيلُ بِنا
وأجْهَضَ شَمْسَنا ـ في عزِّ صَبْوَتِها ـ
المدى الثَّلجِيُّ،
مُقفِرَةٌ مآذنُ صَوْتِنا،
جَرْداءُ إلاّ من حجارتِها
فهل يُجدي البكاءُ المرُّ حين تُصادَرُ الكَلِماتُ؟”.
ولا شيء قادر على دفع الفلسطيني للنهوض إلا البحر، يقول:
“سَتَجيءُ ذاكِرةٌ ونَعبُر ضِفَّةً أُخرى،
إلى جِهةِ البَنَفسجِ
سوف نَعبُر ـ مُثْقَلينَ بجُرحِنا المَنسِيِّ ـ
صوبَ البحرِ…”. (20)
فالبحر أصبح المكان الذي به يستطيع الشعب الفلسطيني إعادة الحياة لذاكرته، الى  مدنه وقراه التي عمل الاحتلال على إفراغها ليجلب المستوطنيين من كل بقاع الأرض، لا أمل للفلسطيني إلا الاغتسال بماء البحر، لأن طريق البحر يقود، هنا، إلى داخل فلسطين التاريخية ،  إلى حيفا ويافا وعكا…
ولا بدّ للشعب أن يتسلح كما تسلّح الشاعر بالقوة والحلم والتضحية، يقول:
“بيدي عصايَ وبعضُ أُغنيتي
فهل سَيَؤمُّني نَخْلُ الجزيرةِ
إن نَزَفْتُ دمي
وأَطلَقْتُ العَنانَ لآيَتي في البحر؟”. (21)
فالبحر سرُّ الثورة وجوهرُها. وترتكز  صورة البحر على تراكيبها المتشابكة، وأبنيتها التصويرية الكثيفة، فتشكل”الحقل الذي يقتنص منه الخيال عناصر الصورة ويستمد الرموز ويجسد فيها معاناة الشاعر، فيفكك عناصر الواقع ويعطيها وظائف جديدة يغور في أعماقها ويضيء جوهر وجودها “. (22)
يقول الشاعر:
“هاك دمي..
مُتَلَفّعاً بحرارةِ الأمطارِ
هاك دمي..
فاملأ حروفَكَ ما استَطَعْتَ
سيُنجِبُ المعنى إذا انبَلَجَتْ عَباءَةُ شَمْسِنا
وأذاب بَوْحُ نَشيدِنا غَبَشَ المَجَرَّهْ. (23)
ولا تكون الثورة دون منح الدماء للأرض العطشى، الدماء التي تمتزج بحرارة المطر، كي تظهر الشمس دون غبشٍ أو ضباب.
أما في قصيدة “فاكهة الندم”، فيقول:
“النوارس تملأ محرابها
والعناقيد تنهض خضراء
والماء يصفو
وقد ورث الأرضَ
أبناؤها”. (24)
ونلاحظ ،هنا، إن البحر تحوّل إلى فضاء من التأملات…، إلى عودة حتمية لأبناء الأرض، فالنوارس عادت لتملأ سماءها، ذلك أن  النوارس سرعان ما تعرف سبيلها.
إن رمز البحر في الشعر الفلسطيني على الأغلب للنفى، وهذا ما أعطى للشعر الفلسطيني نكهته وجماليته، لأن البحر مرتبط بالمغامرات والخرافات والأساطير، وقصص التيه والموت…فالبحر أصبحت معادلاً موضوعياً للمنفى.
غير إن الشاعر عبد الناصر صالح، وكونه ابن الأرض، ولم يعش بالمنافي كأغلبية الشعراء الفلسطينيين ،كانت قصائده التي عبر فيها عن الأرض وطبيعتها الخلابة، بما فيها البحر،  لها معنى آخر، فالشاعر،كغيره من الشعراء، يظهر الوطن بكل تجلياته في شعره، فكانت الأمكنة المختلفة، والبحر، بشكل خاص، تعبّر عن الذاكرة الوطنية في فكر الشاعر، فالبحر، في النهاية ،من روافد الأرض الطيبة.
يسيطر البحر كمكان على قصائد الشاعر، ونصوصه “تحفر الذاكرة و تسبر أغوارها        وتربط بين الحاضر والماضي، وبين الذات والجماعة”. (25) فالمكان عندما “يكون موضوعاً جمالياً متخيلاً يكتسب خاصية الأثر المبدع الذي تؤول ملكيته إلى القارئ أولاً واخيرا، فالشاعر لا يقدم سوى الإشارة إليه في إبداعه، يعمل الاقتصاد الشعري على اختزالها و حذف أجزائها. بيد أنَّ التخييل يعيد إليها المحذوف ليس بالطريقة الآلية التي يمكن أن نتصورها سريعاً و إنما بالإضافة الجديدة التي لم تكـن للمكان من قبل”. (26)

وفي النهاية، أجدني متفقا مع الشاعر اليوت بقوله: “والحس التاريخي ليس إدراك دور الماضي وحسب، إنما أثر الحاضر في شعر الشاعر ،فعندما ينظم قصائده فلا بد أن يتسرب التراث في شعره”. (27)
فتجد إن كل آداب قومه وتراثه يشاركه متحداً مع التراث الجديد والحداثة….فالشاعر يجب أن يكون صاحب تراث وحداثة ،في الوقت نفسه واعياً بما في الزمان والمكان…”وهذا الإحساس التراثي هو الذي يظهر الشاعر تقليدياً في الوقت ذاته لأنه يعي موقعه في جيله”. (28)
ومن خصائص شعر عبد الناصر صالح الدرامية، وتظهر هذه الخاصة بقوة في قصيدة “طيور الفينيق” المهداه إلى كفر قاسم حاضنة الشهداء، فهناك حوارٌ دراميّ يجري بين الشاعر وأشلاء الشهداء، والذي يتطرق لصراع الخير والشر، المحتلين وأبناء الأرض، ولا بد أن يأتي يوم النصر. ويمتاز شعره بالتفاؤل والإيمان بالغد، رغم الأوجاع التي تحيط بالقصائد.
وقد حقق الشاعر في شعره مقولة رولان بارث حول نص اللذة، فشعره “ذلك الذي يرضي، يفعم، يعطي المرح، ذلك الذي يأتي من الثقافة، ولا يقطع معها. إنه مرتبط بممارسة مريحة للقراءة”. (29)
فهو متخم بالخيال المجنَّح، والعاطفة المتدفقة، ويستحضرني، هنا ،قول وردزورث في رسالة وجهها إلى شاعر أحبَّه: “إن مشاعرك قوية، فثق في هذه المشاعر، فيستمد منها شعرك ما له تناسق وشكل، كما تستمد الشجرة من القوة الحيوية التي تغذيها”. (30)
أتصور إن تجربة الشاعر ستزداد حنكة، وسيبقى يعتني بلغته الشعرية، وصوره المبتكرة، ليبقى مبدعاً أصيلاً، ويخط لنفسه طريقا يميّزه.
وأخيرا فهذا الشعر يملك مفاتيحه التي تقرّبه من الناس، بلغته السلسة والمتدفقة دون تعقيد، وهذه صفة إيجابية ولا شك.
*  ناقد وقاص من فلسطين
الهوامش

1- محمد زغلول سلام. النّقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهات روّاده. الاسكندرية. دار المعارف للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1981م. ص 53.
2- يوسف عزّ الدين. التجديد في الشعر الحديث. دمشق. منشورات دار المدى للثقافة والنشر. ط2. 2007م. ص 42.
3- المرجع السابق. ص 44.
4- محمد غنيمي هلال. النقد الأدبي الحديث. بيروت. دار العودة للطباعة والنشر والتوزيع. ط1. 1982م. ص 376.
5- المرجع السابق. ص 380.
6- يوسف عزّ الدين. مرجع سابق. ص 46.
7- المرجع السابق. ص 46-47.
8- المرجع السابق. ص 47.
9- عبد الناصر صالح. “خارطة للفرح”. مجموعة شعرية، القدس: منشورات وكالة أبو عرفة للصحافة والدعاية والنشر. ط1. 1986م.
10- المصدر السابق.
11- المصدر السابق.
12- المصدر السابق.
13- المصدر السابق.
14- المصدر السابق.
15- المصدر السابق.
16- عبد الناصر صالح.  نشيد البحر” مطوّلة شعرية. القدس: منشورات دار النورس للصحافة والنشر. ط1. 1991م.
17-المصدر السابق.
18- المصدر السابق.
19-المصدر السابق.
20- عبد الناصر صالح. “مدائن الحضور و الغياب” مجموعة شعرية. رام الله: منشورات بيت الشعر الفلسطيني. ط1. 2009م.
21- المصدر السابق.
22- عبد الخالق محمد العف. التشكيل الجمالي في الشعر الفلسطيني المعاصر.  رام الله: منشورات وزارة الثقافة. ط1. 2000. ص 156.
23- “مدائن الحضور و الغياب”. مصدر سابق.
24- عبد الناصر صالح. “فاكهة الندم” مجموعة شعرية. رام الله: منشورات بيت الشعر الفلسطيني. ط1. 1999م.
25- محمد الصالح خرفي. البحر في الشعر الحزائري المعاصر. موقع مجلة أصوات الشمال .www.aswat-elchamal.comالثقافية
26- حبيب مونسي : فلسفة المكان في الشعر العربي “قراءة موضوعاتية جمالية “. منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، ط01، 2001. نقلا عن محمد خرفي. مرجع سابق.
27- يوسف عزّ الدين. مرجع سابق. ص 49.
28- المرجع السابق. ص 50.
29- عمر أوكان. لذة النص أو مغامرة الكتابة لدى بارت. الدار البيضاء: منشورات: إفريقيا الشرق. ط1. 1996م. ص 45.
30- محمد غنيمي هلال. مرجع سابق. ص 411.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة