بائع الكعكبان من عكا.. قصة : شهربان معدي

القصة ….
بقلم: شهربان معدي – فلسطين المحتلة …
بائع الكعكبان من عكا، كان يطل عليّنا مثل العيد ويطربنا بصّوته الغريد؛ فتزغرد معهُ الحارات وتتراقص لهُ الأجواء ويهرع جميع الأولاد..
– كعكبان كعكبان بكل الأشكال والألوان..! أبكِ عَ أمك يا ولد.. سكرا مذابا للصغار طابا، يطيّب الريق تعال يا صديق.. كعكبان كعكبان بكل الأشكال والألوان..
أنشودته ما أحيلاها وبضاعته ما أشهاها..! كان يجرّ عربته التي أثبت عليها لوحًا خشبيا عليه ما لذ وطاب من كعكبان ملوّن بيديه المتغضنتين وسحنته السمّراء المُتعبة وكأنه يجر معها عمره كله..
أين ذهب هذا البائع الطروب الذي كان يسبقه نشيدهُ..؟ هل توارى هُناك في مدينة الأحلام؟ أم أغرقه في السوق الأبيض الزُحام؟ قط لن ننساك يا بائع الكعكبان ولن ننسى طاقيتك الكاكي الكبيرة التي كانت تُغطي شعرك المُجعّد كصوف الخروف وعشّقك الكبير لمدينة الأحلام..
كنت تحدثنا عنّها وكأنك تُحدثنا عن فتاة أحلامك أو طفلتك المُدللة.. يا ذُل عكا من بعدَكَ يا بائع الكعكبان..
أذكر عندما كنت تزورنا تجلس بجانب الحائط الحجري المبني من حجر الصّوان وكنت تقول “ظل الحجر ولا ظل الشجر” وتمسح بمنديل عتيق تعب العمر.. وكنّا نلتف حوّلك نحن الصغار لتحدّثنا عن أسيرة قلبك عكا، عن بحّارة أشاوس، يبيعون السمك العجيب في السوق الأبيض، عن عكا والبحر بأنهما توأمان لا ينفصلان كأصابع اليد الواحدة.
رغم إنني كنت صغيرة السّن ولم أزر عكا ولو مرة واحدة ولكنّه رسم في خيالي مدينة جميلة، يتوسطها مسجد رحيب، أبوابه من فضة وقبابه من نور، يدّعى مسجد الجزار وبستان سحري يدعى بستان الباشا، ويُحيطهُا سور عظيم وأشجار نخيل وريحان تمتد ظلالها حتى تصل البحر الأزرق الكبير.. وتتغنّى في سماءها عصافير ملوّنة ونوارس شرِهَة لا تخشى شِباك البحارة السمر!
لن أنسى ذلك اليوم المشئوم، أبد الدهر عندما أتى بائع الكعبان لحيّنا؛ رغم أنّه كان صباحًا خريفيًا عابسًا، ولكن بائع الكعكبان بحلوياته الملوّنة وصوته الغريد..؟ حوّله لباقات ياسمين تتضوع برائحة عكا والبحر..
هرع أولاد الحارة كبيرهم وصغيرهم؛ يتهافتون على شراء بضاعته اللذيذة  بقروشهم الضئيلة وكان بيّنهم أحد أبناء جيراننا المعروف بخفة اليد ولطالما حذّرتنا أمهاتنا بعدم مجاراته واللعب معه وكن يردّدن دائما على مسامعنا ” إذا سلّم عليك عُد أصابع يديك” ولكنني لم أفقه ذلك لصُغر سني !
وأذكر جيّدا عندما انصرف كل أولاد الحارة الذين تسابقوا على شراء الحلويات اللذيذة، ولم يبق إلاّ أنا وجارنا اللص الصّغير و.. بائع الكعكبان المسكين، حيث طلب منه اللص الصغير بأن يحدّثه عن هزيمة نابليون أمام سور عكا العظيم وهذا الفصل بالذات من مسرحية بائع الكعكبان التي حفظناها عن ظهر قلب كان أكثر ما يروقني..
حدثنا عن تله كبيرة بناها جُنود نابليون (موّجودة حتى اليوم) ولكن سور عكا العظيم ورجالها الأشداء قهروا نابليون وجيشه الكبير الذي كان قد استولى على غزة ويافا وحيّفا ووصل إلى مشارق عكا المدينة الخالدة التي قهرته وعندما وصل بائع الكعكبان إلى السيناريو الأخير من مسرحية “عكا قاهرة نابليون” أغمض عينيه وأستطرد قائلاً:
– وقبل أن يرحل نابليون رمى قُبّعتهِ فوق أسّوار عكا من غيّظِهِ وكانت تلك المرة الأولى التي يُهّزَم فيها وقال: ” على الأقل مَرّت قُبّعتي من فوق أسّوارك يا عكا.. سلام عليّك يا عكا! سلام لا لقاء بعّدهُ” وعاد أدراجِهِ لبلادِهِ وهو يقول:
– تحطّمت أحلامي على أسّوارك يا عكا..
فتّحَ بائع الكعكبان عينيه الكليلتين وانحنى على الأرض ليلتقط قبّعته الكاكي التي رماها لا شعوريا على المصطبة الناعمة، وعندما رفع بصره أكتشف انقراض كل حلوياته المُلوّنة من على لوحته الخشبية ومعها انقرض ابن جيراننا وكأنه أمسك العصا السحرية.. التفُتُ ذات اليمين والشمال واكتشفتُ أنني وحيدة، عندما تحوّل صوت بائع الكعكبان الغريد إلى صياح أقرب إلى بُكاء وتأنيب:
– يا عيب الشوم عليكم، الدنيا بعدها صباح والصباح رباح وبالكاد حصلت على استفتاح!
حاولت أن أفلت بجلدي وأطلقت لساقيّ المرتجفتين العنان، ولكن ساعد والدي القوية كانت أسرع حيث أطبقت على ذراعي الصغيرة وقال مهددًا:
– كيف تجاسرت يا طويلة اليد! مرارًا وتكرارًا أنبهتك وإخوتك أن الذي “يسرق بيضة يسرق جمل” وجرني لبائع الكعكبان وأعتذر له بعد أن نقده ثمن بضاعته المسروقة..
كنت صامتة خائفة، لا أقوى حتى على كشْ الذباب عن وجهي؛ عندما قادني والدي إلى البيت وكانت علقة ساخنة مع حِزامهُ الجلدي الجديد! أردت أقول لأبي أن الحياة معطاءة سخية تأخذ بيد وتعطي بالأخرى، ولكنه بالنسبة له كانت جريمتي التي لم أفعلها.. لا تغتفر! جريمة لم أُشارك فيها أو حتى أفقه أسبابها..
دلفتُ إلى مخزن المؤن خاصتنا، انزويت وراء خزانة قديمة وأخذت أبكي بصمت عندما تذكرت ما حكتّه لي خالتي عن النار الملتهبة، التي سيُلقى فيها كل من يتجاسر على السرقة، نظرت إلى الشباك المكسور، عندما سمعت ضحكة ترفه ليست غريبة عني..
كان هذا ابن جيراننا النشّال الذي أفلت من العقاب وبدأ يلوّح لي بيده ويقهقه بصوت عالٍ بعد أن أشار بحركة من يده الخفيفة لجيب مريولي المدرسي الصغير، وانقرض مرة أُخرى.. تحسسّت الجيب بحذرٍ لأجد قطعة كعكبان مُحلاة على شكل حلزونه، تناولت الحلوى بعد أن كفكفت دموعي المُنّهمرة، وشعرّت أنها كانت أشهى حُلوى ذقّتها عُمري كلّهُ.. حلوى..؟ جعلتني لا أنسى قط، بائع الكعكبان من عكا..
“الكعكبان : نوع من الحلوى كانت قديما قبل ابتكار الحلويات الحالية بمذاقاتها وأشكالها المُتنوعة، واشتهر بتصنيعه أهل عكا والقدس”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة