طفل أنا،ولِلهمّ في داخلي تجاعيدُ – بقلم : ميمون حرش

القصة ……
بقلم : ميمون حرش – المغرب ….
البيت الذي تعيش فيه  “س” الآن مع حمار الناعورة (هكذا باتت تسمي زوجها) هو هبة من والدها، ولولاه لكانت الآن تفترش العراء، وتلتحف الفضاء .. أبوها قبل أن يموت أوصى بها إخوتها.. هؤلاء تزوجوا، وغيروا جلودهم؛ فأداروا للأخت ظهورهم، والأب الذي كان يعلم، بحكم التجربة، أن الإخوة – مثل الزمن – يقلبون ظهر المجنّ، دون سابق إنذار، وهب لابنته بيتاً متواضعاً. ولأنها وحيدته، فضلاً عن أنها لم تكمل دراستها، أشفق عليها .. وحين دق بابها أول خِطب، أصرت على الزواج به… ولم يُغْرها منه غيرُ شيء واحد هو وسامته، أما الباقي فستكشف عنه الأيام خارج السرير..
“س” هي الآن أم لثلاثة أولاد، تعتبرهم يتامى!.. أكبرهم وأسلمهم أنحل من قلم، وأقحل من جلم .. أبوهم مجرد قُعدة جُثمة، لا ترشح صفاته، ولا تندى حصاته .. لا يكاد يبرح بيته، وإذا حمل نفسه وخرج فأقصاه مقهى الحي. لا يبتعد كثيراً عن البيت كطفل يخشى الضياع، وهناك يخمر لساعات حيث يلعب “الكارطا” مع أترابه، ويدخن الحشيش..
يستيقظ متأخراً، ولا يهمه من أمر البيت شيء .. همُّه انتظار آخر الشهر ليقبض نصيبه من ثمن كراء مرآب البيت .. ولولاه لعاشت الأسرة بؤساً لا نظيرله…
وحين يضاف إلى هذا البؤس صمت القبور الذي يخيم على الأسرة، والذي يمارسه الأعضاء بشهية مُدمن، يصبح العيش لا يُطاق في غياب التواصل، وتعطل لغة الكلام..
الكلمات التي يرددها الزوج في اليوم الواحد معدودة، حفظتها “س” .. ولولاها لأمكن لها أن تعتبره مجرد أخرس، والزواج – الذي دام  أكثر من عشر سنوات – لو تُرجم إلى سيناريو فيلم لما اكتملت صفحة واحدة منه؛ بسبب صمته المزمن!… في الأول، كانت تفتح معه قنوات عدة للحوار، ولأنها لم تكن تحصد منها غير زفرات تترع من الأعماق متلوة بمبررات لا تقنع حتى الأطفال الصغار: “أنا عاطل من العمل”، والأبواب موصدة، والدرهم صار عزيزاً…” جارته في صمته، فاحترفته، وأدمنت عليه هي الأخرى..
الزوج “س”، في كل يوم جديد، تنشغل بأمور البيت على سبيل التسلية .. تكنس، تجلس، تقف، تفتح نافذة، تغلق أخرى… وهو منزوٍ في ركن يرمقها صامتاً. وحين تملّ من نظراته، تزيد في زوادة مسجّلتها الوحيدة. تدير شريطها اليتيم، وتستمع لهيفاء وهبي؛ فتغرق في “الواوا” .. فلا الصوت يغريها ولا الكلمات .. إنما فقط لأن هناك مَنْ يقول لها إن لها نصيباً من الشَّبَه معها .. والزوج يظل سادراً، مدندناً، وغارقاً في قصبة رقيقة بَرَاها بنفسه، يمجّ منها أنفاساً طويلة من حشيش الكيف .. يملأ فِناء البيت بروائحَ كريهة اعتادت عليها زوجته مرغمة مع مرور الأيام. هي طالما حمّلت نضاء أجسام الأولاد، وتدني مستواهم الدراسي، وما يعمهم من قشَف، فضلاً عن الشظف، لهذه المادة المخدِّرة… والزوج غير مبال، لا يكش ولا ينش..
ورثتِ الزوج “س”، وكذلك الأولاد، الصمت منه .. قلّ كلام الأم حتى مع أولادها، وهؤلاء يقلدون أحجار أبي الهول داخل فصولهم الدراسية؛ ذهابهم إلى المدرسة، كما أوْبَتهم منها،جحيم مقيم، على ظهورهم يحملون لا محافظهم فقط، بل بيتهم البارد الصامت…هم مجرد صور في رسوم متحركة بلغة “شارلي شابلن”..
وحين تجتمع الأسرة داخل البيت، تخال على رؤوسها الطير .. شيء واحدٌ مشترك بينهم، وبخيط رفيع يجمعهم .. إنه استمراؤهم الصمتَ، يمور كفُرْن داخل صدر كل واحد منهم، ينداح مع نسيج  حكايا خاصة، كل واحد يرعى بداية حكايته.. يسقيها بصمت،  ولكن لا أحد منهم يعرف مآلها، ولا كيف ستكون نهايتها .. ومع ذلك، هم ثرثارون مع النفس الأماّرة بالصمت .. ينسجون منها بقاياهم، ويلملمون سواد ليلهم، وبياض نهارهم، ندفاً عبارة عن حوار متخيّل يوزعونه على كل الزوايا في البيت .. قد لا يعني أحداً، لكنه يُغرس مع ذلك، علَّه ينبتُ في مكان من البيت – يوما ما – فمٌ يحكي عن الكل البدايةَ والنهاية معاً..
الولد البكر لا يفهم لماذا لا يتواصل أبواه، وهذا الصمت المزمن الذي يعانقه في بيت بارد هو “وضعية مشكلة”، وما يتعلمه من دروس في المدرسة عن الأسرة، بوصفها خلية متماسكة، يتهاوى، مع أبويه داخل البيت، كجبل من أوراق .. يصبح الأولاد فيها مجرد نَكِرات، تسوقهم الريح، لمواجهة إعصار لا يقوون على التصدي له…
هذا الولد كره البيت، وعشق الشارع .. ليس من انحراف، وإنما رغبة في معانقة ضجيج السيارات، وصياح المارّة، وصخب الجيران.. كل هذا يُشعره بأنه موجود فعلاً، وما الصمت في بيته وصدره سوى حالة شاذة…
تمنى لو يفيق يوماً على كلمة “صباح الخير” تُقال له، أوْ لأحد أخويْه، ولو خطأ!..
لا شيء غير الحلم :
“أبناء غرباء .. ما أتعسهم..
ويا نفس، كم من الصبر تحتاجين!
ويا سماء، كم أنت بعيدة!..
ويا أرض، لِمَ تسخرين مني ومن أدمعي؟
ولِمَ تُنصفين مع أولاد الناس إلا معي؟!..
صغير أنا .. وللهمّ في داخلي تجاعيدُ مُسنّ عافته الموت!..”
هذا الولد كره عمره، أيامه، فصوله، لكن الأحد تحديداً له طعم آخر بالنسبة إليه ..
سيفيق في آخر أسبوع، ذات أحد، على صراخ في البيت ارتجت له الغرف .. لقد كسر الصمتَ المزمن الساكن فيه .. كانت الأم والأب يصرخان ملء فيهما .. دفعة واحدة يتكلمان، والبيت يتنفس الصعداء، ويتثاءب كطفل صغير  شبع حليب أمه. كانت “س” تمسك بمسجلتها الوحيدة مهشمة، والزوج يمسك قصبة حشيشه .. جزء منها في اليمنى، والآخر في اليسرى، وفمه فرن ينفث شتائمَ داعرة في حضرة الأولاد:
– ” أبنت القـ…”، كسرت السبسي عـنوة..
ترد الأم :
– مسجلتي الوحيدة مهشمة!.. أنت الفاعل .. أيها المدمن المأفون…
ظلاّ على هذه الحال مدة، يكيل بعضُهما لبعض سباً وشتائمَ بالأبيض والأسود، وبالألوان أيضاً. كان الأولاد، في وجوم، يراقبون المشهد في حياد، لكنهم يبتسمون مِلْءَ فيهم، وكجياد صغيرة يستنون داخل غرفتهم .. شيء ما داخلهم انتفض. راقهم الحوار “الراقي” حول المسجلة و السبسي… بدت الأم، في خصامها مع الزوج، وهي تحاوره، امرأة أخرى .. نبت لها فم، داخله لسان، وللأب مثله .. يا الله!، ما أجمل هذا الأحد..! أخيراً تنفس البيت كلاماً، وفي زواياه حرارة غير معهودة أحس بها الأولاد،تدفّأوا بها…
حبس الأطفال أنفسهم في غرفة واحدة. ضحكوا ببراءة. تحدثوا لأول مرة طويلاً، ثم قرروا أن يكتموا السر…

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة